الرئيسية / آخر الأخبار / في مخيم اللجوء الألماني: تناقضات الشكل والمضمون

في مخيم اللجوء الألماني: تناقضات الشكل والمضمون

شرطة المخيم تتركه في أمان الله
الرابط المختصر:

هايدلبريج – مدار اليوم

لايبعد مخيم اللاجئين هنري باتريك فليج عن مدينة هيدلبريج سوى نحو عشرة كيلو مترات، وتقع هايدلبريج جنوب غرب ألمانيا، وهي مدينة سياحية، يجتازها نهر نيكار، فيجعل منها اضافة Yلى الجبل المحيط بها واحدة من أجمل المدن، وقبلة للسياح القادمين من المانيا وانحاء مختلفة في اوروبا.

وأساس مخيم اللاجئين هنري باتريك فليج، قاعدة للقوات الأميركية التي كانت ترابط في ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ومنذ انسحبت القوات الأميركية من ألمانيا، تم تسليم القاعدة للحكومة الألمانية، التي حولت جزء من المكان إلى مخيم لمواجهة تدفق اللاجئين إلى المانيا في السنوات الأخيرة.

ويملك المخيم – القرية بنية تحتية كبيرة من المساكن والمكاتب والملاعب والمطاعم والقاعات الكبيرة الصالحة لكل مايمكن أن يخطر بالبال من أنشطة، مما يجعله مكاناً مثالياً لاستقبال آلاف اللاجئين دون أي عوائق، وقال أحد العاملين في المخيم، أنه في فترة فورة اللجوء الألمانية في العام 2015، تواجد في وقت واحد في المخيم أكثر من سبعة آلاف لاجيء، وهو يضم اليوم نحو ألف لاجئ، أكثريتهم من اللاجئين الأفارقة القادمين من نيجيريا وغانا والصومال والسودان وبلدان شمال افريقيا وخاصة تونس والمغرب والجزائر، كما يضم أشخاصاً وعائلات جاءت من بلدان أسيوية بينها أفغانستان وتركيا والعراق وسوريا وفلسطين، ويضم المخيم لاجئين من بلدان شرق أوروبا وخاصة من صربيا والبوسنة.

اللاجئون في مخيم هنري باتريك فليج، قادمون من مناطق متعددة في ألمانيا، حيث يتم تسير كل من يطلب اللجوء في ألمانيا إليه، لكن القسم الأكبر منهم، يتم تحويلهم من مخيم كارلسروة الواقع في مدينة تحمل الاسم ذاته، ولايبعد عنها سوى واحد ونصف كيلو متراً، بعد أن يجري تجميعهم هناك لايام، ويتم ترحيلهم إلى هنري باتريك فليج، وتتم فيه كل إجراءات اللجوء، بدءاً من أخذ المعلومات الأساسية إلى الفحوصات الطبية إلى المقابلات والتحقق منها، وهي العملية التي يسميها اللاجئون ب”المحكمة”، حيث يسأل اللاجئون عما عايشوه من ظروف في بلدهم وفي الطريق إلى ألمانيا، وعن الأسباب التي دعتهم إلى طلب اللجوء في المانيا.

مفارقات ومشاهدات من داخل المخيم:

وبخلاف الصورة التي يعكسها المخيم في حجمه وشكله وتنظيمه، وبخلاف الشائع عن الحياة الألمانية التي تعني الظبط والتنظيم والإدارة الجيدة، فإن أوضاع اللاجئين وحياتهم في المخيم تبدو على نقيض ماتقدم من مواصفات لمخيم ولقدرات بالمواصفات ألمانية.
لاجئ سوري أمضى يومه الأول طويلاً في المخيم، قضاه في الإجراءات المعقدة والمملة، وسط طابور طويل من اللاجئين، قاده ورفاقه مجموعة من الأمنيين الذين يتولون تنظيم الحياة في المخيم إلى مكان السكن بعد أن سلموه تجهيزات بسيطة للنظافة معجون أسنان وفرشاة وكرار محارم ورقية، وأخرى تخص المنامة، تشمل لحاف ومخدة وغطاء للفراش، ثم تركوهم في سكن أبوابه فالتة لاقفل ولادقر لها، وعندما استفاقوا في الصباح وجدوا أن أحد ما، تسلل إلى غرفتهم وسرق بعض المال وهاتف نقال مع شاحنه لأحد اللاجئين، عندما أخبروا المشرفين، قال كبيرهم: اشتكوا للحكومة الألمانية، وقد تكرر الحالة في الليلة ذاتها مع وافدين آخرين.

مخفر الشرطة الألمانية في المخيم، يبدو شكليا في وجوده، أو هو الإحساس العام عند عدد من اللاجئين الذين قادهم الحظ العاثر للتعامل معه، بخلاف ماهو معروف عن قوة جهاز الأمن والشرطة الألمانية. أحد اللاجئين السوريين أضاع هوية اللجوء “الاوبفايزر”، فراجع قسم الشرطة من أجل تنظيم ضبط، حتى يتم استخراج هوية أخرى له، وبعد أن شرح للشرطي كل ظروف وملابسات فقدان الهوية، طلب إليه الشرطي مراجعة القسم بعد ثلاثة أيام لتنظيم المحضر، وعندما عاد في الموعد المحدد، تم التأجيل لثلاثة أيام أخرى، ثم جرى التأجيل مرة ثانية لمدة ثلاثة أيام، والغريب أنه وبعد ان اخبر اللاجئ الشرطي باجتمال تسفيره إلى مكان جديد، قال له الشرطي، إذن هناك يمكن أن يستخرجوا لك هوية جديدة.

