الرئيسية / آخر الأخبار / أديب البردويل يكتب: المسألة الكــردية … والإنتهازيـــة

أديب البردويل يكتب: المسألة الكــردية … والإنتهازيـــة

أديب البردويل
الرابط المختصر:

أديب البردويل

المشكلة الكردية قائمة كغيرها من مشكلات الأقليات المزمنة، والتي لم يسعف مجتمعاتنا وعيٌ ولا ظروف تاريخية مناسبة لحلها.
إلا أنها مسألة تتميز عن غيرها من المسائل باعتبارها مسألة قومية، حيث لا يستطيع نظام بعينه أو جماعة سلطة، أو حزب، أو أحزاب سياسية مهما كانت تعتقد انها تمثل قطاعاً واسعاً من الناس، أن تقوم بولوج هذه المشكلة وحلها في سياق نصوص تؤمن بحق الأقليات و بالديمقراطية، وتعطي كل كسور الأمة كيانات مستقلة، ظناً منها أنها قد نفذت فعل الإيمان بالحرية.

لأن المشكلة الكردية قومية هي إذاً تاريخية، ولأنها تاريخية يتوجب البت بها بمشاركة كل الشعب من خلال عملية استفتائية شاملة، بعد عملية استقرائية تأخذ بعين الإعتبار الصعيد الوطني والقومي والدولي والعالمي، هذا بعد أن يقوم كل من الطرفين الكردي والعربي بصياغة إتفاق متجز ونهائي، لكنه مشروط برأي الشعب السوري والكردي والمصلحة العامة العليا.

إن حل كل المشكلات العالقة في عنق الأمة ضرورة قومية وواجب وطني لا بد منه، لكن حل المشكلات القومية لا يمكن أن يكون واقعاً إلا بحضور المجتمع برمته، وليس من العقلانية أو الديمقراطية بمكان أن تعطي أية فئة سياسية أو أجتماعية نفسها الحق باختصار الشعب بها أو بتجاوزه، وتقرر عنه دونما سؤال أو أخذ راي.

إن مثل هذه القرارات القومية والمتخذة على أيد أقلية سياسية، لهو ضرب من ضروب عبثية وديكتاتورية، تحل مشاكل الآخرين {ديمقراطياً} بكلمتين,وبغض النظر عما يستلزمه بقاء حلها.

نعود ونقول:إن القضايا القومية تخص كل مواطن، فهي ليست قضية تنظير فكري أو سياسي، أو حل خلاف حدودي بين قريتين.
يتناول بعضهم المسألة الكردية في سورية كحق تاريخي تثأر له مقولات الديمقراطية، فاعترفوا كلاماً بالكيان الكردي، بل هم ذهبوا للإعتراف بالدولة الكردية المستقلة، ونصح هذا البعض العرب أن يتبنوا هذا الرأي عملياً وذلك من أجل سوريا ديمقراطية.

تمر وجهات النظر هذه حاملة معها مهمة تاريخية ثقيلة جداً، لكن مرورها الرشيق يوشي على أنها أفرغت هذه المهمة من محتواها. ومرت مرور الكرام المبهم، وذلك بسبب طرح الموضوع بلا دلالات اومحددات أو تعريف، كأنه مشكلة في قرية وحضور المختار كفيل بحلها. وقالوا:إن حل هذه المسألة يحتاج ألى ديمقراطيين لكن لم نعرف من هؤلاء الديمقراطيين,من هم الذين مخولون القيام بهكذا مهمات كبيرة,وكيف؟ هذا من جهة، ومن جهة أخرى هناك من يطالب ـ”العرب السوريين” ـ أن يتبنوا اللامركزية كحل ديمقراطي، من أجل إقامة دولة الكورد,وذلك ( من أجل سوريا ديمقراطية وموحدة بالفعل).

هنا الطرح للمسألة الكوردية بجانبيه السياسي ــ والفكري جميل المعنى، لكنه بفقد جماله ومعناه إن لم يكن مأخوذاً بهم ما يجري للشعب السوري، وبدون أن يقول لنا:ما يتوجب فعله عملياً ومناسباً لوضع مجتمعي جديد {فيدرالياً} على الصعيد الأقتصادي والسياسي والدستوري، سيبقى طرحاً صورياً، إن لم يكن ناقصاً كثيراً إلى حد انه لا يتجاوز التنويه بالنوايا لمثل هكذا مشاكل.

طرح القضية لمنظورها السياسي هنا:ليس سوى تقرير إرادوي ومختصر، إنه يتعاطى الديمقراطية بلغة أقرب إلى العرف والعادة والتقليد منها الى التفكّر، لنقل تعاطياً آيديولوجياً محضاً، حيث يُبدي سهولةً تفاؤلية وأمراً نافلاً للمسألة الكوردية التي لم تناقش بعد جدياً لا في الحيز الثقافي ولا السياسي، لا مجتمعياً ولا نخبوياً.

