الرئيسية / آخر الأخبار / معارك البادية الصراع الدولي على الرمال السورية

معارك البادية الصراع الدولي على الرمال السورية

الرابط المختصر:

مركز جسور للدراسات

أولاً: معطيات المشهد

يحاول النظام السوري والميليشيات التي تسانده ولا سيما الإيرانية أن تفرض مزيداً من السيطرة في البادية شرق سورية، كما تحاول المعارضة المسلحة أن تتقدم أيضاً على حساب مناطق تنظيم داعش في بادية سورية التي تمتد من القلمون الشرقي شرق محافظة ريف دمشق إلى وسط سورية نحو تدمر الواقعة بريف حمص الشرقي، ثم وصولاً إلى الشمال السوري إلى حدود محافظة دير الزور.
ولم تقتصر المواجهات مؤخراً على تقويض نفوذ تنظيم داعش هناك؛ بل حاول النظام مراراً التقدم باتجاه مناطق سيطرة المعارضة نحو معبر التنف الحدودي مع الأردن تحديداً الذي يعدّ النقطة الفاصلة بين قوات النظام والميليشيات الإيرانية المساندة له وبين فصائل المعارضة، وأبرزها جيش أسود الشرقية وجيش مغاوير الثورة، وفق اتفاق خفض مناطق التصعيد.
كان التطور اللافت هو ما قام به الطيران الأمريكي من قصف لتعزيزات قوات النظام السوري والميليشيات التي تسانده لثلاث مرات خلال أقل من شهر.
ففي 18/5/2017 قام الطيران الأمريكي باستهداف قافلة عسكرية تابعة للنظام السوري بعد تجاهلها عدة تحذيرات من قبل التحالف الدولي بعدم الاقتراب من قاعدة عسكرية منشئة بالقرب من معبر التنف تضم فصائل معارضة ومستشارين أمريكيين وبريطانيين ونرويجيين، لكن القافلة لم تستجب ليقوم سرب من الطيران الحربي التابع للتحالف الدولي باستهداف الرتل، وقد أكدت مصادر موالية للنظام السوري أن الضربة كانت تحذيرية وتم تدمير دبابة على إثرها. لكن أكدت مصادر أخرى أن الغارة أوقعت قتلى وحققت إصابات محققة في الرتل العسكري(1).
وفي 6/6/2017 حاولت قوات يُعتقد أنها ميليشيات إيرانية برفقة ضباط من النظام السوري خطوط وقف التصعيد على الطريق الواصل بين منطقة السبع بيار وحاجز ظاظا في البادية الجنوبية الشرقية لحمص، حاولت الوصول إلى قاعدة التنف العسكرية، وكان الرتل يحتوي على دبابة ومدافع وأسلحة مضادة للطائرات ومركبات مسلحة وأكثر من 60 جندياً، فقامت الولايات المتحدة بتوجيه تحذيرات عبر الخط العسكري الساخن مع روسيا، لكن لم يتم هناك استجابة لتقوم طائرات أمريكية تابعة للتحالف الدولي بقصف الرتل وتدمير مدفعيتين وسلاح رشاش مضاد للطائرات ودبابة”. كما أنه في وقت لاحق أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان أن عدد قتلى هذه الضربة وصل إلى 32 عنصراً منهم اثنين سوريين أحدهما ضابط في جيش النظام السوري(2).
وفي 8/6/2017 أسقط التحالف الدولي بقيادة واشطن طائرة بدون طيار تتبع لقوات داعمة للنظام السوري، بعد قيامها بمهاجمة قوات تابعة للتحالف الدولي دون وقوع أي أضرار. وأوضح ريان ديلون أحد المسؤولين الأمريكيين في قيادة التحالف الدولي “أن الطائرة كانت تستهدف مهاجمتهم ورفض احتمال إطلاقها طلقة تحذيرية، شكل هذا تهديداً حتى إذا كانت طلقة تحذيرية لقد كانت خطوة أظهرت نية عدائية وعملاً عدائياً شكل تهديداً لقواتنا لأن الطائرة بدون طيار كان بها مزيد من الذخيرة”. مضيفاً “إن الولايات المتحدة نفذت في وقت سابق ضربة على شاحنات خفيفة تحمل أسلحة كانت قد تحركت ضد مقاتلين مدعومين من الولايات المتحدة قرب بلدة التنف”.