حادثة أخرى في قسم شرطة المخيم، صاحبها لاجئ سرق هاتفه النقال، وكان من الطبيعي أن يراجع قسم الشرطة للشكوى علهم يجدون الهاتف والسارق. الشرطي هذه المرة لم يتأخر في تنظيم ضبط بالحادثة، وطلب كل المعلومات وخاصة المتصلة بالهاتف، ثم وعد أن الموضوع ستتم متابعته. بعد عدة أيام راجع صاحب الشكوى الشرطي ذاته، فأخبره أن شيئاً لم يحصل، وأن حوالي خمسين سرقة هاتف تتم يومياً في المخيم، وأن لاقدرة لديهم لمتابعة الموضوع، فسأله صاحب الشكوى، وماذا علي أن أفعل؟، أجابه الشرطي ضاحكاً، اشتري هاتف جديد.

وفي المركز الطبي التابع للمخيم ماهو أشد طرافة مما هو عليه الحال في قسم الشرطة. فقد راجع المركز أحد اللاجئين المرضى، وأخبر موظفة الاستقبال والقادمة أصلا من بلاد البلقان، أنه بحاجة الى نوع من الدواء يستخدمه كدواء دائم، وقامت الموظفة بتسجيله في كشف المرضى اليومي، وطلبت منه العودة في الساعة الواحدة، وعندما عاد طلبت منه البقاء حتى الثانية، ثم أجلت الموعد حتى الثالثة، وفي هذه المرة، كان عليه أن ينتظر أكثر من ساعة مع نحو عشرين مريضاً، والسبب أن ثلاثة من الأطباء يفترض أن يعاينوا المرضى، وقد تغيب منهم إثنان، فإضطر الطبيب الوحيد لمعاينة المرضى جميعهم.

والأطرف في قصة الطبيب الوحيد الذي عاين المرضى يومها كبر سنه الذي يوحي بأنه يكاد يكون عاجزاً عن القيام بمعاينة المرضى من حركاته وحواسه رغم استعانته بطبيب من أصول آسيوية هو في الغالب من طلاب الدراسات العليا، كان يساعده في كتابة الوصفات الطبية وطباعتها وتسليمها للمرضى.

موظفة الاستقبال في المركز الطبي، اعتذرت عن تسليم الدواء. والسبب كما قالت الموظفة: أن جهاز الفاكس الذي ترسل الوصفة عليه إلى الصيدلية معطل، وهو يحتاج إلى اصلاح، ولأن اليوم الجمعة، والسبت والأحد عطلة، فإن الإصلاح سيتم يوم الاثنين، وسيتم طلب الدواء، ويكون جاهزاً يوم الثلاثاء. وهكذا كان.

مطعم المخيم حكاية وحده، تستحق التأمل. فهو بناء ضخم مؤلف من قاعتين واحدة مفتوحة فيها عشرات الطاولات ومئات المقاعد، وأخرى تقاربها مغلقة، وغالباً هي مجهزة للطوارئ عند زيادة أعداد اللاجئين في المخيم، والطاقم المهني في المطعم مؤلف من عدد محدود من الطباخين ذوي الأصول المتعددة، وكثرة من اللاجئين المتطوعين الذين يقومون بأعمال توزيع الطعام والشراب والخدمات الأخرى إلى جانب عدد من الموظفين الأمنيين لضبط الدخول والخروج من المطعم، وتنظيم الدور في توزيع الطعام.

يقدم المطعم ثلاث وجبات يومية، كما يقدم الشاي في كل الوجبات، فيما يقدم الحليب والقهوة الألمانية في وجبتي الإفطار والعشاء. وتتألف وجبة الغذاء غالباً من مواد مطبوخة وساخنة، لكنها في نوعياتها لاتصل إلى مستوى الوسط في أحسن الأحوال، واللحوم المشوية التي تقدم مرتين في الأسبوع، لاتصل ابدأً إلى درجة النضج، كما حال بعض الوجبات المطبوخة، أما وجبتا الإفطار والعشاء فتكاد تكون واحدة. إذ هي مؤلفة من الجبنة والمرتدلا، ويضاف إليها في الصباح الزبدة والمربى، وكأن المانيا ليس فيها للوجبتين سوى هذه المواد فقط.

غرائب ومفارقات مخيم اللاجئين الألماني، توحي وكأنه في المنطقة الوسط، بين المانيا الدولة المنظمة والمتقدمة، وبلدان التخلف والدكتاتورية والصراع التي جاء منها اللاجئون. صبية المانية من أصول سورية، كانت جاءت إلى المانيا قبل عشر سنوات، تزوجت فيها وانجبت، قال ضاحكة: لقد جعلنا الالمان مثلنا.

جانب من توزيع الطعام

في مطعم المخيم وجبات مكررة

المركز الطبي بانتظار المرضى

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

زاهد غول: استفاء كردستان عجّل تحرك تركيا بإدلب

وكالات  _ مدار اليوم دخلت طلائع القوات التركية وانتشرت في نقاط مراقبة ...