الرئيسية / مقالات / ماجد الشيخ يكتب: أنظمة تدعيش وتعفيش استملاكية

ماجد الشيخ يكتب: أنظمة تدعيش وتعفيش استملاكية

الرابط المختصر:

ماجد الشيخ

في معظم بلاد الناس، من الطبيعي أن تستملك الدولة ثرواتها وأراضيها للمصلحة العامة، أما في بلادنا وفي الوقت الذي لم تقم فيه بعد قائمة للدولة عندنا، وجدت السلطة وكامل طواقمها السلطوية، بمن فيها الأقارب والأصدقاء المقربون والمتنفذون وأصحاب الحظوة من المشاركين في اقتصاد النهب العام، الفرصة سانحة لاستملاك كل ما تقع عليه أيديهم: من الناس إلى الثروات إلى الأراضي إلى المصانع والمعامل والتحكم بالتجارة الداخلية والخارجية، وحتى استملاك الدولة ذاتها لمصلحة مجموعة من الجنرالات والأمنيين والمحظيين والمحظيات. وفي المحصلة، السلطة صارت حزمة المالكين والمستملكين الجدد، للدولة العائلية هنا، وللدولة الدينية المتمذهبة والطوائفية هناك، ولدولة الجنرالات والعسكر هنالك، وعلى حوافهما دويلات «التحرر» المزعومة، والدينية الموهومة وهي تعلي من تجارة المقاومة والممانعة، وكلها دول استملاكية ليس للشعب فيها أثر، سوى كونه المستهلك الأول لشعارات ولافتات اللفظ الشعاري، ذاك الذي هيمنت في ظله نخب السلطة هيمنات إكراهية وإقصائية، حتى استحوذت على كل شيء، حتى ما يخص مواليد لم يأتوا إلى هذه الدنيا بعد.
وللحفاظ على كل هذا الفوات التاريخي للسلطة في بلادنا، كان لا بد من معايير وأنماط خاصة، ومن حكم يرث ذاته، كي يضمن أن يديم للسلطة صولجانها كسلطة «استقرار» تغرق في «الأبد»، من دون أي تحولات تتيح للتغيير مكاناً آمناً أو مسارب آمنة، وعبر أدواتها وقواها القامعة وانتصارها لفلسفة حكم اعتمدت توجهات ميكيافيلية مغرقة في التخلف، وابتعادها عن تحكيم أي شكل من أشكال القيم والأخلاق ومن منظومات ما تعارفت عليه البشرية من مشتركات، ها هي تقمع وتسد كل شقوق ومكامن التغيير الممكن، لا سيما وهي تستند إلى مرجعيات دينوية وسياسوية تتكامل في تأسيس فلسفة «الضرورة القمعية» الكامنة والنابتة في هياكل وأحشاء أبنية الدنس السلطوي، وهو يقود تغوله الأكثر استبداداً، حتى في ظل سلطة محدودة الصلاحيات والسلطات، للاحتفاظ بالسلطة النقية، الخالصة الولاء لمرجعياتها الخاصة، النقية بدورها موسومة بخلاسية الجنس والطائفة والعرق.
وفي غياب الدولة ومنطقها، وتحت رعاية النظام الحاكم و «داعشيته» المختارة، انتقلت عدوى الاستملاك الإكراهي للسلطة، في سورية مثلاً إلى نوع من استملاك إكراهي له طابع الطرد والإحلال لسكان المدن والقرى وتهجير أصحابها وأهلها إلى مناطق أخرى بعيدة، في عملية «تعفيش وتدعيش مواطنية» و «طائفية» و «عرقية»، كما حصل أخيراً لمجموعة من القرى والبلدات الدمشقية وغيرها في مناطق أخرى مجاورة، وذلك لضمان إحلال نوع من التغييرات الديموغرافية لمصلحة النظام وشبيحته وأجهزته الأمنية ومرتزقته من الميليشيات الطائفية، وبالمنطق الاستملاكي الإكراهي نفسه الذي ساد منذ عقود، حين «استقر» النظام السلطوي على استملاك البلد، ليجعل منها وطناً مستباحاً، تكشفت معه ادعاءات السيادة والأكاذيب التي مارسها النظام في شأنها.

المصدر: الحياة

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

علي العبد الله يكتب: القومية والشعبوية وخطر حرب نووية

علي العبد الله أعاد السجال الأميركي الروسي بشأن خرق معاهدة الحدّ من ...