الرئيسية / مقالات / علي العائد يكتب: سكان الرقة دروع بشرية وأهداف للطائرات في أرض يباب

علي العائد يكتب: سكان الرقة دروع بشرية وأهداف للطائرات في أرض يباب

الرابط المختصر:

علي العائد

يحدث الآن في الرقة وفي تلعفر في العراق أن نسبة صغيرة من سكان المدينتين لا يزالون يحتمون في بيوتهم التي ستتحول إلى أنقاض قريبا ليموت عدد كبير منهم بالقياس إلى نسبة عددهم إلى عدد الدواعش حيث تتفق التقديرات الاعتباطية على أن ما تبقى من السكان في الرقة وتلعفر هو ما بين 20 و25 ألفا، وأن عدد مقاتلي داعش ما بين 1500 و2000، وأن التكتيك المتبع للسيطرة على المدينتين هو التمهيد للقوات المهاجمة بقصف الطيران والمدفعية، مع الإشارة إلى أن المدنيين سيحاولون الاحتماء بالبيوت والملاجئ، على خلاف “المدافعين” الذين سيتحركون وفق مجريات القصف، على اعتبار أن الحصار مطبق حول المدينتين، والمتوقع وفق أقل التقديرات أن فناء “المدافعين” سيرافقه قتل عشرة أضعاف من المدنيين، أي قتل 15 ألف مدني على الأقل وربما أكثر، بالنظر إلى غياب العناية الطبية بشكل شبه تام (في الرقة على الأقل)، وأن أيّ إصابة بسيطة قد تكون قاتلة، وأيّ إصابة في الأطراف يكون علاجها البتر في محاولة للحفاظ على حياة المصاب.

كان “المنطقي والإنساني” أن يتم إخراج المدنيين جميعا من مدينة الرقة وقبلها من الموصل ومنبج وعين العرب-كوباني وتل أبيض وتلعفر الآن وقبل “تحريرها” حتى نبرّئ داعش من استخدام المدنيين كدروع بشرية ونبرّئ قوات سوريا الديمقراطية وطيران التحالف من التسبب في قتل المدنيين بالجملة.

عند هذا الافتراض سيقصف المهاجمون بالمدفعية والطائرات المدن الحجرية ليقتلوا ألف داعشي أو ألفين أو ستة آلاف في أعلى الأرقام المقدرة عن عدد الدواعش الذين سيطروا على المدن المذكورة. وفي النتيجة ستحقق نظرية الأرض المحروقة هدفها كي يعود المدنيون إلى الأرض اليباب ويسكنوها كأفضل ما يمكن مقارنة مع الواقع الذي عايشته المدن التي طرد منها المهاجمون داعش على مبدأ “بالمال ولا بالعيال”.

هكذا، وكأن المال، أي البيوت، والشوارع والبنية التحتية أشياء مستقلة عن حياة البشر وأن الأحياء عندما يعودون إلى أنقاض مدينتهم وبيوتهم ستعود المدينة حية لأنهم أحياء.

الأمم المتحدة لا تتوقع أسوأ من الرقة الآن مكانا للعيش، مطالبة بهدنة لم تقل شيئا عن طرفيها وعن مبرر طلب الهدنة إن كان إخراج المدنيين لتستمر المعركة بين مقاتلين فقط أو تزويد المدنيين بالطعام والدواء كي يستمروا بالموت بـ”شروط أفضل” إذا فضل بعضهم الموت في بيته ودفنه في حديقة عامة على أن يعاني مرارة النزوح والتعرض للموت برصاص قناصة الطرفين، وخاصة داعش، ممن لا يلتزمون بهدنة أو غيرها.

أما الواقع فيقول إن المدنيين متهمون من الطرفين فهم من طرف دواعش ومن طرف آخر مرتدّون ومتعاطفون مع “الكفار المهاجمين”، ومع التحالف الدولي المعادي لـ”الدولة الإسلامية” إذا قرروا التخلي عن بيوتهم ومدينتهم بالمقارنة مع داعش التي صمدت للدفاع عنهم (كذا).

ولأن ذلك لم يحدث، أي عدم إخلاء الرقة من المدنيين قبل تدميرها، ولن يحدث، فالتهمة تلبس الطرفين بقدر متساو، حتى دون أن نساوي بين داعش، كـ”شرٍّ مطلق” و قوات سوريا الديمقراطية (قسد) كـ”شرٍّ نسبي”.

