الرئيسية / آخر الأخبار / مروان العش يكتب: وداعاً عمر عزيز

مروان العش يكتب: وداعاً عمر عزيز

الرابط المختصر:

مروان العش

ابن مدينة دمشق التي كان عُمر عزيز يذكرها كثيراً كما يتذكر بوران، نشأ في بيت دمشقي في حي ساروجا الدمشقي العتيق ضمن دمشق العتيقة التاريخية، أخذ من طباعها وسلوكيات أهلها بالمحافظة على الجيرة واحترامها والإيثار والغيرة على الجار المحتاج  واحترام الناس ومراعاتهم، درس في مدارسها ثم توجه إلى فرنسا لإتمام دراسته العليا في الاقتصاد، وعمل في الخليج العربي فكسب خبرة ومالاً.

تابع عمر عزيز/أبو كمال مسيرة الحركة الوطنية السورية، وآمن بالديمقراطية والحرية سبيلا لبناء الوطن السوري، لذلك تواصل مع مفكرين ومتنورين وثوريين … بُهر لانطلاق الثورة السورية عام 2011 وكان قد تابع إرهاصاتها وما سبقها من ربيع عربي في تونس ومصر وليبيا … كَتب عمر عزيز في بداية الثورة: “الثورة بحد ذاتها حدث استثنائي، يبدل تاريخ المجتمعات كما تبدل فيه الذاتيات البشرية”، فترك عمله في الخليج العربي وتوجه إلى سوريا معقد آماله وقبلته نحو الحرية، حاملاً فكراً حراً، ومشروعاً وحلماً بالنصر القريب على الاستبداد والديكتاتورية.

قرأ الفكر والأدب الفرنسي وتجارب الشعب الفرنسي في الحرية، والثورة الفرنسية ومبادئها، وتجارب الشعب الفرنسي في الحرب العالمية الثانية والمقاومة الشعبية، ونظم المجالس المحلية لإدارة الحياة المدنية أثناء الحروب والثورات، فلمعت لديه فكرة إنشاء مجالس محلية ثورية لإدارة المناطق التي يتم إخراج النظام منها مستنكفاً عن تقديم الخدمات محارباً الشعب في لقمته ودوائه، ليقصف المدنيين بينما يصطفون بالطوابير على الأفران والتجمعات إمعاناً في حقده لزيادة عذاباتهم.

بذل عمر عزيز جهده ووقته للتواصل مع الشباب وأصحاب الخبرات من المدنيين المتضررين من النظام وممارساته العنفية في مناطق دمشق وريفها خلال 2011، ثمّ باشر مع ثلة من الشباب والناشطين  بإنشاء أول مجلس محلي في محيط دمشق وريفها في مناطق برزة والقابون ودوما وعرطوز، وكرر التجربة في عدة مناطق أخرى باذلاً  الجهد والوقت وماله الخاص لجمع كلمة الشباب الثوري وترسيخ وللالتزام بأخلاق ثورة الحرية والكرامة، لينشئ منهم هيكلاً هياكل ثورية تدير الخدمات في مناطقهم بروح الوطنية الجماعية، وحض أصدقائه ورفاقه على مساعدة العائلات المحتاجة والنازحة نهاية 2011  من مدينة حمص ومناطق أخرى, وتأمين الغذاء والدواء والسكن المناسب لها ريثما تنجلي الأمور.

جمع التبرعات من الأهل والمعارف والأصدقاء لتمويل نفقات هذه العائلات النازحة إلى دمشق ومحيطها، فلم يتوانوا وأرسل العديد منهم مساعدات وتبرعات مادية وعينية، من غذاء ودواء ومصاريف سكن وعلاج كمساهمة وطنية وإنسانية واجبة؛ فرح أبو كمال كثيرا بها وبالشباب المتحمس الذي عمل معه ضمن فريق الخدمات المحلية، لكن وفي 2012.، وفي غمار عمله ونشاطه الإنساني اعتقل عصر يوم شتوي.

اُعْتُقِل أبو كمال في مكان عام، ثم  داهم الأمن الأسدي بعدها منزله، وصادروا محتويات خاصة كثيرة من منزله، كحاسبه الشخصي وهاتفه الجوال وأوراقه وأمواله …  بدأ المحقق يقرأ خصوصياته ويسأله ويدقق ويخضعه للتعذيب لساعات طويلة، كي يعترف بمعلومات وأسماء ووقائع، ما عرف عنها وما لا يعرف كعادة المحققين، بينما أبو كمال كان مصدوماً لا يدرك ما يجري حوله، وهو الرجل الرقيق العذب ذو الروح المرهفة، وقد أصبح معتقلاً بين أيدي ذئاب بشرية، لا تعرف معنى الإنسانية … كان الاعتقال آخر ما خطر بباله، بل لم يفكر به للحظة كاحتمال وهو الناشط الإغاثي المدني الذي يساعد الناس لاستمرار حياتهم، وفي ظنه أنه يقوم بعمل مهم جدا، للحفاظ على كرامة وحياة الآخرين، من أبناء كل سوريا.

تحت وطأة التعذيب؛ اعترف عمر عزيز على أصدقائه ومن يساندهم بالعمل الإنساني، فأحضروا بعضهم  وهرب آخرون … ظلّ المحقق يعذب رفاقه أمامه ليعترفوا بما قدموه من مساعدات إنسانية لمواطنين سوريين مدنيين عزل، باعتبارها جريمة في نظر المحققين تحت مسمى مساعدة للإرهابيين وتأمين الطعام والدواء لعائلاتهم، بينما كان بو كمال يبكي متألماً لما لحق بزملائه من الألم والضرب المبرّح والتعذيب الوحشي وما لحق بهم من أذى جسدي ونفسي ومعاناة كبيرة.

