الرئيسية / آخر الأخبار / في الإدمان الدولي على الحماية الأمريكية

في الإدمان الدولي على الحماية الأمريكية

الرابط المختصر:

مدار اليوم – مها غزال

كشف التراجع الدولي عن معاقبة نظام الأسد على استخدامه السلاح الكيماوي لمرات متعددة، وارتكابه جرائم حرب في سوريا، عن عدم قدرة الدول الغربية والعربية وحتى تركيا على اتخاذ قرار يتعلق بمصيرهم، ودفع الأخطار عنهم، بعيدا عن قرار أمريكي يساندهم ويقدم لهم الحماية العسكرية والسياسية.

ولم تستطع أي من الدول الغربية إتخاذ قرار حقيقي بعيداً عن القرار الأمريكي طول السنوات الست الماضية، والتي يمكننا أن نطلق عليها سنوات انكشاف الغطاء الأمريكي، بالرغم من تضرر المصالح الأوروبية بشكل مباشر، والإنزعاج الذي عبرت عنه قوى شعبية وسياسية ومدنية أوروبية من ارتهان القرار الأوروبي للولايات المتحدة الأمريكية.

واتخذت فرنسا الموقف الأكثر جرأة بعد استعمال نظام الأسد للسلاح الكيماوي في الغوطة الشرقية عام 2013، وقدمت نفسها كداعم أول للولايات المتحدة التي لوحت باستعمال القوة العسكرية ضد الأسد حينها، لاسيما بعد تردد المملكة المتحدة، ولجوء رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون للبرلمان من أجل المصادقة على التدخل العسكري في سوريا، ورفض البرلمان لطلبه، غير أن أمريكا تجاهلت العرض الفرنسي، وحذت حذو بريطانيا.

وشككت مراكز دراسات وأبحاث غربية بالحماية الأمريكية للإتحاد الأوروبي، حتى أنها اعتبرت أن عهد هذه الحماية انتهى، بعد تلويح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالإنسحاب من حلف الشمال الأطلسي “الناتو”، وتأكيده على مضمون سياسته العريض مرارا “أمريكا أولا” وفي ظل ممارساته على أرض الواقع، يمكننا القول، أن مؤشر سياساته يؤكد على أن “أمريكا أولا … وأخيراً”، لا سيما وأن هذا المحتوى كان ملموساً في مواقف ترامب التي عبر عنها من خلال تغريداته على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، وكرسها خلال لقاءاته الباردة مع القادة الأوروبيين.

ولم تكن سياسية الإبتزاز التي استعملها ترامب مع الشرق الأوسط أقل حجماً من الإبتزاز الذي يستعمله مع الإتحاد الأوروبي خاصة فيما يتعلق بدفع دول الإتحاد الأوروبي لإلتزاماتهم المالية وتحمل الأعباء العسكرية لحلف الشمال الأطلسي، بينما اكتفى قادة الدول الأوروبية بالتعبير عن تذمرهم تارة واذعانهم تارة أخرى، دون إتخاذ أي قرار يهدد أوروبا بإسقاط ورقة التوت الأخيرة عن ما يسمى بالحماية الأمريكية.

ومع تنامي الإرهاب في الشرق الأوسط وخضوع الدول الغربية للموقف الأمريكي، اتجهت دول المنطقة للبحث عن بدائل أكثر حيوية مثل روسيا والصين واليابان والنمور الأسيوية، وكلها دول خارج التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، مما هدد المصالح الأوربية في المنطقة.

ولم تكن تركيا بعيدة عن سرب الدول التي رسمت نمط سياساتها العامة في محتوياتها السياسية والاقتصادية والعسكرية على أساس وجود الحماية الأمريكية، رغم كونها القوة الضاربة في حلف الشمال الأطلسي، إلا أن واشنطن تعاملت مع المصالح التركية بتجاهل تام، واستمرت بدعم قوات الحماية الكردية في سوريا، التي تصفها انقرة بـ”الإرهاب” وتعتبرها أكبر تهديد للأمن القومي التركي على الإطلاق، كما تجاهلت التهديدات الإرهابية التي تتعرض لها تركيا بين وقت وأخر.