وأمام 250 غارة جوية للتحالف على الرقة ومحيطها شمال وشرق نهر الفرات، خلال الأسبوع الماضي (بمعدل ثلاث غارات كل ساعتين)، عدا الغارات الروسية جنوب النهر على المخيمات العشوائية التي أقامها النازحون انتظارا للعودة إلى مدينتهم، واجه المدنيون نيران القناصة من الطرفين، “قسد” وداعش، وألغام داعش التي زرعها مبكراً لاصطياد مقاتلي “قسد” و”المرتدين الهاربين” ولاحق القدر بعض الهاربين ليموتوا في طريق هروبهم.

ليس الموت وحده ما يعانيه النازحون، ففي تفاصيل يوميات الهروب معاناة قد تكون حتى أكبر من موت عزيز أو قريب. ومن تلك المعاناة نجد معاناة الأطفال وكبار السن حتى لو لم يكونوا مرضى حيث نتابع في كتابات شحيحة تفاصيل ترصد الحياة اليومية للنزوح تبتعد قليلاً عن أصوات القصف وأرقام الموت لتعلن أن الناس يحاولون البقاء على قيد الحياة ليس أكثر بالانتقال من أرض يسيطر عليها داعش إلى أرض تسيطر عليها “قسد”. هذه الأرض هي نفسها بفارق أيام أو ساعات لكن باختلاف القوة المسيطرة بمن عليها من السكان المقيمين أو النازحين.

يبدو كلام المستشار الخاص للمبعوث الأممي لسوريا يان إيغلاند خارج المنطق والسياسة و”إنسانية” الأمم المتحدة، فحديثه عن 25 ألف مدني عالقين في الرقة كدروع بشرية بيد داعش وأن أيّ هدنة لن تشمل الحديث مع التنظيم حديث لا حظّ له من النجاح في إنقاذ ما يمكن من المدنيين، فكيف سيتخلّى داعش عن دروعه البشرية يا سيد إيغلاند ليبقى مكشوفاً لقذائف المدفعية والهاون وصواريخ الطائرات وقذائفها الفوسفورية، هذا إذا كانت الأمم المتحدة تضمن أيّ هدنة من طرف طيران التحالف ولو لساعة واحدة!

الصّور وأفلام الهواتف المحمولة التي بدأت تصل من الرقة تقدم أدلة غير قابلة للإنكار عن استخدام الفوسفور الأبيض، فالنيران تظلّ مشتعلة منذ منتصف الليل حتى ظهيرة اليوم التالي. أما الدمار الشامل فلا يحتاج إلى أدلة ما يعني أن لعبة الدروع البشرية مجرّد محاولة تبييض ضمائر في الوقت الضائع ما بين موت المدنيين ووقت وصول الأخبار إلى مسؤولي الأمم المتحدة.

تقول صديقة هربت مع أهلها من الرقة إلى إحدى القرى شمال غربي الرقة، ومن ثمّ هربوا من القرية إلى مخيّم عشوائي بناه أهل القرية على عجل: عاد رجل كان قد ذهب إلى القرية ليحضر بعض ما يحتاجه في المخيم من بيته حاملا رسالة من عناصر داعش. قال الرجل إن عناصر كانوا ينتقلون من بيت إلى آخر كل بضع ساعات وإن العناصر حمّلوه رسالة إلى سكان المخيم بأن يعودوا إلى بيوتهم وإلا أحرقوها “أرواحكم ليست أغلى من أرواحنا.. نحن ندافع عنكم ضد الخنازير.. وبدلا من أن تأتوا للجهاد تتركوننا هدفا للطيران”.

في هذه الأيام، وفي كل الحالات المماثلة، وقع المدنيون بين خيارين فإما أن يكونوا دروعا بشرية لداعش القريب منهم أو يكونوا دريئة تصوّب عليها الطائرات والمدفعية قذائفها بتمييز شديد فالرقة مدينة صغيرة وكلما تناقصت المساحة التي يتحصن فيها داعش كانت إصابات المهاجمين أشد دقة. هذا ما يحدث الآن تماما.

المصدر: العرب اللندنية

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

غازي دحمان يكتب: حينما اشترى العرب منظومة كذب

غازي دحمان استدعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مستشاره للشؤون العربية على عجل، ...