الرئيسية / مقالات / عمر قدور يكتب: أهي نكسة أم تفاحة؟

عمر قدور يكتب: أهي نكسة أم تفاحة؟

الرابط المختصر:

عمر قدور

كان ينبغي أن يتسرب ما قاله وزير الخارجية السعودي في اجتماعه مع رئيس الهيئة العليا للمفاوضات، وفحواه القبول ببقاء بشار الأسد طوال المرحلة الانتقالية، كي يقتنع بعض المكابرين بحجم التردي الذي وصل إليه حال المعارضة السورية. وزارة الخارجية السعودية في تعليقها على التسريبات لم تنفِها، وإن أشارت إلى موقف المملكة الثابت على عدم قبول بقاء الأسد في مستقبل سوريا، فكلمة المستقبل هذه تستخدمها دول أخرى تعلن قبولها ببقائه ضمن مرحلة انتقالية غير واضحة المعالم والمدة حتى الآن. جدير بالذكر أن المملكة استقبلت مستشار بشار للأمن القومي علي مملوك، قبل سنتين بالضبط، وعرضت صفقة تنص على وقف دعم المعارضة مقابل انسحاب حزب الله وباقي الميليشيات الشيعية من سوريا. والمملكة، مثل أي طرف خارجي، لها حساباتها التي تخص أمنها أولاً، والتي تخص مجمل الصراع في المنطقة تالياً. وما يصح على المملكة يصح على دول إقليمية أخرى، كان لها في ما مضى أدوار ومطامع في النفوذ، انتهى بعضها وحُجِّم بعضها الآخر بحكم التواجد الأميركي والروسي في الساحة.

وكما هو معلوم تعكس الرسالة السعودية لهيئة التفاوض حصيلة التفاهمات الدولية، ولن يكون من شأن الهيئة التغيير فيها، بل يمكن بسهولة ربما تغيير تركيبة الهيئة لتتلاءم مع التوجه الجديد. ولقد اختبر السوريون خلال سنوات تغييرات في السيطرة على أطر المعارضة تعكس تبدل موازين القوى الإقليمية، أو تعكس الرغبة الدولية في نقل الإشراف على الملف السوري من جهة إقليمية إلى أخرى، ومرت تلك التغييرات بسلاسة، بل لاقى بعضها الترحيب على أمل حصول تطور ما في التعاطي الدولي والإقليمي، إلا أن النتيجة كانت دائماً المزيد من الانحدار في مكانة المعارضة، والمزيد من الاستهتار بالقضية الأساسية للسوريين.

ما سبق كله كان ينبغي توقعه على أرضية التحول المستمر في القضية السورية إلى كونها قضية خارجية، وارتهانها للصراع الدولي، وأيضاً للصراع الإقليمي. فالقضية السورية على سبيل المثال دفعت ثمن الخلافات الإقليمية حول انقلاب السيسي في مصر، ما أفقد الدول الإقليمية المعنية قوة تأثيرها على إدارة أوباما، وأفقد بعضها القدرة على الوصول إلى الداخل السوري ودعم بعض الفصائل إلا من خلال غرفة المخابرات الأميركية في الأردن. ومن المؤكد أن تدفع القضية السورية ثمناً ما للخلاف الخليجي الأخير، بخاصة بعد أن قفز إلى الصدارة ليبدو كأنه أم المعارك في المنطقة، وغير بعيد عنه يُسوّق اليوم لدور مصري في سوريا، مع معرفة موقف مصر السيسي المحابي لسلطة الأسد. أما تسليم لبنان للوصاية الإيرانية، على نحو مفاجئ وغير مسبوق، فلا يبشّر جواره السوري بالخير.

