الرئيسية / مقالات / علي العائد يكتب: جزر الأمم غير المتحدة في محيط داعش والنظام الأسدي

علي العائد يكتب: جزر الأمم غير المتحدة في محيط داعش والنظام الأسدي

الرابط المختصر:

علي العائد

على الرغم من فشل دبلوماسية مبعوث الأمم المتحدة الخاص بسوريا، ستيفان دي ميستورا، إلا أنه لا يزال في منصبه، في مقابل بقاء النظام الأسدي، وبقاء طواقم المعارضات السياسية في مواقعها.

الأطراف الثلاثة حافظت على مناصبها في ما يبدو أنه مكافأة على فشلها في إخراج الشعب السوري من محنته، من المعارضين للنظام الأسدي، والموالين له، والصامتين الخائفين من داعش وأخواته.

داعش أيضا لا يزال في منصبه الذي أراده له النظام الأسدي، بـ”مباركة” من وليهما الإيراني، وعلى مسمع ومرأى من التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة لمحاربة التنظيم. فالتحالف الذي دشن معركة لانتزاع عين العرب – كوباني من قبضة داعش ترك عناصر التنظيم لينتقلوا شرقا إلى تل أبيض، ومنها إلى منبج، ومنها إلى الرقة. وحين قامت عليه حرب الموصل، انتقل إلى الشدادي، بل كاد أن ينتقل من عرسال والبقاع إلى ديرالزور في باصات مكيفة!

داعش لم يفشل تماما، وإن كانت “دولته” انهارت في الموصل، وسينهار بنيانها بالتتابع في الرقة ودير الزور، لكن بعد تدمير معظم البيوت والبنية التحتية في كل المدن التي كان يحتلها التنظيم، وقتل عشرات الآلاف من المدنيين. فهل يوجد أكثر من هذا النجاح، على الأقل بالنسبة للنظام الأسدي، الذي بدأ حربه على التطرف والعصابات المسلحة قبل أن توجد، ويكاد يصل الآن إلى غايته؟

عندما ظهرت جبهة النصرة، ومن ثم داعش، وفصائل أخرى لها برنامج مستقل تماما عن مطلب الكرامة الذي أطلقه السوريون منذ ربيع 2011، أمسك النظام بطرف خيط نجاته الذي صنعه، وصبر بدعم غير محدود من حليفيه الإيراني والروسي، ووصل إلى بداية غايته منذ يومين بدعم لفظي هام من دي ميستورا.

وللإنصاف، فقد أعلن دي ميستورا أن المعارضة لم تنتصر على النظام، كما لم ينتصر النظام الأسدي على المعارضة، في تبرير لدعوته المعارضة كي تقدم تنازلات كبيرة وتقبل باستمرار النظام كي تتقدم المفاوضات إلى حل ينهي الحرب.

أما الأمر الغريب فهو توقيت إعلان دي ميستورا، ففي اليوم نفسه أعلن رئيس لجنة التحقيق في قضية استخدام النظام الأسدي للسلاح الكيميائي أن النظام استخدم غاز السارين سبع مرات بين شهري مارس ويونيو، من ضمنها مجزرة خان شيخون التي ذهب ضحيتها 87 مدنيا، ومن بين 33 مرة استخدم فيها النظام أسلحة كيميائية محرمة دوليا.

هذا الفشل الأممي ليس جديدا بخصوص المسألة السورية وثورتها المستحيلة، فالأمم المتحدة في الأحوال الاعتيادية مجرد جمعية خيرية، أو غرفة إسعاف في ما يتعلق بالأزمات، حتى أن أمينها العام أنطونيو غوتيريس خبير لا يُشق له غبار في مجال الإغاثة مع عشر سنوات من توليه هذا المنصب، رغم شكاواه المتكررة من حملة السلاح الذين عرقلوا جهود فرقه الإغاثية في دارفور، وجنوب السودان، وفي غزة، ثم في سوريا نفسها.

لكن دي ميستورا ليس رئيس فرق إغاثية تقدم علب زيت وطحينا في سوريا، بل هو دبلوماسي مهمته الجمع بين المواقف والأفكار المتناقضة للوصول إلى حل ينهي الحرب ويفرض على الأخوة الأعداء حلا سياسيا لا يقبلونه بإرادتهم الحرة في الأحوال العادية.

هنا من المحتمل أن يكون دي ميستورا قال مثل هذا الكلام في غرف مغلقة أمام ممثلي الهيئة العليا للمفاوضات، لكنها المرة الأولى التي يقول فيها هذا الكلام غير الدبلوماسي بهذه المباشرة الفجة.

وقد تكون لتوقيت كلام الرجل علاقة بما يتم الحديث عنه حول اجتماع “الرياض 2”، بعد فشل الجولة الأولى في تحقيق اتفاق بين منصة موسكو والهيئة العليا للمفاوضات حول تعديل موقفها من القبول بدستور 2012 الأسدي، وقبول شخص الأسد ونظامه، كشريكين في مرحلة انتقالية تصل إلى عام 2021، وربما ما بعد ذلك التاريخ.

