الرئيسية / آخر الأخبار / ميخائيل سعد يكتب: مرايا الثورة

ميخائيل سعد يكتب: مرايا الثورة

الرابط المختصر:

ميخائيل سعد
في رواية (ذئب البوادي) للكاتب الالماني (هرمان هيسه) فصل يحمل اسم غرفة المرايا. يدخل بطل الرواية الى هذه الغرفة ليجد نفسه محاطا بعشرات المرايا، كل واحدة تريه جانبا من جوانب نفسيته الحقيقية. في احدى المرايا يجد ذاته مبعثرة، مفتتة، الى اجزاء متصارعة؛ الاقدام ضد الرأس واليدان تصارعان الجسد، والجديد في الحياة يرغب في الهيمنة على كل شيء في النفس، والقديم يريد الاستمرار في الهيمنة على نمط حياته. الهدوء يغريه بالسكينة المطلقة، والصخب يصور له حياة المجون الجميلة ومتعها الحسية. الكل في صراع، وكل جزء يحاول الانتصار على بقية الاجزاء، وكأننا في سوريا الحالية.
في مرآة أخرى، يكتشف، وهو الانسان المتحضر، أنه ليس بعيدا كثيرا عن البربرية، وأكلة لحوم البشر، والديكتاتورية المطلقة، واللصوصية، والعنف، بأختصار: يكتشف بطل الرواية أنه يحمل في أعماق نفسه تاريخ البشرية كله، والجميل والقبيح، منذ طفولته المتوحشة وحتى حضارة القرن العشرين، ويعرف ان التلوينات والتزويقات الحضارية التي تغطي سلوكه وفكره وثقافته، ما هي الا قشور هشة، مركبة الواحدة فوق الاخرى، تتداعى، في غياب القانون، عندما تواجه موقفا قد يؤثر على رفاهية عيشه ومكاسبه المادية، التي ربما تكون قد جاءته من غير وجه حق، وعلى حساب الآخرين، وهذا يبدو واضحا عند أنصار الاسد.
في مرآة ثالثة، تصاب رجولته بصدمة عنيفة، وتهتز فحولته الذكورية عندما يعرف أن في أعماق نفسه تربض امرأة ناعمة رقيقة العواطف، تبحث عن رجل يلبي رغباتها العاطفية والجنسية.
في مرآة رابعة، يشاهد الطفل الضعيف الذي ما زال يحبو على ركبتيه والباحث عن الرعاية والعطف والحنان، وتهتز بأعماقه صورة الرجل المعتد بنفسه وقدراته وصموده ورفضه الفظ لمن يحيط به.
وتتوالى المشاهد في كل مرآة جديدة، كاشفة لنا وله عن جوانب لم يكن بالإمكان تخيلها. ويتعرى بطل الرواية، ليس من ثيابه، وإنما من كل ما يخفي خفايا نفسه الدفينة. عندها يعرف البطل من هو بالتحديد قبل ان يغادر (غرفة المرايا). ويقرر بوضوح وجرأة التعامل مع هذه الاجزاء المكونة لشخصيته، وعدم الخجل منها. لأنها في مجموعها العام تكون وجوده المادي والثقافي والروحي، اي وحدة الجسد والروح..
الثورة السورية، وعلى مدار أعوامها الستة، كانت بالنسبة للسوري كغرفة المرايا في رواية هيسة. قد لا تكون عرضت كل جوانب ومكونات الانسان السوري، عبر التاريخ، الا انها بالتآكيد قد فعلت هذا أكثر من أي ثورة أخرى في المنطقة. إن كل يوم مر أو يمر من عمر ثورتنا، يبرز جانبا من حياتنا النفسية والاقتصادية والنضالية والثقافية والسياسية والدينية، كما يعكس تجديدا غير مألوف في التضحية والخساسة، في الإثرة والجشع، في التضامن والانانية المقرفة. ولكن الشيء الاكيد ان كل يوم جديد يمر يعرفنا أكثر بذواتنا، ويصقلنا أكثر، ويكسر الخوف الذي كان قابعا في أعماقنا، الخوف من ذواتنا ومن الاخرين والذي سيقودنا عاجلا ام آجلا الى التلاقي أو الافتراق الذي بدوره سيقودنا الى النصر.
عذرا لهذه الصورة التي تبدو للوهلة الاولى وكأنها شظايا مرايا مهشمة، إلا أنها في الواقع مرآة سالمة واحدة تعكس حقيقة ذواتنا وأنفسنا وأوضاعنا. إنها مرآة سحرية أو ثورة سحرية تستطيع ان تصنع المعجزات، وما علينا سوى اكتشافها وامتلاكها، وذلك بتدقيق النظر والمساهمة الفعلية، وديمقراطية القول والفعل، والانخراط فيها لكي تكون على ما نحلم به..
فتعالوا، يا أبناء بلدي، نصنع التاريخ معا، لا أن نتفرج عليه كما يصنعه العالم لنا على مقاسهم.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

كوريا الشمالية ترفض التفاوض حول النووي وواشنطن تدرس خيارات للتهدئة

وكالات _ مدار اليوم رفضت كوريا الشمالية التفاوض حول برنامجها النووي، في ...