الرئيسية / مقالات / ماجد الشيخ يكتب: في توصيف طبائع الشوفينيات

ماجد الشيخ يكتب: في توصيف طبائع الشوفينيات

الرابط المختصر:

ماجد الشيخ

في الشوفينية «الوطنية» هناك صيغ كثيرة تضع بلدانها «أولاً» في معزل عما يحيط بها من بلدان شقيقة أو صديقة، لا تختلف معاناة مواطنيها عن معاناة أشقاء لهم، لجهة السياسة أو لجهة الاقتصاد والأحوال الاجتماعية ومسائل الحريات والحقوق المغيّبة.
أما في الشوفينية الطائفية أو المذهبية، فنحن العرب والمسلمين أخبر الخبراء في معرفة خبرات خلق الفتن والتفاصل و»التفاضل» أو «المفاضلة» بين أبناء الدين الواحد والمجتمع الواحد والدولة الواحدة، وهكذا عشنا وعاش تاريخنا كله يتغذى على نسغ الحكايات والخرافات والأساطير ونسجها، الهادفة جميعها إلى تبجيل أو ترذيل كل طرف في قدح الطرف الآخر وذمه، حتى لم يعد يقتصر الأمر على سرديات مختلقة، تباعد وقد باعدت، بين أطراف المذهب الواحد أو الدين الواحد في إطار المجتمع أو الدولة الواحدة، بحيث بات لكل سردياته الخاصة، المختلفة وغير المشتركة، حتى بتنا نعيش تلك «الداعشية المختارة» قبل أن تنتعش «داعشية» الخلافة وولاياتها.
أخطر ما تمكن ملاحظته اليوم في بلادنا وفي بلدان أخرى، نشوء عنصريات سلطوية تتكتل حول السلطة الحاكمة، بغض النظر عن ماهيتها أو طبيعتها، لتقيم ما يشبه الفولكلور «الوطني» والزجليات «الوطنية» مستمسكة بشوفينية عصبوية تتعصب وتتعنصر انحيازاً للسلطة لا للوطن أو للشعب. وذلك على رغم وجود مشتركات غير خافية في معاناة شعوبنا بفعل ظلم حكامنا وتغول سلطاتهم الاستبدادية وديكتاتورياتهم البوليسية في حرمانها حرياتها وحقوقها المفترضة، ومخاطبتها كوحدة مجتمعية ودولانية واحدة، بدل استقطاب بعضها وظلم بعضها الآخر وترذيله ودفعه إلى الهجرة، أو إلى الثورة أو إلى اللجوء إلى أساليب عنفية، قد لا يمكن التحكم بها في لحظة انفجار براميل المعاناة والآلام التي لم تعد تطاق أو تُحتمل.
أخيراً، لا بد من الإشارة إلى أن هناك تعصباً عنصرياً ما بين الوحدات الأصغر في بلادنا ومجتمعاتنا، ليس على مستوى العشيرة أو القبيلة، بل في ما يحيط عائلاتنا من انحيازات وتحيزات مصلحية لمصلحة السلطة أو أجنحة منها، أو حتى لمصلحة سلطات خارج الحدود، إقليمية لها سمات وطبائع طائفية أكبر وتمذهبات أصغر، جميعها يعمل أو يشتغل لمصالح خصوصية تعود بالنفع على الذات التي عادة ما تغالب ذوات الآخرين تحقيقاً لرغباتها الأكثر توحداً كانعكاس لمتلازمة العنصرية التي تجثو أمام من يفترض أن تعاديه وتعادي مصالحه، وتقوم من كبوتها التاريخية كي تعادي من لا يفترض أن تعاديه. ذلك أن المشتركات الإنسانية والحضارية لا يمكن التفريط بها، بمثل تلك السهولة التي يمارسها اليوم، مرتكبو العنصرية البغيضة حتى داخل مجتمعاتنا، وهي تثبت أنها غير موحدة، ولا هي متجانسة أو متماثلة أو يمكنها أن تتفق على الحد الأدنى مما يجب أن يكون ضمانة تماسك المجتمع والدولة، ليس في مواجهة الآخر، بل في مواجهة الذات نفسها.

المصدر: الحياة

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

حازم صاغية يكتب: كأنّه عالم معلّق

حازم صاغية تمديد فترة المفاوضات بين بريطانيا والاتّحاد الأوروبيّ حول «بريكزيت»، يقول ...