الرئيسية / مقالات / علي العائد يكتب: أمريكا “تخفض التوتر” مع نظام الأسد

علي العائد يكتب: أمريكا “تخفض التوتر” مع نظام الأسد

الرابط المختصر:

علي العائد

يمكن إطلاق اسم “عام مناطق خفض التوتر” على السنة السورية الجارية، ففيها انتهت مرحلة التخمينات حول وجود إرادة دولية لإجهاض الثورة السورية، وبدأت الحقائق تتكشف عن عمل أمريكي – روسي مشترك كانت الوقائع تلمح إليه منذ منتصف 2012، دون تأكيدات رسمية على ذلك حتى بعد التدخل الروسي المباشر في نهاية سبتمبر (أيلول) 2015.

و”مناطق خفض التوتر” هي كلمة حق يُراد بها باطل، لكنها كذبة، على الرغم من تخفيفها التوتر. والكذب فيها أن أمريكا ضالعة فيها، حتى لو كانت روسيا هي من ابتدعتها وفرضت تطبيقها على الجيش السوري الحر، وعلى الائتلاف، وعلى الهيئة العليا للتفاوض.

وهي كذبة لأن أمريكا وحلفاءها في المنطقة العربية قطعوا الدعم المادي والتسليح عن الفصائل، فاضطرت هذه للاستسلام للأمر الواقع، دون أن ترفع الراية البيضاء أمام النظام فعلياً، ربما على أمل أن تتغير الوقائع، كون أمريكا، كبيرة أصدقاء سوريا، لم تعلن بوضوح تخليها عن المعارضة المسلحة، ولم تضغط عليها حتى اليوم للقبول بتعويم النظام الأسدي واستمراره في حكم سوريا إلى الأبد.

آخر ما ظهر من أصدقاء الشعب السوري تكليف غرفة “موك” (Military Operations Center) بتوجيه طلب آمر لانسحاب “كتائب الشهيد أحمد العبدو”، و”جيش أسود الشرقية” من بادية حمص إلى الأردن لـ”فترة مؤقتة” حتى لا تتعرض لهجوم كبير من قوات النظام الأسدي والميليشيات الإيرانية. حدث هذا في الأسبوع الماضي. وهذا ما أكده الطلب الأمريكي الفج بتسليم الطرفين المناطق التي يسيطر عليها الفصيلان في البادية إلى قوات النظام الأسدي والميليشيات التابعة له. وزاد في التأكيد غارات الطيران الروسي على هذه المواقع (الأحد) مستخدمة غاز الكلور، والفوسفور الأبيض، دون اعتراض أمريكي.

بدأ الخذلان الأمريكي الأوروبي لفصائل الجيش الحر متخفياً من وراء “غرفة موك”، الأردنية المقر، منذ عام 2013، التي لجمت فصائل الجيش الحر في درعا بالمال، ومن وراء “غرفة موم”، التركية المقر، التي لجمت الجيش الحر في الشمال بالوسيلة نفسها.

لم تطلب “غرفة موم” في تركيا الأمر نفسه من فصائل الشمال، لكن ثمة حديث عن “منطقة خفض توتر” سيعلن عنها قريباً وفقاً لمصادر روسية، من ضمن صفقة بين موسكو وأنقرة لتسلم الأخيرة “تل رفعت” شمال حلب من الأكراد، في مقابل تسهيل تركيا لإنشاء منطقة “خفض توتر” جديدة في إدلب.

أما كذبة محاربة داعش، وتقاسم مناطق النفوذ بين أمريكا وروسيا، والخلاف بينهما على ديرالزور، فالأيام الأخيرة بدأت تكشف عن حقيقة اتفاق أمريكي روسي تُمكِّن فيه روسيا النظام الأسدي من ديرالزور، في مقابل استفراد أمريكا بمحافظة الحسكة والريف الشمالي للرقة، إضافة إلى الريف الشرقي لحلب. وهي منطقة يملأها “حزب الاتحاد الديموقراطي” الكردي، و”وحدات حماية الشعب”، الذراع العسكرية للحزب الكردي السوري.

