الرئيسية / آخر الأخبار / مصعب الحمادي يكتب: لهذا كتبت عن الثورة

مصعب الحمادي يكتب: لهذا كتبت عن الثورة

الرابط المختصر:

مصعب الحمادي

في أواخر عام 2013 خرجت من سوريا إلى غير رجعة وأنا مملوء بالحزن، لأن الثوار فتحوا أبواب ثورتهم للأجانب، فجعلوها جهاداً في سبيل الله يشترك فيه العربي والأوربي والصيني ممن تجمعهم رابطة الدين بينما صار لزاماً على الناشطين العاديين أمثالي، أن يختاروا بين البقاء في الداخل مع احتمال الاغتيال أو الخطف، أو أن يهربوا من البلاد تاركين الأهالي المطواعين للسلطة الجديدة، يتقلبون في مهاوي العبثية والخطابات البائدة التي تروجها الجماعات التكفيرية تحت غواية السلاح والقوة الموهومة التي يهبها لحامليه.

لبثت في تركيا حتى الآن ثلاث سنين ونيف، زاولت فيها أعمالاً مختلفة. فمن مراسل في وكالة صحفية أجنبية إلى مستشار في سفارةٍ دولةٍ أجنبية إلى باحث في مركز دراسات تموله دولة خليجية. وأصبحت من خلال مواقعي الجديدة، التي تبوأتها كالنسر الذي كان يسير في قاعٍ من الأرض، فلما طار وارتفع، رأى المنظر من السماء يحول أشجاراً وودياناً وجبالاً شاهقة في الجوار. فقد هيأ لي ابتعادي عن سوريا وعن الثورة التي كنت منخرطاً بها بقوةٍ، أن أرى أشياءاً، لم أكن أراها وأستكشف في اللوحة الكلية مشاهد وظلالاً كانت خافيةً عنّي.

اكتشفت أن الأهالي الذين تاهوا عن معاني ثورتهم، فتشددوا ونكصوا على أعقابهم، كانوا من حيث لا يشعرون ضحيةً لمعارضةٍ سياسيةٍ فاسدة، تولت أمور ثورتهم دونما خيارٍ منهم حيث فصلها اللاعبون الدوليون لتحقيق مصالح الدول المنخرطة في النزاع دون مصالح الشعب السوري الكريم التائق للحرية من حكم ظالمٍ مستبدّ.

فالثورة التي رأيت المعارضة تدافع عنها وتنطق باسمها هي ثورة بلحية طويلة وشوارب محفوفة، بينما الثورة التي اشتركت فيها منذ اليوم الأول، كانت دوماً في مخيلتي فلاحاً حليق الذقن مفتول الشارب، يكدّ بشرفٍ في سهول حوران والغاب والجزيرة، ثم يجزع ويغلي غضباً عندما يرى حنطة وقطن السهول، قد حالا قصوراً في جبال اللاذقية يبنيها ضباط الجيش والمخابرات على أشلاء وطنٍ منهوبٍ ومسلوب.

لقد راعني هذا الغش والتدليس والتلبيس على أهل سوريا وثورتهم، حتى رأيتني أكتب مقالاتٍ مليئة بالحزن والألم ضمنتها من بعد دفتي هذا الكتاب لتكون شهادتي الشخصية الصرفة، وحكمي الأخلاقي الخالص من دون تقيةٍ ولا مجاملة ولا مراعاة.

إن القضية قضة دماءٍ أريقت، وأسر تقطع شملها، وبيوت هدمت على رؤوس ساكنيها. وأنا لا أريد للأجيال القادمة أن تستقي روايتها للأحداث من سرديات النظام الذي حارب الثورة كمؤامرة، ولا المعارضة التي قدمتها للعالم كحلقة مكملة للمعركة الطائفية المجنونة، التي وقعت في ثمانينيات القرن المنصرم. الثورة لها أصحاب، وأصحابها هم أحق الناس بالحديث عنها سواء بالثناء والتبريك أو النقد والتقريظ.

وأود أن أشير إلى أن المقالات التي نشر بعضها في مواقع غير دارجة كثيراً، كتبت مع نية مبيتة لدي للجمع بينها ،كي تؤدي فكرة موحدة، وهي سبب تذرر الثورة السورية، وتحولها إلى فوضى أهلية، ثم إلى حربٍ دولية بالوكالة.

وهكذا كتبت عن الجيش الحر، وما وقع به من رزية الخضوع للأجنبي. فكشفت أسرار الضباط المنشقين وأسرار غرفة الموك الدولية، التي جعلت الثورة باباً لاسترزاق الفاسدين وقطاع الطرق. تكلمت عن الدور القذر التي أدته المنظمات المدنية تحت عناوين براقة، أغوت نشطاء الثورة وضللتهم، بل وسخرتهم لغايات غير وطنية. تكلمت عن دور أحرار الشام في تحويل الثورة إلى جهاد، وعن مكائد الإخوان المسلمين الذين لم يدخروا جهداً لاستغلال الثورة لأهداف حزبية ضيقة وممقوتة. كتبت عن رزان زيتونة وجمال معروف وحسن الدغيم وزهران علوش وحسان عبود كتابة الشاهد المعاين لا الباحث المنظّر، فجاءت مقالاتي صدى لنفسيتي المكدودة ومشاعري المكلومة، وأنا أشاهد انتكاسة الثورة السورية من ملحمةٍ للكرامة والحرية إلى مقتلةٍ دمويةٍ بلا معنى.

* الكلمة التي ألقيت بمناسبة توقيع كتابي الجديد (وطن في سوق النخاسة).

 

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

صحيفة تركية: جيش ثلاثي مشترك في مناطق “خفض التصعيد”

وكالات – مدار اليوم   كشفت صحيفة “يني شفق” التركية، عن نقاشات ...