وأورد مسؤول أمريكي آخر تفاصيل ما حدث وقال “إن المقذوف هبط على بعد بضعة مئات من الياردات من قوات التحالف ولم ينفجر وأن مقاتلة أمريكية من طراز إف-15 استخدمت لضرب الطائرة بدون طيار التي كانت إيرانية الصنع على الأرجح لكن مزيداً من عمليات الفحص والتحليل تجري عليها”(3).
وقد رفض النظام السوري هذه الغارات، وحذرت وزارة الخارجية السورية التحالف من مخاطر هذا التصعيد وتداعياته، وطالبت الإدارة الأمريكية ودول التحالف بالتوقف عن شن هذه الهجمات(4).
في حين عندما أعلن وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس أن ضربة التحالف ضد رتل يتبع للنظام السوري التي حدثت في 19 مايو/ أيار يرجح أن الرتل كان بقيادة إيرانية(5). وقد استدعى ذلك رداً من قبل الميليشيات الموالية لإيران، والتي أصدرت بياناً باسم “قوات حلفاء سورية” قالت فيه “إن العدوان الذي قامت به أمريكا تحت عنوان ما تسميه تحالف ضد الإرهاب هو تصرف متهور وخطير وخير دليل على كذبها ونفاقها في مواجهة الإرهاب، أمريكا تعلم أن دماء أبناء سورية والجيش والحلفاء ليست رخيصة، وأن القدرة على ضرب نقاط تجمعهم في سورية وجوارها متوفرة ساعة تشاء الظروف”(6).
لا تقتصر معطيات المشهد في البادية السورية على ما يحدث من غارات للتحالف ضد النظام السوري ومن يسانده، لكن يتعداه ليرتبط بما يحدث بالداخل العراقي فقد قامت قوات الحشد الشعبي العراقي بالانتشار على الحدود السورية العراقية، لزيادة الضغط على تنظيم الدولة الإسلامية من الجهة العراقية ولحماية الحدود من تسلل أي عناصر له. وقد أحدث هذا الأمر تخوفاً لدى الكثيرين من إمكانية دخول قوات الحشد الشعبي ومشاركتها في معارك البادية إلى جانب النظام السوري، تلك القوات التي تتهم بشكل مستمر بممارساتها الطائفية، ويبدو أن هذه الممارسات قد أصبحت مصدر فخر للحشد الشعبي كما يعبر عنها القيادي في الحشد “أبو عزرائيل”(7).
وباتجاه الجنوب السوري، دفع النظام السوري بالعديد من قواته إلى محافظة درعا، معتبراً أن فتح معركة في درعا ضد فصائل المعارضة السورية هو امتداد للمعركة التي يخوضها في البادية، فهو يحاول الامتداد بشكل أفقي على محاور مختلفة تشمل منطقة شرق وسط سورية وجنوبها في محاولة لتوسيع نفوذه ضمن خارطة النفوذ العسكري(8).
لكن قد يصطدم هذا السعي بإرادة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب الذي على ما يبدو سيمنع النظام السوري وحلفائه من الميليشيات الإيرانية والطائفية من إمكانية السيطرة على “مثلث التنف” الذي يربط بين الأردن وسورية والعراق.
ومن جهته أعلن وزير الدفاع في حكومة النظام السوري فهد الفريج عن انتهاء المرحلة الأولى من العمليات العسكرية في البادية السورية بعد أن وصلت قوات النظام إلى الحدود العراقية في 10/6/2017، مضيفاً أن النظام السوري سيطر على مساحة 20 ألف كيلومتر مربع منذ بدء العمليات جنوب وشرق مدينة تدمر، واعتبر البيان أن ما حصل يُشكّل إنجازاً استراتيجياً فيما أسماها “الحرب على الإرهاب”، ويؤكّد على قدرة الجيش السوري وأن الجيش وحلفائه يشكلون القوة الوحيدة الفاعلة في مكافحة الإرهاب، وحذر من مخاطر الاعتداءات التي يقوم بها يُمسى بالتحالف الدولي، على حد وصف البيان(9).