لا نعلم بعد غاية أمريكا من البقاء في الحسكة بعد تشتيت قوة داعش، وانتزاع المدن التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق منذ بدايات عام 2014، فمن غير المحتمل أن تكون غايتها التفرغ لحماية “حزب الاتحاد الديموقراطي”، و”رد المعروف” بعد التزامه الكبير ومساعدته التحالف على إبعاد داعش عن الحدود الدولية السورية – التركية.

وإذا كان التاريخ يكرر نفسه، ستخذل أمريكا الأكراد، وتتركهم لتركيا التي لن تسمح بإقامة أي كيان كردي على حدودها الجنوبية.

هنا، يبدو التوافق التركي الروسي أكثر إرضاء لتركيا، فمنذ بداية حملة “درع الفرات” حيَّدت روسيا نفسها، واستطاعت أنقرة إبعاد الأكراد شرق الفرات باستثناء سيطرتهم على عفرين ذات الأغلبية الكردية غرب الفرات. هذا يعني أن صفقة “منطقة خفض التوتر” في إدلب بين روسيا وتركيا قد تشمل “ملحقاً سرياً” يتضمن إطلاق يد تركيا ضد الأكراد لانتزاع عفرين من يد “وحدات حماية الشعب” الكردية. وهنا، لا يمكن توقع أن تدعم أمريكا الأكراد ضد حليفتها الأطلسية تركيا، بينما لا يمكن لوم روسيا من قبل الأكراد كونها ليست حليفة موثوقة كأمريكا.

إذاً، فحقيقة “موك” و”موم”، كواجهة لأمريكا وروسيا وتركيا ودول أوروبية وعربية، بدأت في التمهيد لآخر السباق نحو تعويم النظام الأسدي. وقبل أن تنتهي أمريكا من همِّ داعش، بدأت منذ أكثر من شهرين في التمهيد لفرض حل سياسي مع روسيا عندما أبلغت فصائل الجيش الحر أن الدعم المادي والعسكري سينقطع عنهم في نهاية العام الجاري.

أما أكبر الأسرار التي لا يزال العام الحالي يحتفظ بها فهو العلاقة الكاملة بين النظام الأسدي وداعش. وبعد قرائن على هذه العلاقة العضوية زرعت الشك فيه منذ قدومه من العراق إلى سوريا في صيف 2013، والمواجهات الموسمية بين النظام وحلفائه مع التنظيم، في مقابل الحرب الدائمة بين داعش وفصائل من الجيش الحر، أظهر الاتفاق بين حزب الله وداعش علاقة مؤكدة تحتاج فقط إلى عقد مؤتمر صحفي يحضره الصديقان اللذان نفذا استراتيجية النظام الأسدي بنجاح لا يُصدق.

حتى محاولة النظام السيطرة على ديرالزور وطرد داعش منها لا تنفي العلاقة الحميمة بين الطرفين، لأن قادة التنظيم وموجهي أهدافه وسياساته طبقة منفصلة عن جنوده ومتطوعيه ومجاهديه. يشير إلى ذلك أن داعش انسحب من عين العرب – كوباني، ثم تل أبيض، ثم منبج، ثم الموصل، وتلعفر، وقريباً من الرقة، ثم من ديرالزور، دون أن تحبس القوات المهاجمة القطط الشرسة في غرفة ضيقة، فأتاحت لداعش أن يتبخر منها بعد تدمير تلك المدن، دون قتلى، أو أسرى منه، على عادة ما يجري في المعارك والحروب!

وإذا كنا لا نعرف عن “الخليفة أبي بكر البغدادي” إلا صورته قبل ثلاثة أعوام، في خطابه الشهير على منبر جامع المنصور في الموصل، فمن المنطقي أن يختفي قادة الصف الثاني، أو الثالث، مثلما اختفى الجنود والبيادق، ليتم تعويم بشار الأسد بمباركة أمريكية لن تتأخر.

المصدر: 24

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

غازي دحمان يكتب: حينما اشترى العرب منظومة كذب

غازي دحمان استدعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مستشاره للشؤون العربية على عجل، ...