الرئيسية / آخر الأخبار / أحمد عمر يكتب: الحيوان السوري الأخير

أحمد عمر يكتب: الحيوان السوري الأخير

الرابط المختصر:

أحمد عمر

ما إن اقترب شهر شباط، حتى اعترتْ هرتنا حمّى مواء غريب، كانت تستغيث بنا، وتتمرغ على الأرض متقلبة، وتموء مواء مكسوراً ضارعاً، وتكاد لولا عجمة الحيوان أن تنطق، فتساءل الأولاد عن الأمر الذي دهاها. أخذتُ زوجتي إلى معزل نجيّاً، وقلت لها هامساً وكأني سأتحدث في شأن سياسي محظور، غامزاً بعيني اليسرى غمزة الخطيئة الأولى: الهرة مالحة. والملوحة تعبير كردي جنسي عن الأنثى التي تبالغ في عرض جمالها، والتّثني والميَدَان مشياً على ضفاف قلوب الذكور، لابسة الأحمر والأخضر، والعيون تضرب سلام، فيقول عنها الذكور بشبق ونبرة وعيد خالية من الصمود والتصدي: إنها مالحة. ولا يكسر ملوحة الأنثى إلا ماء الذكر الحلو، ماء الخليقة والتكوين والنشأة الأولى. قلت: نحن في شهر فالنتاين ربُّ الهررة الجديد الذي أحضره أحفاد عمرو بن لحي في عصر العولمة يا زوجتي العزيزة، الهررة تحتفل بعيد فالنتاين منذ بدء الخليقة، منذ أن كان فالنتاين منجدلاً بين الماء والطين. سألتْ: ماذا نفعل لها أيها الهِرّ؟ وتقصد السيد بالألمانية، لا شيء آخر. حملتُ الهرة بين ذراعي، وقصدتُ تخوم القرية المثالية التي كنا نقيم فيها، والتي أسستها الأمم المتحدة من أموال أعضائها، أنزلتُها، وقلت لها: تفضلي، اذهبي إلى تلك القرية واستبضعي، وافثئي ملوحتك بماء الذكور وعودي. نزلت الهرة، وتلفتتْ حولها، مستغربة، ماءتْ، وتفحصتْ الأنحاء، وتشممتْ رسائل الهواء والأثير، وبدأتْ تمشي مترددة، متعرجة، تلوذ بالحجارة، ثم قصدتْ عديمةُ الناموس القريةَ البعيدة غير المثالية، تقودها الغريزة إلى أحضان الذكور القوية، التي تعضُّ في سفادها على أعناق الهررة عضاً منكراً في شهر قديس الفحول فالنتاين. القرى غير المثالية العادية، فيها مختار وحلاقون، وحيوانات منزلية، وكنائس، وجوامع يذكر فيها اسم الله كثيرا، أما قريتنا المثالية، فلم يكن فيها شيء سوى علب الإسمنت سكنى لدواجن البشر، كانت حكومتنا تقوم بالمعجزات، أثبتتْ عبر نصف قرن أنها قادرة على تحويل الذهب إلى تراب، على عكس السيمائيين، حولت شعباً من الفرسان إلى دواجن، فأنعم بها وأكرم. وكانت الحكومة الموقرة قد أطلقت على القرية اسم “ضيعة تشرين” تيمناً بالتشرينين: تشرين التحرير، وتشرين التصحيح، ونسيت شباط التنكيح. عادت عديمة الشرف، بعد ثلاثة أيام، وقد كسرتْ ملوحتها، وباعتْ شرفها، كانت تستلقي تحت الشمس في النافذة سعيدة، وتنام طويلاً كعادة أميرات الحيوان المستأنسة، تأكل وتنام، وتهرّ وتلهو مع الأولاد. بعد شهور، أنجبت أربع هريرات صغيرات، سَعِد بها الأولاد، علمت في ما بعد أن في قريتنا هرة أخرى، هي للسيدة الروسية ناتاشا التي عاد بها زميلنا علوش من روسيا، التي أوفد إليها لدراسة الهندسة، فعاد بشهادتين؛ بكالوريوس في الهندسة، وليسانس في علوم اللذة والناتاشات، والشهادة الثانية بحسب الشهادات وأولي العزم والليالي الحمراء، عليا وتستحق التضحية. ومن