الرئيسية / آخر الأخبار / مجدولين الحصري تكتب: ملح الخمسين

مجدولين الحصري تكتب: ملح الخمسين

الرابط المختصر:

مجدولين الحصري

قررت مراجعة طبيب نفسي للوصول للسلام الذاتي، لكن طبيبي العام، اعترض لعدم حاجتي لذلك. فقلت له: وإن كنت افكر بالانتحار؟
فأحالني إلى معالج نفسي بموعد مستعجل، قمت بتأجيله، الانتحار ليس بالضرورة جسديا. ربما ما أشعر به شروع بانتحار روحي.
الحرب..الغربة..الطلاق..عدم الاستقرار المكاني والنفسي..العطالة عن العمل..عدم الامان.. والوحدة كلها اسباب كافية، لتأخذ اي فرد ليكون احد مراجعي العيادة النفسية. لكن الحقيقة رغم كل هذه الاسباب مجتمعة ليست هي السبب.
انا ادرك إني شخص خطير على ذاته بحنكة الذكاء، التي اتمتع بها قادرة، ان اقنع نفسي بأمر، وبنقيضه بذات الوقت دعما لهذا الوهن الواهم.
كل يوم أُخطط لاتباع برنامج لتحسين صحتي النفسية والجسدية.. وبأمر معاكس، آخذ ذاتي الى الزنزانة المنفردة التي اكتب بها الان.
امثلة كثيرة. لكن الاكثر شراسة للروح كوني ابنة الام المصابة بفوبيا النظافة، التي كانت تجبرنا على غسل ارجلنا قبل دخول بيتها. ورثت عنها حب النظافة، لكن ليس لدرجة الذعر المرضي.
وصل بي الامر، ان أُهمل نظافتي الشخصية. كإن يمر يومين بدون استحمام قبل تأجيله لليوم الثالث.. لم يعد الامر محمولا، كيف اجبر هذا الجسد بالارتكاس للامر دون تأجيل؟ عراك حقيقي بيني وبين ذاتي.
بعد ساعات وتأجيل عدة مرات. كأنّي أسوق نفسي للغرق نجحت بالأمر. خلعت ثيابي فتحت صنبور الماء، وقفت لحظة لم آتي بأي حركة، ثم خرجت مبتلة الجسد والروح جافة.
هل تدركون حجم الموقف رغم سخافته ؟ اخذت نفسا عميقا..أدركت إني أعيش عطالة روحية قاتلة.
هكذا العب مع ذاتي لعبة الشطرنج بحركة مباغتة، اغتال الملكة، وأُنه متعة اللعب بخطة انسحابية. اعود لركني اجد جسداً معاقاً لا يشبهني. تتكرر العملية كحرب وهزائم مزدوجة
في انتظار ان احدد موعد مع الطبيب. دار حوار بسيط بيني وبين ذاتي، استغليت فرصة الهدنة القصيرة بعد خروجي من الحمام.
-لماذا ستذهبين الى الطبيب؟
-لا شيء. سأدخله بمتاهات روحي، اتغلب على تخصصه، فأنا القادرة، ان اثبت له اني عاقلة جدا ومجنونة جدا.
-اذا لا تذهبي.
-لكني لست بخير.
-ارى انكِ ترتبين اوراق اللعبة على الطاولة.
-نعم اعرف مكان شب الكبة وبنت الكبة والقص وأختيار البستون والجوكر أيضا.
-اذا اين المشكلة.
-انا لا استخدم الجوكر.
-لماذا نتحارب انا وانت؟
-لا اعلم.
-اعتبريني طبيبك.
-اممممممممم .. فليكن
-لنغير مكان الحوار كخطوة أُولى.
-لا أُريد الجلوس في الحديقة، كي لا أرى شتلاتي التي أهملتها وماتت.
إستلقيت على كنبة جلدية باردة، وبدأ العلاج الذاتي، تحاورني ذاتي كطبيب، وتبدأ الاستجواب
-منذ متى بدأت الحالة؟
-منذ كنت أحمل عشرة بطيخات في يد. واليد الاخرى أستعملها للعطاء والمصافحة والعناق والكتابة.
-ماذا اختلف الان؟
-اضعت اطرافي الامامية.
-لكنك تملكين قدمين، وتملكين الطريق..متى اضعت اطرافك الامامية؟
-عندما كنت اعيش عمر العشرين. وانا بالعقد الخامس..لقد فقدت يداي بعيد ميلادي الأخير، وبت عجوزا سبعينية.
-لنعود لعيد ميلادك الماضي.
-ههههههههههههه الخمسين : قدم في الدنيا وقدم في القبر.
-انا ذاتك. واؤكد لك: إن الخمسين قدم في الحكمة والنضج، وقدم في الجمال والإثارة .. صرخة تُنافس العشرينية بصخب .. ملح ضحكتها معتدل .. تَعلمَتْ كيف تأخذ الدروب المستقيمة لأنها اقصر للهدف ..واثقة تلمع ظهراً كنجمة، ولا تحتاج الليل، لتبدو بالظلام.
-كلام فارغ إعاقتي لا تسمح لي بخطوة جديدة لطريق من الف ميل.
-اذا كل ماضيك المجيد مزيف، إن لم يستمر.
-الم اقل لكي اني خسرت امكانية العطاء.
-من لا يعطي ذاته إمكانية الاقتران بها، لا يمكنه اعطاء الاخرين ..اعطني عناق، وانا اقتل عطالتك الروحية، وتنتهي هذه الحرب.
نبتت ذراعي، واحتضنت ذاتي، اصبح الطريق واضحا …والهدف تحت المرمى، اصبح الاستحمام رغبة مثيرة، لا تقاوم كي ازيل اوساخ هذه الحرب الذاتية وإعادة الاعمار من المعيب ان نصل الخمسين، ونعلن الحرب مع من حولنا او مع ذواتنا، ولانعرف كيف نحلّ عقدنا.
كتبت سيلفيا بلاث:
الموت فنّ.
على غرار كل ما عداه.
وإني أمارسه بإتقان.
أمارسه حتى يصير جهنّم
أمارسه حتى يبدو حقيقةً
في وسعكم القول إنه دعوتي.
من السهل فعله في زنزانة.
من السهل فعله من دون أن أحرّك ساكناً.
هو العودة الممسرحة في وضح النهار
الى المكان نفسه، والوجه نفسه،
والصرخة البهيمية الضاحكة نفسها:
إنها معجزة!”
ذلك يذهلني.
هناك ثمنٌ لكي أتجسّس على ندوبي، هناك ثمنٌ، لكي أصغي إلى نبضات قلبي-
آه، إنه يدقّ حقاً!

 

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

النظام يواصل تصعيده بالغوطة ويقتل 9 مدنيين فيها

ريف دمشق _ مدار اليوم لقي تسعة مدنيين مصرعهم، بينهم عنصر من ...