الرئيسية / مقالات / سميرة مبيض يكتب: حوامل الترويج لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي

سميرة مبيض يكتب: حوامل الترويج لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي

الرابط المختصر:

سميرة مبيض

بعد تدويل القضية السورية، وانتشار الصراع المسلح في أغلب مناطقها، وإضعاف حدودها، ودخول المتطرفين إليها من كل أصقاع الأرض، استغل “حزب الاتحاد الديمقراطي” الكردي هذا المآل الذي حلّ بالسوريين؛ لينشر فكره المتطرف داخل وخارج الحدود السورية، ويستخدم مأساة السوريين؛ لرفع رصيد التعصب الذي يتسم به، وينشره بين أفراد معتدلين، لم يكونوا ليلتفتوا لفكر -كهذا- في الأحوال العادية، مستخدمًا حوامل ترويجية عديدة، مُشوّهًا عبرها مفهومات سليمة، في سبيل تحقيق هدف منحرف، هو اقتطاع جزء من الأرض السورية على خلفية عنصرية قومية.

من هذه الحوامل الترويجية على الصعيد الخارجي والداخلي:

استغلال منظمات المرأة

تعدّ قضية المرأة من القضايا التي يستغلها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي استغلالًا كبيرًا، ويستخدمها حاملًا دعائيًا أساسيًا لدعايته في أوروبا، فمن أكثر المروجين لأفكاره المنظمات النسوية، إذ يعتمد ضمنها على صورة المرأة المسلحة في الترويج لنفسه، بوصفه حريتها هي في مهاجمة القوانين الناظمة للمجتمع كافة، وبما أن المجتمع الأوروبي محافظ على مفهوم الأسرة والضوابط الأساسية، مع إعطاء جميع الأطياف الأخرى حرياتهم، فقد بقي توجهه هذا منحصرًا في فئات محددة، حيث نجد في منشوراته التي تستهدف التأثير في هذه الفئة تشويه لصورة المجتمع العربي، في تعميم مغلوط بكونه يُجبر الفتيات على التديّن وارتداء الحجاب عبر نصوص تصل بالبريد الإلكتروني، تحاول تصوير المرأة غير التابعة لفكر هذا الحزب امرأة خاضعة غير متحررة، بتحريف مقصود للقيم المجتمعية كافة، وربطها ربطًا غير منطقي بدين أو بقومية.

ينسى أتباع هذا الحزب الإشارة إلى هذه المنظمات بالأمهات اللواتي هُجّرن قسرًا من بيوتهن في البلدات العربية؛ ليهمن مع أطفالهن في العراء دون سقف، بينما يحتل أتباعه بيوتهنّ، ويتناسى أيضًا الإشارة إلى أمهات فقدن أبناءهن قسرًا للتجنيد في صفوفه، أو للأمهات اللواتي يعتقل أبناؤهن في سجونه، وغير ذلك من قصص النساء اللواتي يعانين تحت وزر ظلمه كأي حكم شمولي.

استغلال الإصلاح الديني والعلمانية

على الرغم من الحاجة الكبيرة للإصلاح الديني في المفهومات المغلوطة التي انتشرت عن الدين الإسلامي، وخصيصًا في البلدان التي خضعت لتشويه ديني مقصود؛ بهدف دعم وجود نظم حكم استبدادية فيها، إلا أن استراتيجية حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الترويجية، تستغل هذا التوجه عبر تجنيدها بعض العاملين في مجال التنوير الإسلامي، واستغلال هذا التوجه وجهًا دعائيًا لها، واستخدامه سلاحًا ضد المسلمين العرب من أبناء المنطقة، بطريقة تنفّر المعنيين منه، في حين أنه أمر حيوي وضروري لمستقبل شعوب المنطقة، ومن المؤسف أن أمثال هؤلاء من شيوخ وعلماء دين، يحتكرونه ويفوتون اليوم الفرصة المواتية في سياق التطور الاجتماعي والفكري الذي تمر به المنطقة للترويج لتوجهات عنصرية عبر هدف نبيل هو التنوير الديني. وبعد أن نجوا، هم وأبنائهم وأحفادهم وجميع أفراد عائلاتهم، لا يتوانون عن تأجيج الحقد هناك قنابل تهوي على رؤوس أطفالنا.