أسف أن هرتها أنثى، فلو كانت هراً لاستأنستْ هرتنا به في شهر الحب. روسيا تحاربنا بالنار في الجو، والإناث في البر، وَسِوى الرّومِ خَلفَ ظَهرِكَ رُومٌ، فَعَلَى أيّ جَانِبَيْكَ تَمِيلُ. وكان زوجها لي من المقربين، وسبب صداقتنا أو عدواتنا المؤجلة، أنه امرؤ لطيف، فقد ولد في البرازيل، ودرس في روسيا، عاش في دولتين، ورأى بعض المسرحيات العالمية والأفلام، وذهبت عنه بعض ملوحة الطائفة ومرارتها، أما طائفتنا الهوتو، فهي أفضل طائفة في العالم، وهي متهمة باطلاً من كل الأمم بالتعصب، وقد شاع عنّا قول لا يخلو من صواب، وهو أننا إذا ما نلنا حق الانتخاب يوماً، لاخترنا حكومة إسلامية لبلدنا، ثم فضلنا العيش نازحين إلى بلد علماني، وهذه طبيعة بشرية، فالناس تنوس بين الفطرة والغريزة، بين حبِّ الحرية، والخوف من اليوم الآخر. كبرت الهررة الصغيرة، وبدأنا نفتح لها باب الشقة، ويأخذها الأولاد إلى أسفل الشقة للتعرف على الأرض والتراب والحشرات، وما هي إلا أيام، حتى وجدت جاري سليمان المكنّى بأبي غدير، يدقّ علي ناقوس الباب بكل يد مضرجة، فتحت الباب مبتسماً، فرأيت عينيه تقدحان شرراً، كان يسكن في الطابق الأدنى، أسفل شقتي، علمت لاحقاً أنه سليل أسرة من شيوخ التوتسي، قال لي بهدوء، إنه لا يريد أن يرى الهررة أبداً في مدخل العمارة الإسمنتية التي كنا نقطن فيها، لأن أولاده يخافون من الهررة، وهددني بأنه سيشتكي إلى الشرطة، وكانت العادة أن تهدد الناس بعضها بالشكوى إلى المخابرات، فتألمتُ من بأس التهديد، وأحسستُ بالإهانة، وحاولت أن أجادل وأخفف من غلواء غضبه، لكن إصراره كان فولادياً، فوعدته أن أجد حلاً في أقرب وقت، وفعلاً اعتذرت من أولادي، الذين بكوا على هررهم الصغيرة، فقلت لهم: نحن أمام خيارين: إما أن نتخلص من الهررة، وإما أن تفقدوا أباكم بتهمة إضعاف الشعور القومي وتوهين روح الأمة، وشرحت لهم أن الأمة، أمتهم، واهنة، وبروح واحدة، ومن زجاج، وليست مثل أمتنا الفولاذية بسبعة أرواح، فلنصبر. أحضرت أكياسا من الخيش، ودسست الهررة فيها غدراً وبالحيلة، وبكتْ البنات، اتفقت مع أحد السائقين على مصالحة وطنية، تقضي بالنزوح بالهررة إلى حدود إدلب، منفى الأرض الأكبر. وتمثلتُ بقول الأعشى في معلقته المكتوبة بماء الذهب على الكعبة المشرفة: وَدّعْ هُرَيْرَةَ إنّ الرَّكْبَ مرْتَحِلُ – وَهَلْ تُطِيقُ وَداعاً أَيُّهَا الرَّجُلُ. رويت في ما بعد لصديقي عبد القدوس مختار القرية المثالية الفخري، متألماً موجوعاً، قصة هررتي، وهو رجل يكثر من الفخر بانتسابه إلى آل هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، فذكرته بالمأثور الذي ينهى عن التفاخر بالنسب، فلا أنساب في الإسلام، فالتقوى هي نسب المسلمين، لكنه لا يرعوي أو ينسى، وكان الإنسان نسيا. قال لي موضحاً سبب غضبة أبي غدير من الهررة: هذه عقيدة لدى التوتسي يا أخا الهوتو، هؤلاء قوم يؤمنون بالتقمص وتناسخ الأرواح، ويعتقدون أن الهرة كائن منسوخ عن كائن بشري، فتذكرت أني زرت كثيراً من القرى التوتسية، فلم أجد بها هرة واحدة! الهررة تخاف الضباع البشرية. قلت له أدحض زعمه: ولكن صاحبنا الحاصل على شهادة الناتاشا، توتسي ولديه هرة؟ قال: عظَّم الله أجركم، لقد تخلَّص منها هو الآخر. وأضاف بأن الهرِّة هي هرّة زوجته الروسية -والفرنجة، أكانوا شيوعيين، أم رأسماليين- يحبون الحيوانات، وقد استغل غياب زوجته في رحلة إلى روسيا، وبدأ يعذّب الهرة، كلما رآها نائمة تحت الشمس سكب عليها برميلاً من الماء البارد، إلى أن كفرت ونزحت من الديار. الهررة حيوانات نظيفة وتكره الماء، وهي تغتسل بلعابها المضاد للجراثيم، وتتعلق بالبيوت على عكس الكلاب التي تتعلق بأصحاب البيوت. كنا موعودين نحن أنباء القرية المثالية، التي اختير سكانها بالمسطرة وميزان العقيدة والولاء، بمزارع تعاونية ومداجن ومصانع، لكن المؤسسة الوحيدة التي بنيت في القرية، كان معمل علكة، وكانت القرية مرعية من الأمم المتحدة، حتى إن الأشجار التي كنا نزرعها في عيد الشجرة تموت بعد شهور، فموظفو الحراج كانوا يزرعونها زراعة مرتجلة، قرب سطح الأرض فتجرفها الأمطار، ولم تنج سوى بعض الأشجار الشاحبة التي أعدنا زراعتها. هناك ملاحظة لا بدَّ منها، وهي أنه لم يكن في ضيعة تشرين المثالية معابد، لا مساجد ولا كنائس، ولا مسرح، والمسرح هو معبد أدونيس، ولو أن معبده الحقيقي هو المقبرة، الضريح معبده، وقد بنى لنفسه ضريحاً، على أمل أن يتحول إلى ربٍّ بعد أن يبول الزمان على دِمْنَتِهِ، ويصيّره الله إلى نقمته. كانت قرية من ملح، وستذوب تحت المطر. تحسست بلساني طعم الأفق، وبدأت أزن المقادير، وأكيل المآلات والنذر في حسابات الفوز والخسران، والموت والحياة، ورحت أعدُّ الزملاء المفقودين على الحواجز، فوجدت طعم الدماء في الأفق، فوضعتُ طرف جلابيتي في فمي، وقلت: يا فكيك، وهربت بجلدي وجلابيتي. الجلابية تهمة، وأنا أحبُّ البحبوحة في الثوب والثواب. وما زلت أتصل بصديقي عبد القدوس، الذي يزعم أنه من آل البيت، فأنهاه فلا يرعوي، ويتهمني بأني من نواصب الهوتو، قلتُ له: فلقت رأسي بنسبك الكريم، حتى أبو لهب كان من آل البيت بالدم، فكف عنا فخرك يا سلالة أبي لهب، فضحك. أمس أبلغني أن القرية وقعت فيها أحداث جديدة. فسألت وقلت: هات ما لديك وأوجز، روحي بلغت الحلقوم. قال: إنه صنع كوخاً، واقتنى ديكاً لصلاة الفجر يوحد الله في عصر الوثنية والفالنتاين. قلت: أخشى أن يتهم الديك بإضعاف الشعور القومي، الديك من أهل الهوتو والجماعة. فشكا لي قائلاً بصوت حزين، موجوع، مقطوع، به نزيف من قراع الكتائب: إنه يؤذن في أوقات الصلوات وأوقات النوافل! لقد فقد حِسّ المواقيت والأهلّة. قلت: حرام عليك يا أخا الهوتو، أكمل نصف دينه، زوّجه، لا ديك بلا دجاجات. قال ضاحكاً: وأين لي بمهر عروسه، الدجاجة ثمنها عشرة آلاف ليرة، ومهرها أغلى في هذه الأيام من مهر الحرة التي لا تأكل بثدييها، الحال كما تعرف نحن نعيش على البطاقات والحصص التموينية، وتعرف أن دين الديكة لا يكتمل بدجاجة واحدة، دينه عشرة أعشار. تطوعتُ تصدقا بمهر الديك، وأرسلته له بحوالات معقدة مثل حساب المثلثات عبر المدن والأقاليم