أما التناول الفكري لها:أتى في إطار المفهوم الجدلي ـ الديالكتيكي القائل بما معناه: التجزئة ـ والوحدة مفهومان متناقضان، إلا أنهما يؤكدان بعضهما، ويشكلان الوحدة الحقيقية. لكن الفصل هنا لا يمكنه أن يكون فصلاً إلا إذا وعى نقيضه الوصل، والوصل كذلك محكوم بنفس القانون الدياليتيكي,لا يعي نفسه إلا من خلال فهم الفصل واستيعابه على أنه خلٌّ وعدوٌّ في آن ٍواحد أي:استقلالية مرهونة بانضباطها الكلي، وهذا ما لم بنتبه له أو يأخذه بالجدية المناسبة بعض المتكلمين بالفيدرالية.

لا يخلو قولهم ذلك من الحق والحقيقة، لكن في حدود المقولات الفلسفية والفكرية والسياسية المجردة. رأي يصح المناظرة به قبالة الفكر القوماوي الشوفيني. وسوف تكون مثل هذه الرؤى غير تاريخانية ولا موضوعية، إن لم تأخذ أرض الواقع المختلف دائماً من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان,ومن حـــال إلـــى حــــال. بضرورة عين الإعتبار,ولن تؤدي إلى أي حل حقيقي يخدم الشعب السوري والكوردي.
فالحديث بمقولات عبر لغة تجريدية، تشيح بنظرها عن واقع استثنائي كالواقع السوري المدمَّر أولاً، والمتخلف مجتمعاً ودولةً ثانياً لا أعتقد أنه يمكن الإفادة منه.
الفيدرالية وشروط الحاضر :
1 ـ السلم الإجتماعي
من المؤكد ان الفيدرالية,هذا إذا ما كان لابد منها,تتطلب حالاً مجتمعياً معيناً,يحتوي على الملبيات الذاتية والموضوعية التي تخدم وجودها أولاً واستمراريتها ثانياً,وأول هذه المتطلبات:السلم الإجتماعي . حيث أن المجتمع في حالة الحرب، سيكون محكوماً بقوانين الأحكام العرفية. أي أنه يعيش ظروفاً تحجب عنه أي اعتبار يتناول قضابا فكرية أو سياسية خارجة عما هو فيه من خطر يهدد وجوده. ففي حال ٍ ينذر بدمار الكيان، لا يجوز لنا من حيث المنطق ولا الوطنية، ناهيك عن المساءلة القومية، أن نطالبه بتأمين أو حماية أو تكوين كيانات أخرى. بالإضافة إلى ان حالة الحرب تعلن الأحكلم العرفية، أي لا مجال لأي مشروع أورأي أو طرح خارج مايتعرض له المجتمع.
2 ـ الأمان والثقة
لم تكن العلاقة السياسية العربية الكردية، ولا هي الآن في وضع يبعث على الأمان أو الثقة، فلا الآيديولوجيات التي تعاقبت على حكم سوريا كانت تمتلك الوعي والقدرة على مثل هذا الفعل التاريخي لحل مشكلة الأكراد، ولا الأحزاب الكوردية حازت على هذا الوعي أو القدرة لتقديم قضية شعبها تقديماً واضحاً وودياً وآمناً، كما أن الأحزاب الكوردية بمجملها تقريباً كانت، بدافع الشطارة والفلهوية السياسوية، تتقرب من الحكام رغبة منها بتمرير غاياتها الآنية، ولم يكن مهما، أوتفهم أن من يكون ديكتاتوراً على شعبه لن يكون ديمقراطياً مع غيره، والأنكى من ذلك أنها تعرف تمام المعرفة طبيعة الأنظمة الطاغية التي تعاقبت على حكم سوريا خاصة بعد أن استولى حزب البعث على السلطة. فالسيد عبدالله أوجلان مثلاً ساطعاً على ممارسة المنفعة اللاعقلانية، حين ارتمى في أحضان حافظ الأسد طناً منه بأنه سيحقق له دولة كردية في تركيا، وهو يدري منفعة الأسد الساقطة منه.

وهكذا كانت حال معظم الأحزاب الكردية في عملها السياسي منفعية إلى حد الإنتهازية، فهي لم تتواصل في تاريخها السياسي مع أحزاب الشارع السوري تواصلاً جدياً، حيث كانت دائماً تراهن على الحكام لنيل ماترغبه، ولم تعمل لا ثورياً ولا استراتيجياً لقضيها العادلة، من هنا كان موقفها من الثورة السورية، موقف مطالب ومنتهز حالة ضعف وانهيار الشعب السوري، وهي لم تهتم أبداً بقضايا هذا الشعب، ولم تشاركه لا همه ولا نضاله من أجل الحرية التي تطالب هي بها، لأنها كانت ومازالت مشغولة بمهمة قنص ماتريده.

إن قضية الشعب الكردي، رغم حق مطالبها في إطار الوطن السوري، سوف تكون في مهب الريح إن بقيت أحزابها غريبة عن الشارع العربي ومستغلة أحواله المأساوية من وراء ضهره. والتاريخ ليس سجلاً عقارياً، أبوابه مفتوحة، وتوزع حق الملكية لكل قبيلة أو مطرود أو مستجير عاش هنا فترة أو هناك.
إن ولوج هذه القضية وبهذه السهولة المفرطة، وهو غارق حتى ركبتيه في الدم السوري، ليس سوى خيانة تاريخية.

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

زاهد غول: استفاء كردستان عجّل تحرك تركيا بإدلب

وكالات  _ مدار اليوم دخلت طلائع القوات التركية وانتشرت في نقاط مراقبة ...