استغل اتباع هذا الحزب توجه العلمانية في السياق نفسه، فهو يتبنى العلمانية المعادية للأديان التي يُقتل السوريون باسمها اليوم، مشوهًا المفهوم الصحيح؛ بهدف تمرير فكره المنحرف، ومحاولًا جذب عدد كبير من العلمانيين نحو صفوفه، وللأسف؛ فإن كثيرين منهم وقعوا في هذا الفخ، وباتوا يدافعون عن حزب متطرف إرهابي بلبوس علماني تنويري.

دعاية محاربة إرهاب “داعش”

ينشر الحزب لنفسه عبر أبواقه دعاية مفادها أنه يُحارب الإرهاب؛ متمثلًا بـ “داعش”، مُستغلًا هذا الأمر لقتل وتهجير السوريين من قوميات أخرى من مناطقهم بغرض احتلالها، مُتّهمًا الجميع بما فيهم النساء والأطفال بأنهم “دواعش”، وبات يُشرّع لنفسه تفريغ مدن كاملة واحتلالها تحت مسمى محاربة الإرهاب، مشكلًا إرهابًا موازيًا لا يقل خطرًا عن “داعش”، ويُشكّل رديفًا لإرهاب نظام.

استغلال المنظمات الطلابية

تروج المنظمات الطلابية المدفوعة من حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في أوروبا لما يُسمّيه منطقة “روج آفا”، وتوزع ضمن منشوراتها خريطة لسورية، تُظهر المنطقة الشمالية منعزلة باللون الأحمر، وتتحدث عن تحالف الأقليات في هذه الكونفدرالية، وتشيد بهذا الحزب ومشروعه التقسيمي الواضح لسورية، وتنسج علاقات ضمن الجامعات؛ بهدف تعاون علمي مع جامعة؛ تحمل اسم الكيان المزمع اقتطاعه من سورية بغير حق، ولا يعلم الأساتذة الجامعيين الذين يتطوعون لهذا التعاون أنه مبني على أنقاض بيوت طلاب هدّمت، وتاريخ تحرّف بغرض إقامة هذه المنطقة، وطرد أهل سورية منها تتاليًا وتباعًا.

العمل على التفرقة بين المكونات السورية

يزرع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي التفرقة والفتنة القومية والطائفية بين المكونات بنهج تنظيم الأسد نفسه تمامًا، تحت ادعاء حاجتهم إلى الحماية، فنراه يستقطب بين صفوفه كثيرًا من الشخصيات العلوية والمسيحية، ناشرًا الخوف من بقية السوريين العرب السنة، واصفًا إياهم بالـ “دواعش”، ففي الحقيقة أن هذه المكونات، إن لم يجرِ احتواؤها داخل قبضته، وبالأخص منها المختلفة عنه في القومية تكشف زيف ادعاءاته الديمقراطية -هذه- مقابل حقيقته العنصرية القومية، لذلك يسعى لجذبهم بجميع الوسائل، وتحت مسميات كثيرة، تسقط جميعها أمام بند التعصب القومي وتقسيم سورية.

سرعان ما ستجد هذه المكونات نفسها في مواجهة المعضلة نفسها التي عانتها مع النظام، في المرتبة الثانية بالمواطنة، وفي ضياع لأي حقوق لها بمواجهة العنصرية القومية، وسيبقى تسليحها ضئيلًا مقارنة بميليشيات هذا الحزب، ولن يتوانى عن إلحاق الأذى، بها عند أي تهديد لنفوذه مثلما يفرضه هو، لا كما تنصّ عليه عقود اجتماعية غير ملزمة.