هذا يعني أن دي ميستورا لا ينطق عن الهوى، وأن تنسيقا ما قد تم بينه وبين موسكو لقول هذا الكلام، في محاولة للضغط على المعارضة كي تقبل هذا الحل الذي يعني في أبسط معانيه أن مليوني قتيل وجريح ومعاق ومعتقل، إضافة إلى 12 مليون نازح ولاجئ، ضاعت حقوقهم، وتم رهنها لإرادة روسية أممية لم تتمكن أميركا، كبيرة أصدقاء سوريا، من ردها.

وإذ أردنا متابعة ردود الفعل على كلام دي ميستورا، فقد كان كلام الهيئة العليا للمفاوضات هزيلا مثلما كانت تصريحات الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة، في رده على كلامه. فالكلام على أن المعارضة لم تكن تهدف إلى الانتصار عسكريا على النظام مردود عليها، ليس لأنها تريد أو لا تريد، بل لأن الفصائل الأكثر فاعلية على الأرض لا تأتمر بالمستوى السياسي الذي يمثله الائتلاف، ثم إن الفصائل كانت تريد الانتصار العسكري والقبض على رأس النظام ومحاكمته، أو قتله، لكنها لم تتمكن كونها فصائل منعزلة لا تخطط ولا تنسق ولا تموّن ولا تُذخّر إلا فرادى.

كما أن حديث كبير المفاوضين في الهيئة، محمد صبرا، عن فضح المستور في كلام دي ميستورا، وأنه غير محايد، وأنه يأتمر بأمر روسيا، وأن كلامه هذا قديم في الغرف المغلقة، مجرد رد فعل لفظي ينتظر السوريون أن تتم ترجمته إلى فعل في “الرياض2”، حين يتم التأكيد على ما اتفق عليه عموم السوريين في عام 2011 بصرختهم المدنية “الشعب يريد إسقاط النظام”، كبداية لاستعادة الكرامة التي كان النظام الأسدي رهنها لديه “إلى الأبد”.

الآن، يمكن ملاحظة أن النظام الأسدي وداعش يسبحان في المياه نفسها، وكل ما يُقال عن تقدم قوات النظام والميليشيات التابعة له وتوسيع المساحات التي تسيطر عليها شرقا يتم في الأراضي التي كانت تحت نفوذ داعش في البادية، بينما تنتظر تلك القوات جنوب الفرات مما يلي الرقة إعلان “قوات سوريا الديموقراطية” سيطرتها على المدينة.

وهنا لا يمكن إلا التكهن حول مستقبل الرقة، على اعتبار أن لا مطامع واضحة للأكراد فيها، بينما لا يبدو أن الدعم كافٍ للمجلس المحلي الذي شكلته قسد قبل شهور كي يسيطر على المدينة. هذا يتيح الحديث عن احتمال أن يتم تسليمها للنظام بمعركة شكلية، أو بعد صدام حقيقي بين قسد والنظام.

أما التقدم الذي يحققه النظام في جنوب وشرق ديرالزور، على بعد عشرة كيلومترات من المدينة هذه الأيام، فيمكن وضعه في إطار الصفقة بين داعش و“حزب الله”، خاصة أن 113 من بين أكثر من 300 عنصر من تنظيم الدولة الإسلامية أعلنوا انضمامهم إلى قوات النظام الأسدي، كـ”ميليشيات نائمة”، بعد تيه قافلة الباصات المكيفة التي عجزت عن الوصول إلى ديرالزور بشكل مريح وعلني، في دليل لا يقبل الجدل على العلاقة المحيرة بين النظام وإيران من جهة، وداعش من جهة أخرى.

ولا يعني تحول فلول تنظيم داعش هذه الأيام إلى “ميليشيات نائمة”، كونها ستقف على الحياد في قتال مفترض بين قوات النظام الأسدي وداعش في ديرالزور، أن هذه “النائمة” ستتوقف عن قتال فصائل الجيش الحر قليلة العدد والعدة. وما لم تنفذ هذه الفصائل تمنيات دي ميستورا وتعلن استسلامها للنظام، فـ”مناطق تخفيف التوتر”، الأربع، أو الخمس، أو الست، ستنفجر عاجلا، إن لم يكن بصدام صريح بين الجيش الحر وقوات النظام، فإن داعش سيسعده القيام بذلك، ربما انطلاقا من قرى شرق مدينة السلمية، أو من درعا في المناطق المتاخمة للجولان السوري المحتل.

المصدر: العرب

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

غازي دحمان يكتب: حينما اشترى العرب منظومة كذب

غازي دحمان استدعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مستشاره للشؤون العربية على عجل، ...