ثانياً: دلائل التصعيد
تُظهر المعطيات الميدانية حتى تاريخ إصدار هذا التقرير أن جيش النظام وحلفائه لم يصل إلى الحدود السورية-العراقية كما زعم النظام، حيث ما زالت أمامه حوالي 15كم حتى يتمكن من الوصول إلى الحدود، وهي منطقة يُسيطر عليها تنظيم داعش.
كما تُظهر أن النظام يتمدد في المنطقة الواقعة تحت سيطرة تنظيم داعش وليس في المناطق التي تُسيطر عليها المعارضة، وأنه يقترب من الحدود من نقطة تبعد حوالي 45 كم شمال شرق معبر التنف، وهي منطقة رملية لا تصلح لعبور المركبات.
ويُشير هذا الأمر إلى أن النظام ليس في وارد الوصول إلى طريق بغداد-دمشق الدولي، والذي يمر في معبر التنف الذي يخضع للسيطرة الأمريكية.
كما أن سيطرة النظام المفترضة على مناطق واسعة من البادية هي سيطرة افتراضية، حيث أن النظام، أو أي قوى أخرى، لا يمكن أن تنتشر على كامل هذه المناطق الصحراوية، وبالتالي فإنّ فصائل المعارضة أو حتى تنظيم داعش يمكن أن تستعيد هذه السيطرة إن احتاجت إلى ذلك من خلال معارك محدودة مع المجموعات العسكرية الصغيرة التي تتمركز على بضعة تلال في مناطق شاسعة.
وتبنغي الإشارة هنا إلى أن سيطرة أي جهة على البادية لا تعني إعاقة مرور المجموعات الأخرى في مناطق سيطرته، ما لم تكن هذه السيطرة مصحوبة بمراقبة جوية محكمة. فعلى مدار السنوات التي كانت البادية تقع فيها تحت سيطرة النظام تمكّنت المعارضة من المرور في البادية بشكل مستمر، فعلى سبيل المثال تمكّن قائد جيش الإسلام السابق زهران علوش في نيسان/أبريل 2015 من الخروج من مدينة دوما والعودة إليها في الزيارة التي قام بها إلى تركيا آنذاك مروراً بمناطق البادية الخاضعة نظرياً لسيطرة النظام السوري.
وعلى المدى القصير، يمثّل إعلان النظام وصوله إلى الحدود العراقية إنجازاً سياسياً محلياً موجّهاً لجمهوره فقط، حيث يحتاج النظام إلى الظهور كفاعل رئيسي في المنطقة، وأنه يستطيع تنفيذ استراتيجيات عسكرية تحاصر القاعدة الأمريكية، دون أن يحسب حسابات لقوات التحالف.
وإيرانياً فإنّ المحاولات المتكررة للميليشيات الإيرانية نحو معبر التنف، وتوجيه القوات باتجاه الحدود العراقية يحمل عدّة دلالات. فمن جهة، تحاول إيران اختبار الخطوط الحمراء الحقيقية لواشنطن، وهو ما يدفعها لتكرار المحاولات مرة تلو الأخرى ومن محاور مختلفة.
كما أن قيامها بدفع بعض ميليشيات الحشد الشعبي في العراق نحو الحدود السورية، وقيامهم بالتهديد بدخول سورية، رغم أنهم لم يفعلوا حتى الآن، يشكل اختباراً هو الآخر للخطوط الأمريكية.
ويُشكّل الارتباط الجغرافي المباشر ما بين بغداد ودمشق ثم بيروت هدفاً استراتيجياً لطهران، وبالتالي فإنّها يمكن أن تُقاتل من أجله مثلما فعلت في حمص وريف دمشق الغربي. ولم تكن الاستراتيجية العسكرية الإيرانية تولي الكثير من التركيز في الفترات الماضية على تأمين هذا الخط الذي لم يعد آمناً منذ عام 2012، إلا أن التغيرات الجيوسياسية الأخيرة، وحسابات ما بعد الرقة وديرالزور دفعت طهران لتغيير أولوياتها على ما يبدو، مستفيدة من الهدوء الميداني الذي وفّره اتفاق وقف التصعيد الأخير.
أما الولايات المتحدة قائدة التحالف الدولي فهي تهدف إلى حماية القاعدة العسكرية في التنف من أي استهداف وهو على رأس أولوياتها، ولا يُشكّل تقدم النظام الشكلي في المنطقة أي تهديد حقيقي لها، ويمكن لها إنهاء تواجد النظام بشكله الحالي في أي وقت يمثّل تهديداً لها أو للقوات التي تدعمها على الأرض.
وبالمقابل، فإنّ روسيا تسعى على ما يبدو للقيام بدور الوسيط بين الطرفين الإيراني والروسي من أجل التوصل إلى صيغة تفاهم بين الطرفين، وقد أشاد الطرف الأمريكي بما اعتبره الدور الروسي في لعب دور بعدم تشكيل أي تهديد على قاعدة التنف(10). ويقوم الطرفان الأمريكي والروسي في الوقت الراهن بإجراء مفاوضات تشمل الترتيبات الخاصة بالمنطقتين الجنوبية والشرقية، ويتوقع أن تنتهي المفاوضات إلى اتفاق يُحدّد خريطة السيطرة في البادية ومحافظة درعا بشكل مفصل.