وبالرغم من التجاهل الأمريكي، اتخذت تركيا موقفا مقاربا من مواقف الدول الأوروبية، حيث اكتفت بالتحذيرات من الإضرار بالمصالح التركية، وقامت بتحركات سياسية طفيفه، عبر اقامة علاقات مع روسيا والتقرب من ايران، إلا أن هذه العلاقات تبقى رهن للموقف الأمريكي المتغير، حيث أطلقت أنقرة عدة اشارات تعبر عن استعدادها للتخلي عن الإتفاقات الثلاثية التي ابرمت في أستانة في حال إنجلاء الموقف الأمريكي من سوريا، وكانت أبرز هذه الرسائل بعد استعمال نظام الأسد للسلاح الكيماوي في خان شيخون، وتغيير اللهجة الأمريكية اتجاه الأسد.

ان الإدمان على الحماية الأمريكية في الشرق الأوسط، كان الأكثر تجلياً ووضوحاً خلال السنوات الست الفائته، حيث سيطر هاجس الحفاظ على القواعد الأمريكية في الخليج العربي على السياسات الخليجية، ودأبت السعودية على التأكيد على عمق العلاقات السعودية الأمريكية، واستسلم مجلس التعاون الخليجي للإبتزاز الأمريكي، وابرم عقود تسليح بمئات مليارات الدولارات، إلى جانب العقود الإقتصادية الأخرى، وكانت نتائج القمم التي عقدت مؤخرا في الرياض بحضور الرئيس الأمريكي وفريقه أكثرها تعبيراً، مما اعتبر بمثابه اعلان أمريكي عن بقاء الولايات المتحدة في المنطقة.

مما لا شك فيه أن دول كثيرة في اوربا والشرق الاسط حاصة، رتبت استراتيجياتها السياسية والإقتصادية والأمنية والعسكرية بعد الحرب العالمية الثانية باتجاه واحد، يقوم على أن أمريكا طرف ضامن لمصالح تلك الدول، ومن هنا بات يتوجب على الدول الغربية والعربية وتركيا، أن تعيد بناء استراتيجية خاصة للمنظومات السياسية والإقتصادية التي تأسست في وقت سابق مثل الإتحاد الأوروبي والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي، التي تواجه تحديات داخلية كبرى.

وتتمثل التحديات التي يواجهها الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي في مستويين، الخارجي والذي يتعلق بمواجهة النمو المتزايد للقوتين الروسية والصينية اللتان تتمتعان بقدرات سياسية واقتصادية وعسكرية كبيرة، بالإضافة لمواجهة دول صغيرة بالمقاييس الدولية مثل ايران وكوريا الشمالية، اللتان تهددان مصير العالم، الأولى عبر استراتيجية التمدد، والثانية عبر الرعب النووي.

وعلى المستوى الداخلي، يواجه الجميع ولاسيما الاتحاد الاوربي خطر الإرهاب الذي يضرب مفاصله الحيوية من جهة، والتفتت من جهة أخرى لاسيما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ونمو التيارات العنصرية والمتطرفة داخل المجتمع الأوروبي، كما تواجه الدول العربية أخطار مشابهة إلى حد بعيد أبرزها نمو التطرف، والإنقسام الحاد بين المعسكرين الغربي والشرقي.

وضمن تشابك العلاقات بين معظم دول الشرق الأوسط من جهة والدول الأوروبية وتركيا مع الولايات المتحدة الأمريكية، لا يبقى أمام تلك الدول سوى فرص قليلة للتخلص من الإدمان على الحماية الأمريكية، في أن تعيد رسم استراتيجية تقوم على احتمال الإنفكاك، أو الإنفكاك بحد ذاته عن الحماية الأمريكية، ونسج شبكة من العلاقات الدولية مع قوى وتجمعات خارج التحالف الأمريكي مثل الصين وروسيا وغيرها، وهو ما قامت به فعلا اسرائيل بالرغم من العلاقات المميزة التي تربطها بواشنطن.

وكانت اسرائيل الدولة الوحيدة التي استطاعت انشاء استراتيجية متعددة الرؤس بالرغم من طابع العلاقة الحمائية التي تجمعها مع أمريكا، وأقامت علاقات وشراكات مع روسيا والصين، إلى جانب العلاقات غير المباشرة التي تجمعهم بإيران وتركيا مع احتفاظها بعلاقات وثيقة مع الإتحاد الأوروبي وتركيا.

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

ظريف: لن نسمح لواشنطن بالتأثير على علاقاتنا مع بغداد

وكالات – مدار اليوم أكد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، اليوم ...