والدول، فاشترى عشر دجاجات مثل دجاجات ربة بيت بشار بن برد التي تصب الخلَّ في الزيت، أهليةً من القرية المجاورة التي صاهرت هرتنا. أرسل لي صورة الديك، فسبّحت الله على جماله، يقال: إن ذكور الحيوانات كلها أجمل من الإناث، إلا في جنس البشر المنكوب الذي حمل الأمانة التي عرضت ” عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا” . قلت له موصياً: سمِّ الديك اسماً، فليكن ترامباس. قال: على اسم ساكن البيت الأبيض عاشت الأسامي؟ قلت: نعم، وهو أيضاً اسم بطل من أبطال أفلام الكاوبوي في أيام الأبيض والأسود. قال: في أمريكا دونالد، بطة، هو عندنا ديك. قلت: وفي إسرائيل دجاجة.. بروست. سأل: الدجاجات.. هل ستتركها بلا أسماء يا غالي؟ قلت: سمِّها كلها على اسم ناتاشا يا حبيب. قال: غريب أمرك، الناس تموت من الجوع، وأنت تسعى في زواج ديك؟ قلت: في كل كبد رطبة أجر، وإذا جعتم فكلوها حلالاً طيباً إلا الديك، سوريا تعاني من نقص في الذكور. قال: أظنُّ أن وراء عطفك على الديك أخوة منهج، والله أعلم. روى لي أن سكان القرية المثالية سعدوا بالمدجنة، وصار القن سيركاً، فالأولاد يزورون القن الشبكي، ويقضون نهار العطلة، وهم يشاهدون الديك الفحل وهو يثب على الدجاجات، ويعضُّ بمنقار شهوته على أعناقها، ويثبت جناحي الدجاجة ببراثنه، ثم يقضي وطره السريع منها، لقد عاد الديك إلى صباه في القوة على الباه. قال: أفسدنا أخلاق النشء الجديد يا أخا الهوتو النواصب، النساء في الحي أيضاً يزرنَ القن، ويتحسرنَ على أمر مفقود، فقد ماتت الرجولة يا صاحبي بعد أن صرنا نباتيين، والنبات مع الخوف يضعفان الفحولة، ويقتلان المروءة، ويطيبان إقامة الاستعمار. طاب الموت يا صاحبي، ننام مثل القتلة، فيذكرنا الديك بصياحه الفحل في فجر الذرية، بأيام الله. سألت: وما حال صوته بعد أن أكملنا له دينه، وشدّدنا يقينه؟ قال: أبو كلثوم ما شاء الله، أحلى من صوت صباح فخري ونصري شمس الدين. قلت: صف لي مشكورا ما يجري في السيرك الأعظم. قال: ما أن يرى الديك ساق دجاجة حتى ينعظ، وتستبدُّ به حمّى، فينتفش ريشه كالقنفذ ويتصلب جناحاه ويبدأ بفعل كفعل الدراجين فيهمز بقدمه اليسرى “مارش” الدراجة النارية عدة مرات، فيعلو صوت المحرك ثمانية بستون وتستكين الدجاجة وكأنها في فرع فلسطين من غضبة الديك ثم يبدأ التكوين النشأة الأخرى. قلت وقد نويت أن أزوّج الديك دجاجة رومية والدجاجات الروميات من سلالة الطواويس، تؤكل مع ريشها ، حتى تكتمل أخوة المنهج: ما شاء الله .. علم بلادي مرفوع. مرّت الأيام، فسألته عن الديك ترامباس، على ترددات الواتس أب الخضراء، وعن الدجاجات المصونات، فقال: تعيش يا أخا الروهينغا، العمر لكم، حتى الريش ذهب مع الريح. قلت متسائلاً بحزن: أأكلتها الكلاب أم الثعالب؟ قال: لا.. أكلتها ومعها الديك عناصر الحاجز يا أوزون القلب.

المصدر: المدن

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

فايز سارة يكتب: معركة إدلب الداخلية

فايز سارة تكشف حالة إدلب ومحيطها اليوم خلاصات الواقع السوري، بل وتضيف ...