ثالثاً: السيناريوهات المحتملة
في الوقت الحالي فإنّ معركة الصحراء السورية مفتوحة على احتمالين رئيسيين:
أولاً: أن يبدأ النظام السوري وحلفائه بالمرحلة الثانية من معركة البادية والتي على الأرجح سيكون هدفها الرئيسي السيطرة على مدينة السخنة الواقعة بالقرب من مدينة تدمر في ريف حمص الشرقي، وسوف يكون على عاتق موسكو تقديم الدعم الأكبر للنظام السوري أكثر من الإيرانيين؛ باعتبار أن القوات الروسية تنتشر بشكل كبير في تدمر، وعلى أي حال فإن سيطرة النظام السوري على السخنة وما حولها سيؤمّن محيط مدينة تدمر ويوسع خط الدفاع العسكري عنها ليحمي النفوذ الروسي في هذه المنطقة.
وربما لن تقتصر المرحلة الثانية من معارك البادية بالنسبة للنظام على السيطرة على مدينة السخنة، بل يبدو أنه يهدف إلى توسيع نفوذ سيطرته في محافظة درعا التي يعتبرها مرتبطة بمعارك ريف السويداء التي تحاول المعارضة التقدم فيها.
بالمقابل وفق هذا الاحتمال قد تقل فرص المعارضة في فرض مزيد من التقدم لها بالرغم من أن محاولاتها ستستمر لإضعاف النظام من جهة ريف السويداء وريف دمشق الشرقي، لكن الأخير سيحاول أن لا يمنعه الدفاع عن هذه الجبهات من الوصول إلى السخنة بل ربما يكون إلى ريف دير الزور والرقة الجنوبيين.
ثانياً: أن تتمكن المعارضة السورية انطلاقاً من التنف من مواصلة التقدم في ريف السويداء وريف دمشق وكذلك في البادية السورية باتجاه تدمر، وقد حدث ذلك بالفعل، إذ أطلقت فصائل المعارضة هناك معركة “الأرض لنا” في محاولة لاحتواء التقدم الذي أحرزه النظام في الأيام القليلة الماضية(11). وربما تسعى أيضاً إلى قطع الطريق مجدداً بين دمشق والعراق وحينها سيعود النظام السوري إلى المرحلة الأولى مجدداً من معاركه في البادية، كما قد يؤدي ضغط المعارضة السورية على مواقع النظام في ريفي السويداء ودمشق وكذلك درعا إلى استنزاف قواته وعتاده وأيضاً الميليشيات التي تسانده وهو ما سينعكس بشكل سلبي على إمكانية وصوله إلى مدينة السخنة أو الامتداد إلى ريفي دير الزور والرقة.
ثالثاً: أن يتوصل الطرفان الروسي والأمريكي إلى تفاهم حول تقاسم النفوذ في منطقة البادية، بحيث لا تتقاطع المسارات العسكرية للنظام وحلفائه الإيرانيين مع مسارات فصائل المعارضة المدعومة أمريكياً في تلك المنطقة.
وفي هذه الحالة فإنّ الاشتباكات بين فصائل المعارضة وقوات النظام وحلفائها الأجانب ستقتصر على المناطق التي ستترك خارج الاتفاق.
ورغم أن مثل هذه الاتفاق سيفصل بين القوات الإيرانية والقوات الأمريكية وفصائل المعارضة، وسيوفّر لقوات النظام فرصة التحرك بعيداً عن الاستهداف الأمريكي، فإنّ طهران ستعاود محاولة الاقتراب مجدداً من قاعدة التنف، كجزء من سياستها الدائمة في المسير على حافة الخطوط الحمراء.

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

مسنان باكستانيان يناشدان حكومة بلدهما بالتدخل لإجلائهم من غوطة دمشق

دمشق – مدار اليوم   ناشد زوجين من الجنسية الباكستانية حكومة بلدهم ...