هذا الوضع يشبه إلى حد كبير وضع القضية الفلسطينية عشية حرب حزيران 1967، فحينئذ كانت القضية الفلسطينية ممسوكة من أنظمة تدّعي أنها ستحرر كامل التراب الفلسطيني، ويتوعد بعضها الإسرائيليين بالرمي في البحر قريباً. حتى في خضم الخسارات أثناء الحرب كانت الإذاعتان المصرية والسورية تبثان أخبار الانتصارات، على النحو الذي ستشهده لاحقاً المؤتمرات الصحافية لوزير خارجية وإعلام صدام”محمد سعيد الصحاف” عام 2003. وكما هو معلوم أفاق “الجمهور” في الحالتين على واقع شديد البؤس، أولهما باحتلال إسرائيل مساحات واسعة إضافية وثانيهما بسقوط بغداد سريعاً. سيختبر السوريون في ما بعد تصريحات دولية وإقليمية طنانة من نوع أن استخدام السلاح الكيماوي خط أحمر، أو أن اقتحام النظام مدينة حماة خط أحمر ولاحقاً مدينة حلب، أو من نوع أن الأسد سيرحل طوعاً أو بالقوة.
إلا أن أهم ما في هزيمة حرب 1967 هو ما ثبت من تهافت الأنظمة التي أعلنتها نكسة فحسب، ما دامت هي نفسها لم تسقط! فإثر الهزيمة تقدمت حركة التحرير الوطني “فتح” ليأخذ الفلسطينيون قرارهم بأنفسهم، ومن ثم تقدمت منظمة التحرير الفلسطينية لتصبح ممثلاً شرعياً وحيداً للفلسطينيين باعتراف من الأنظمة التي حاولت السطو على القضية، قبل أن تحاول السطو في ما بعد على قرار منظمة التحرير. بهذا المعنى كانت الهزيمة درساً قاسياً ضرورياً للتخلص من أي وهم حول الأنظمة القائمة، وهو درس كان ثمنه عملية تهجير وتغيير ديموغرافي تفوق بحجمها بين الداخل والخارج ما رافق قيام دولة إسرائيل، وإن بدا هذا الحجم أصغر من عمليات التهجير التي قام بها تنظيم الأسد بينما كان “أصدقاء الشعب السوري” يطلقون الوعود.

لكن، لكي يأخذ السوريون زمام المبادرة على نحو ما فعل من قبل الفلسطينيون، يلزم أولاً ألا يتبعوا سياسة الإنكار، أي ألا يكونوا في موقع الأنظمة التي أنكرت الخسارة الفادحة في حرب حزيران. الصمت الحالي، عما حدث ويحدث، لا يبتعد كثيراً عن الرغبة في الإنكار أو عدم مواجهة الواقع، وفي أحسن الأحوال يعكس تدني الثقة بالنفس إلى حد كبير يدفع إلى محاباة “الحلفاء”، ولو على حساب مطالب أساسية ثار من أجلها السوريون. لقد انطلقت الثورة لإسقاط النظام السياسي الأمني لطغمة الأسد، لا من أجل مشاركتها السلطة بحسب ما هو مطروح حالياً، والقبول بذلك تحت أية صيغة لا يعني سوى ترميم النظام على الضد من الثورة.

وسط الصمت والعجز الحاليين سيكون مؤسفاً أن ترتفع أصوات تلعب دور مذيع صوت العرب عام 1967 أحمد سعيد أو دور الصحاف عام 2003، فتتحدث ببساطة عن انتصار الثورة الحتمي وكأن هذا يحدث تلقائياً وبالإصرار على تكرار الأخطاء ذاتها! يرى الكاتب الفرنسي المعروف جان جينيه أن الكلمات وجدت لتستخدم في مكانها الصحيح المناسب، ولولا ذلك لما كان هناك من داعٍ لوجودها. ويروي صديق حادثة جرت في صفه عندما كان في المرحلة الثانوية؛ إذ يسأل مدرس العلوم مع انتهاء درس عن جهاز الهضم عما إذا كان لأحد من الطلاب سؤال؟ تسأله إحدى الطالبات عن معنى فتحة الشرج؟ يجيبها: فتحة الشرج هي الطيز. فتنكب الطالبة برأسها خجلاً على المقعد. يذهب المدرس إلى الطالبة ويطالبها برفع رأسها، ثم يؤكد عليها بالقول: يا آنسة، فتحة الشرج هي الطيز، ماذا تريدين أن أسميها لك؟ تفاحة؟ أغلب الظن أن الهزيمة الكبرى تبدأ بإنكار الواقع، وبدل فهمه ومحاولة تغييره الإصرار على أنه تفاحة!

المصدر: المدن

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

ميشيل كيلو يكتب: قدرات سورية معطلة

ميشيل كيلو بَيْن الظواهر الأكثر لفتاً لأنظار متابعي الثورة السورية ظاهرة مقلقة إلى أبعد الحدود، تتعلق ...