الرئيسية / آخر الأخبار / مروان العش يكتب: الملح والسجان

مروان العش يكتب: الملح والسجان

الرابط المختصر:

مروان العش

لأول مرة في حياتي أعرف أن للملح سراً عميقاً ودوراً كبيراً في جسد الإنسان, ولاسيما جسد المعتقل وصلابة مقاومته، قرأت قصصاً قديمة عن تجارة الملح وأهمية الملح قبل قرون والمبادلات التجارية للملح بين حواضر المدن على المتوسط وبلدان الصحراء وسط أفريقيا وشمالها، لكن للملح في سجون النظام السوري دوره في رواية حقد النظام وأساليب تعذيبه، فبعد مرور أربعين يوماً على اعتقالي بطعام قليل وبلا ملح في زنزانتي الانفرادية التي من المفترض من اسمها أن ينفرد بها شخصٌ واحد كعقوبة كي لا يخالط أحداً ولا يخالطه أحدٌ لضرورات التحقيق الأمني الذي تجريه الجهة التي تعتقله.
لكن في سوريا كل شيء مختلف واستثنائي، ففي الزنزانة الانفرادية في سوريا توضع أعدادٌ كبيرة تصل إلى ستة عشر معتقلاً، في قبو سفلي تحت الأرض بدون ضوء أغلب الأحيان وبدون تهوية، عراةٌ بسروال داخلي فقط من شدة ارتفاع الحرارة والرطوبة في هذا المكان “القبر” التي لا تزيد أبعاده عن 200×100 سم، لذلك وحين كان ينقل بعض المعتقلين من هذه الزنزانة يكون الأمر بمثابة عيدٍ للآخرين لانفراج فسحة المكان قليلاً.
هل يمكن تصور ستة عشرة إنساناً من طفل قاصر لا يزيد عمره عن اثني عشرة سنة إلى شيخ طاعن في السن تجاوز السبعين من عمره وما بينهما من رجالٍ مرضى ومصابين بالجرب والقمل والقوباء، محشورون جميعاً في هذه المساحة الضيقة التي لا تزيد عن مترين مربعين وكأنهم سمك في علبة سردين, ناهيك عن روائح بقايا الدم نتيجة التعذيب وروائح الجروح المتقيحة وأنين من عاد من التحقيق مضرجاً بالدماء والجروح وآثار الصعق الكهربائي العميق على أعضائه التناسلية و شفتيه وأذنيه ولسانه.
إنها حياة أقرب للجحيم لإرغامك على الاعتراف بتهم وأقوال لا تعرف عنها شيئاً أو لم تسمع بها أحياناً لغرابتها، كالمعتقل الذي اتهم بسرقة دبابة لجيش النظام السوري أصيبت جانب بيته فاتهم بسرقتها ووضعها جانب بيته تمهيداً لبيعها للعدو الصهيوني!!!
في الزنزانة الانفرادية يوزع المعتقلون إلى مناوبات، ثلاثةٌ وقوفاً على الحائط الأيمن للزنزانة لمدة أربع ساعات, وثلاثة وقوفاً أيضاً على الحائط الأيسر للزنزانة، واثنان في صدر الزنزانة نصف ركبه مستنداً، واثنان على الباب الحديد الأسود وقوفاً وبينهما فتحة “الشراقة” (نافذة صغيرة في باب الزنزانة) مستعدين لأي نداء أو سماع أي حركةٍ خارجاً بانتظار التوبيخ والشتائم والضرب والإهانة، أما الستة الآخرون فاثنان يجثيان على الركب كفترة استراحة بعد الوقوف الطويل، وأربعة “تسييف” (مأخوذة من كلمة سيف) على الأرض أي على جنوبهم للحصول على أربع ساعات نوم وكأنهم أُعطوا حظاً وفيراً وملكاً كبيراً.
هكذا كان الحال على مدار أربع وعشرين ساعة، باستثناء فترات استلام وتوزيع الطعام والخروج للمراحيض القذرة والمعطلة أصلاً من التصريف الصحي وكل الفضلات، مخاضةٌ يمر بها المعتقل ثلاث مراتٍ يومياً، مخاضةٌ من الضرب والشتم والرفس واللكم و”الأخضر الإبراهيمي” نسبةً لعصا السجان الخضراء الشهيرة في المعتقلات السورية غير القابلة للكسر والتي لا تتوقف عن الإيذاء، مخاضةٌ للمعتقل في طريق الذهاب والإياب من المراحيض مع العد “واحد، إثنان، ثلاثة” حيث ينتهي الوقت المخصص له، فمن استطاع التبول واقفاً أو منحنياً فهو بألف خير، ومن لم يستطع سيعود للزنزانة ومثانته مليئة بالبول تلح عليه بالتبول دون استجابة، وقد تتوفر له إمكانية التبول ضمن الزنزانة بعبوة بلاستيكية احتياطية يجري تفريغها كل ثماني ساعات خلال الدور التالي للخروج للمراحيض القذرة.