العمل على الزج بالسوريين في حربه ضد تركيا

يزج حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بالسوريين في حرب ليس لهم بها شأن، وهي حرب حزب العمال الكردستاني ضد الحكومة التركية، ويشترط للمنتمين إلى صفوفه والمتحابين معه إضمار العداء للحكومة التركية، وكأن السوري الذي عاش خمسين عامًا تحت وطأة الظلم والقهر، وانعدام الاستقرار، عليه أيضًا حمل وزر حروب غيره، ونحن في خضم ثورة للتغيير الديمقراطي، والمطالبة بالحرية والكرامة للسوريين جميعهم، وليس لفئة منهم فحسب، أليس الأولى بنا تكريس كل جهد لحرية الشعب السوري وتخليصه من مصاب حل فيه.

أليس الشعب التركي هو الأولى بتقرير شؤونه الداخلية، وهو الذي يعيش في استقرار وبكرامة في نهضة اقتصادية، علمية واجتماعية في ظل حكم علماني، بينما حُرم السوريون تحت نير الاستبداد من التقدم خطوة واحدة لخمسين عامًا، ويعانون من الهوان والذل والفقر والتهجير.

يحيّدُ هذا الدفع نحو الصراع مع تركيا جزءًا من السوريين الفاعلين عن دورهم الأساسي، والأخص منهم من العلمانيين، فبات همهم الشاغل مهاجمة الحكومة التركية، وترصد الأخطاء لها بحجة محاربة تيارات الإسلام السياسي، لا بل ومهاجمة وتخوين كل من لا يهاجمها، في حين أن كل عاقل يرى أن لا شأن ولا مصلحة للسوريين في هذا الصراع؛ فلديهم ما يكفيهم ويزيد.

فحربنا ليست ضد تيارات الإسلام السياسي داخل وخارج سورية، إذ يعدّ حزب الاتحاد الديمقراطي على الصعيد السوري أخطر من تيارات الإسلام السياسي؛ لسببين:

الأول سبب خارجي يتعلق بتوازن القوى في المنطقة، فلن يسمح المجتمع الدولي بإقامة نظام حكم ذي خلفية سياسية إسلامية في سورية بأي حال، وهذا أمر واضح للجميع، بمن فيهم أصحاب هذه التيارات، ولا مخاوف حقيقية منه.

بينما تسعى أطراف كثيرة أن تكون سورية مقسمة إلى دويلات؛ لتحقيق مصالحها، وهذا يتوافق مع مشروع الحزب الانفصالي، ومن ثم؛ من الممكن أن يلقى دعمًا موقتا إلى حين تقسيم سورية واندثارها أرضًا واحدة، ومن ثم؛ ترك الدويلات الضعيفة الناتجة عنها لمصيرها المحتوم.

السبب الثاني داخلي؛ فالمجتمع السوري قائم على التنوع في المكونات، وهو الطابع الأبرز لهويته، وحين اقتطاع جزء من الأرض بالقوة لمكون ما، ستُخلق حالة مطالبة كل مكون بجزء يخصّه؛ ما سيعزز حالة الانقسام والتشرذم والصراع المستمر، وهي حالة يفرضها هذا التوجه الانفصالي حتمًا.

المخاطر:

