الرئيسية / آخر الأخبار / بسام يوسف يكتب: المساعد”زهير” وعضو البرلمان

بسام يوسف يكتب: المساعد”زهير” وعضو البرلمان

الرابط المختصر:

بسام يوسف

المساعد”زهير” وعضو البرلمان
في نهاية ثمانينيّات القرن الماضي، كنّا نحو 250 سجيناً في أحد أجنحة سجن صيدنايا العسكريّ، وكنّا جميعاً معتقلين باسم حزب العمل الشيوعيّ في سورية، كان قد مضى على اعتقالنا ما يزيد عن سنتين دون أن يعرف أهلنا أين نحن؟ وهل نحن على قيد الحياة أم لا؟.
صباح أحد الأيّام، يصل “مساعد الانضباط” إلى باب الجناح ويطلب من “رئيس الجناح” إبلاغ السجين “إياد” بتجهيز نفسه للخروج خارج الجناح.
في تلك الفترة، كان أمراً كهذا يبعث على الرعب، فهذا يعني إعادة التحقيق، وربّما يعني أنّ هناك حملة اعتقالات جديدة، ويعني…. ويعني.
وقفنا جميعاً قلقين، رحنا نشجّع “إياد” ونهوّن عليه، وكان هو يحاول ما يستطيع أن يبدو متماسكا وهادئاً.
عشنا تلك الليلة نضرب أخماساً بأسداس ونستعيد لحظات الاعتقال والتعذيب وآلاف الأسئلة تتجمّع دون أن نعرف كيف سنجيب عليها.
لم يعد “إياد” في نفس اليوم ولا في اليوم التالي، لكنه عاد في اليوم الثالث، وقف على باب الجناح برأسه الحليقة (على الصفر) وبوجهه الشاحب لكنّه كان مبتسماً ويحمل بيده كيساً بلاستيكيّاً من النوع الفخم، من تلك الأكياس التي تحمل رائحة الحياة.
مالذي حصل مع “إياد” ولماذا هو شاحب وحليق؟ وأيّ لغز يخفيه في كيسه الباذخ؟.
القصّة ببساطة، أنّ والد “إياد” سافر منذ ربع قرن إلى البرازيل، كان عمر “إياد” يومها سنتين، وفي البرازيل استقرّ الأب وعمل بجد، ثمّ حصل على الجنسيّة واستطاع أن يصبح عضواً في البرلمان البرازيليّ، ولأنّ أمّ “إياد” رفضت أن تغادر سورية فقد تزوّج هناك واستقرّ بشكل نهائيّ، لكنّه ظلّ على تواصل دائم مع عائلته.
في تلك الفترة، وُجّهت دعوة من مجلس الشعب السوريّ إلى البرلمان البرازيليّ لزيارة وفد من أعضائه إلى سورية، وكان من الطبيعيّ أن يكون البرلمانيّون البرازيليّون من أصل سوريّ ضمن هذا الوفد.
إذاً، جاء والد “إياد” ضمن الوفد البرلمانيّ البرازيليّ المدعو لزيارة سورية، وفي برنامج الوفد الضيف كان هناك لقاء مع رئيس الجمهوريّة.
أخبر أبو “إياد” العائلة أنّه قادم لزيارة سورية، وأنّه سيلتقي رئيس الجمهوريّة، وسيطلب منه معرفة مصير “إياد” وسيحاول إطلاق سراحه إن استطاع.
في نهاية اللقاء الذي جمع رئيس الجمهوريّة بالوفد البرلمانيّ، طلب الأب لقاء خاصّاً قصيراً مع السيّد رئيس الجمهوريّة، وفي الاجتماع القصير سأل عضو البرلمان عن ابنه وهل هو حيّ أم ميت؟ استغرب الرئيس اعتقال ابنه، ثمّ طلب فوراً من مدير مكتبه معرفة مصيره، ولم يطل الأمر حتّى طمأنه بأنّ ابنه بخير وأنّ بإمكانه رؤيته قبل سفره وأنّه سيأمر بإطلاق سراحه بعد فترة قصيرة.
وهكذا اتّصل أحد ما من مكتب رئيس الجمهوريّة برئيس فرع الشرطة العسكريّة، الذي اتّصل بدوره بمدير سجن صيدنايا العسكريّ من أجل ترتيب مقابلة لائقة تعكس الوضع الحضاري في السجون السوريّة ومدى إنسانيتها ورقيّها.
مدير السجن استدعى مساعد الانضباط المناوب، وللصدفة كان المساعد “زهير” أغبى مساعد تعرفه السجون السوريّة مناوباً يومها.
أمر مدير السجن المساعد “زهير” بأن يحضر السجين “إياد” من جناحه ويعزله و”يزبطه على ال24″.
كما هي العادة، ووفق مصطلحات السجون السوريّة، فقد فهم المساعد “زهير” أنّ كلمة “زبطه” تعني عقوبة نوعيّة لهذا الشخص، وهكذا ذهب إلى الجناح الذي يوجد فيه “إياد” وأخرجه من الجناح إلى الزنزانة فوراً، في الزنزانة حلق له شعره “على الصفر” ثمّ أكرمه بـ “دولاب من كعب الدست” وأغلق باب الزنزانة وخرج.
في اليوم التالي، كان “إياد” ومع كلّ وجبة طعام يتعرّض لحفلة تعذيب مدعومة … فمدير السجن قال له بالحرف الواحد “زبطو” ..
عندما أتى يوم المقابلة استدعى مدير السجن المساعد “زهير”:
– زبطتوا منيح للموقوف “إياد”؟
– ياسيدي حلقتلوا ع الصفر وكلّ وجبة دولاب .
– ياحمار أنا قلتلك تعمل هيك!؟ ..العمى بعيونك كيف بدّو يشوفو أبوه هلق؟
وتراكض مدير السجن والمساعد والعساكر إلى الزنزانات، أخرجوا “إياد”، ثمّ حمّموه في استراحة مدير السجن وألبسوه بيجامة أحد أفراد الشرطة.
كانت تعليمات مدير السجن إلى “إياد” واضحة:
1- أنت حلقت شعرك على الصفر برغبتك.
2- وضعك ممتاز والحياة هنا رائعة .
3- الآلام والعرج في مشيتك سببه أنّك كنت تلعب رياضة وتعرّضت لشدّ عضلي.
وفي الختام:
ليك ولك جحش، إذا بتحكي كلمة غير متل ما قلتلك، مو بس برجعك ع الزنزانة، قسماً بالله بحط بيّك معك.. روح انقلع ع الزيارة..جايبلك بيّك بدلة جديدة، قال منشان تطلع فيها من السجن.
عاد “إياد” … ومعه بدلته الجديدة التي لم يستعملها، لأنّه ظلّ بعد تلك الزيارة البرلمانيّة عدّة سنين في السجن.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

كوريا الشمالية ترفض التفاوض حول النووي وواشنطن تدرس خيارات للتهدئة

وكالات _ مدار اليوم رفضت كوريا الشمالية التفاوض حول برنامجها النووي، في ...