صادف أن طفلاً ديرياً “من مدينة دير الزور” بعمر 13 سنة كان معتقلاً بيننا لم يستطع التبول حيث لم يسعفه الوقت أي الثواني المسموحة للدخول الجماعي للمرحاض، حيث يستخدم كل ثلاثة “حفرةً صحيةً” واحدة، الأول يستخدمها للتبرز والثاني يبول فيها واقفاً أما الثلاث فيبول فيها جانبياً، وهكذا وبسبب خوف هذا الطفل الديري من صوت السجان وزعيقه لم يستطع التبول وأمضى بعدها ستة ساعات يحبس بوله وهو واقف بيننا ويتألم وما باليد حيلة، حتى اقترحت أن يتبول في كيس نايلون فارغ كون عبوة البول مليئة حيث لا تتسع إلا للتر ونصف فقط من البول ونسي الشخص المكلف بإفراغها حملها معه وتفريغها فكانت الطامة للجميع، وهكذا ربطت كيس نايلون شفاف من أسفله كي لا يتسرب وأعطيته للطفل الذي حبس بوله، فانتحى ورائي وأنا واقف على الحائط الأيسر أثناء نوبة وقوفي أربع ساعات وتبول طويلاً طويلاً، تناولت الكيس منه والبول يتسرب منه قطرات رغم ربطه جيدا، وكان علينا الانتظار ساعتين لتفريغه، ويمكن تصور حراجة هذا الموقف.
حين يأتي الطعام يقدم لكل معتقل رغيف خبز واحد طيلة اليوم يوزعه على ثلاث وجبات، وملعقة لبن رائب أو ونصف بيضة أحياناً كفطور، وكأس رز مطبوخ بماء أحمر كوجبة غذاء، و قطعة بطاطا أو بندورة للعشاء، كل هذا بدون ملح ولم نكن نعرف السبب أول الأمر حتى نزل بزنزانتنا معتقل يعمل كصف ضابط “مساعد” في جيش النظام السوري كان يخدم قبلها في “المخابرات” ويعرفه السجانون أصدقاؤه، حيث بعد يومين من سجنه طلب من صديقه السجان إحضار ملحٍ وكان كمن يطلب ذهباً، فصعق السجان من غرابة طلبه واعتذر له مبرراَ ذلك بالخوف من كاميرات المراقبة، لكنه بعد بضعة أيامٍ أعاد طلبه للملح من “رئيس فئة” صديقٍ قديمٍ له بفرع المخابرات هذا فأحضر له ورقةً مطوية وملفوفة تحتوي على حوالي 50 غ من الملح، أحضرها له وكأنه قدم له خدمة جليلة، ونبهه عند أي تفتيش أو طارئ بأن يبتلع الملح ويخفيه، وهكذا صار صاحبنا يضع أثراً من الملح مع نصف البيضة ومثلها مع البطاطا المسلوقة مساءً بينما نظرات المعتقلين ترقبه بغيرة وهو يضع غرام الملح هذا مع طعامه بينما هم يتذكرون أهاليهم وأطفالهم وطعم الملح، يرفرف في عقلهم الباطن وجسمهم المحروم حتى من ذرة منه.
مرة أكرمني هذا المساعد المعتقل لكبر سني وهيئتي بغرامين من الملح فكانت هدية قيمة عظيمة بعد خمسين يوما من الانقطاع عن تناول الملح بشكل مستمر فكان أن وضعتهم على طرف لساني ورحت أتذوق الملح وكأنه عسل أو ألذ، وفي تلك اللحظات تذكرت نعم الله علينا ونحن لا نقيم لها قيمة ونهدرها حتى جاء ذلك اليوم في الزنزانة فعرفنا قيمتها وأهميتها وكيف يتم استخدامها كسلاح ضد المعتقلين.
تفنن السجانون بمنع كل ما يساعدنا على الصمود والمقاومة وأسباب القوة البدنية، ومنها “الملح” وهو ما كان خافٍ علينا في حياتنا المعتادة، ليتبين لي أن الملح من مقومات الصمود في المعتقل واستمرار التشبث بالقوة البدنية والعضلية، لذلك كانت تعليمات الاعتقال في الزنزانات وفترات التحقيق تنص على منع الملح عن المعتقلين كي تضعف أجسامهم وتهزل، وتهترئ عضلاتهم فتضعف مقاومتهم، ليحقق المحقق مبتغاه بانهيار المعتقل تحت التعذيب والضغط النفسي والعقلي وتتداعى مقاومته من الوهن والتعب، فيتلقاه المحقق المتغطرس بقوته أمام انهيار السجين نفسياً وعضلياً فلا يقاوم رغبات وطلبات السجان بالاعتراف بأي شكل وعلى أية تهم ملفقة قد لا تخطر على خاطر أو بال إبليس والشياطين تمهيداً لما بعدها من “ضبوط ” ملفقة ومحاكم صورية تنتهي بالإعدام أو السجن المؤبد، وكل هذا نتيجة أسبابٍ منها “سر الملح” … وما خفي أعظم.

المصدر: آفاق مشرقية

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الحوثيون يحاولون قصف مكة

وكالات – مدار اليوم قال التحالف العربي الذي يحارب في اليمن وتقوده ...