الخطورة التي تكمن في إقامة منظومة عنصرية على الأرض السورية، تكمن في أنه يُستبدل نظام استبداد طائفي بنظام استبداد قومي في هذه البقعة، مع كل ما يحمله ذلك من مخاطر تفشي العنصرية وتوابعها، من اضطهاد بقية المكونات القومية والمذهبية، فالأمر سيزداد سوءًا.
الخطر الأهم هو تقسيم سورية؛ فلا صدقية في ادعاءات طلب الفيدرالية، فهي الخطوة الأولى نحو الانفصال، ونرى ذلك واضحًا في الخرائط التي يعتمدها الحزب، وتستهدف المناطق الشمالية الغنية بالثروات الطبيعية مع المنفذ على ساحل المتوسط أيضًا.
الخطورة على السوريين من أبناء المكون الكردي ليست أقل من الخطورة على بقية المكونات، ومنها أن أي خلاف مع الحزب الشمولي الحاكم في هذه البقعة سينتهي بالاعتقال.
إضافة إلى أن هذه البقعة ستكون في اضطراب مستمر، وحرب مع محيطها، وسيُستخدم الشباب الأكراد والمسيحيون من القوميات الأخرى خزانًا بشريًا للحرب ضد تركيا، من جهة، وضد بقية المكونات القومية الموجودة في هذه البقعة من جهة ثانية، ويتضمن ذلك أدلجة الأجيال الجديدة نحو العنصرية والتطرف القومي.
كيفية التصدي لهذا التوجه

يحاول بعضهم إقناع السوريين بأن مشروع حزب الاتحاد الديمقراطي باقتطاع جزء من سورية بات أمرًا واقعًا ومفروضًا بإرادة دولية، ويدعوهم إلى تأييد هذا المشروع من هذا المنطلق، لكن ذلك افتراض ليس له أسس منطقية، فتطبيقه دون دعم من أغلبية السوريين أمر غير ممكن، وهنا تأتي إمكانية تغييره وتقرير السوريين لمستقبلهم بأنفسهم.
يعدّ تمكين ودعم حزب عنصري، مرتبط بأجندة حزب مصنف عالميًا حزبًا إرهابيًا، قرار خطِر، ليس بمقدور دولة واحدة اتخاذه، إذ يُشكل خلق بؤرة من هذا النوع في المنطقة خطرًا كبيرًا، وعبئًا على داعميه، ولن تسمح بتمريره دول عدة، وذلك أمر يُعوّل عليه.
إدراك أن الهدف الأساسي لفصل هذه البقعة ليس هدفه تحقيق مصلحة للأكراد، بل لأنه موقع استراتيجي لإقامة القواعد العسكرية لأي دولة ترغب باستخدام نفوذها في هذه المنطقة، ولأنه موقع مهم، من حيث الموارد الموجودة أو المقدّر وجودها، أو تأمين خطوط النقل لها في هذه البقعة.
الاعتماد الأساسي سيكون على السوريين الأكراد الوطنيين المدركين خطورة سيطرة هذا الحزب، والأقدر على كبح جماح نشر هذا الفكر العنصري.
التيقظ وعزل هذه الحوامل، وعدم تمكينها من تخريب أي توافق سوري وطني، وعدم تمكينها من زرع الفتنة بين المكونات الكردية والعربية والقوميات الأخرى، وبين مختلف المكونات المذهبية أيضًا.
إظهار حقيقة هذا التوجه العنصري على ضمن المجتمع الغربي فهو مجتمع مبني على القيم العقلانية المدركة لخطورة العنصرية، وكل من يروج لها، وسيلفظ منها بمجرد اتضاح حقيقته.
في النهاية نحن أمام ثلاثة مسارات إرهابية مفروضة علينا نحن السوريين، الأسد و”قسد (قوات سورية الديمقراطية)” و”داعش”، ولا يشكل أي منها طريقًا سليمًا، بل هو طريق رابع يشقّه السوريون بتضحياتهم و دمائهم، يعتمد على المواطنة والحقوق المتساوية لجميع أبناء هذه الأرض، لا تمايز بينهم لا بدين و لا بقومية، بل غنى بتنوعه بتفرد كل منهم بثقافة عريقة وحية تشكل بمجموعها الهوية السورية.

(*) ملاحظة: جميع النصوص التي تروّج لهذا الحزب باللغة الفرنسية موثقة لدى الكاتب.

المصدر: جيرون

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

محمد قواص يكتب: هل احتاج «حزب الله» إلى الخزعلي في لبنان؟

محمد قواص يتفق وجود قيس الخزعلي زعيم ميليشيات «عصائب أهل الحق» العراقية ...