لم يكن عمر عزيز يعرف شيئاً عن جو المعتقل والاعتقال، ولم يكن يدرك حجم الحقد وروح الثأر والحقد والتشفي الذي يحمله السجان تجاه المتهم بحلم الحرية، الموقوف لديه بتهم فورية جاهزة ومتنوعة … حُرم أبو كمال من الطعام والدواء الدائم الذي يتناوله، وجرد من ملابسه وبقي بسروال قصير بالكاد يستر عورته، ليعاوده  المحقق الكرة مرات ومرات متفنناً بتعذيبه وتعذيب أصدقائه أمامه ليؤذيه نفسياً كما يفعل جسدياً.

خلال مائة يومٍ تناقص وزن أبو كمال من 65 إلى 35 كغ لحظة تحويله من الفرع الأمني الذي اعتقله إلى القضاء العسكري ثم إلى السجن، ليتم استدعاؤه عاريا بسروال قصير في يوم صقيعي من شهر شباط 2013 … أبلغه السجان أنه محال لتنفيذ حكم الإعدام فيه, تماسك الرجل وصمد … ربطه السجان بالكلبشة مع زميلٍ له في الاعتقال، وسلموهم الأمانات التي كانت معهم لحظة الاعتقال … تم صف المعتقلين رتلاً، وخرج الرتل من القبو المعتم والزنزانة الانفرادية والجميع معصوب العينين وبينهم أبو كمل صاعداً الدرج، تابع طريقه نحو المدخل، تسلل الضوء إلى عينيه من تحت العصابة بعد طول عتمة وظلام، ولسعت جسده ريح غربية باردة وبقايا ثلج على أرض ساحة مدخل الفرع الأمني … أمر السجان الجميع بالانبطاح أرضا كوداع أخير للمكان ومتابعة إذلال لهذا الرجل الستيني بمظهره المريض وتثاقل حركته مع رفيق اعتقاله … نفذا رغبة السجان الحاقد بالتمدد على الثلج عراة في صقيع شباط المثلج … ساعة مرت كأنها سنة من الألم على درب الآلام نحو معتقل جديد، وحضرت حافلة صغيرة بيضاء, صرخ السجان على الرتل للصعود للحافلة الصغيرة، وبدأ الضرب والدفع دون أن يعرف أحد من أين يأتيه الضرب …أخيرا صعد الجميع إلى الحافلة … اثنى عشر رجلاً محشورين في نهاية الحافلة معصوبي الأعين منهكي القوى يرتجفون برداً، وتحركت الحافلة وسط جو من الضجيج بينما رفع السائق صوت مسجل الحافلة بأغنية لعلي الديك يصرخ فيها ويزعق، إضافة لأصوات السجانين المسلحين المرافقين الذين يحملون على أكمام بزاتهم شعار ” مكافحة الإرهاب “!!! … تقدم رقيب منهم وطلب فحص “أماناتهم” (أغراضهم  الشخصية)  التي استلموها من الفرع الأمني عند ترحيلهم … أفرغ السجان الأمانات المتبقية في جيوبه، سرق من كل معتقل ما تبقى معه من مال وبعض الهويات والموبايلات والساعات وكل ماله قيمة وأعاد كيس النايلون للمعتقل فارغاً أو ترك به مئات من الليرات “أخلاقاً” منه وهو يردد عبارة ” هي أجرة الطريق لكم”!!!.

وصلت الحافلة إلى فرع الشرطة العسكرية، رفعوا العصابات عن الأعين، فرأى أبو كمال وجه السجان للمرة الأولى وجهاً لوجه, “لقد أحالوكم للمحكمة !!!” … وبدأت قصة جديدة في سجن فرع الشرطة العسكرية لأيام مع سندويش الفلافل التي أتاحتها الليرات المتبقية  بعد سرقة الأمانات الشخصية … لأول مرة منذ ثلاثة أشهر ونصف يتذوق الفلافل، وبدون عصابات على الأعين، في مكان في القاع قذارة ونفايات، في مهاجع السجن المتخمة بأعداد هائلة؛ مئات وربما آلاف من البشر المتروكين منذ أشهر وسنوات، مُوْدَعِينَ بصفة “أمانات” لصالح الأفرع الأمنية والمحاكم الإرهاب بانتظار الترحيل إلى السجون والمعتقلات والمحاكم.

بعد ثلاثة أيام صرخ السجان على مجموعة أسماء، كان أبو كمال بينها … كدسوهم في “سيارة نقل اللحوم”، نقلوهم نحو سجن عدرا عبر طريق طويل، وصل أبو كمال سجن عدرا منهكاً مريضاً شبه عارٍ، لم يطل الأمر به أكثر من 24 ساعة أخرى في هذا السجن الأخير، لم يتحمل عقله وجسده العذابات والمشاهدات في المعتقل الأمني … لم يكن مهيأً له أصلاً، فُجِعَ بما رأى وشاهد وبما عانى، لم يصدق أن هناك وحوشاً في سوريا تنتقم من سوريين آخرين بسبب مطالبهم بالحرية … ففاضت روحه إلى السماء … غادر أبو كمال الدنيا حزيناً مصطحباً قيمه الإنسانية النبيلة، وحلمٌ بسوريا وطنٌ للحرية والإنسان، حلم لم يغادره بينما كانت روحه النبيلة تودع جسداً منهكاً لم يستطع تحمل كل هذا الظلم والقهر، حلمٌ بالحرية لسوريا كان اقوى من جسده … لقد قَتلَ الحلم بوطن حرٍ صاحبه … وداعاً ابو كمال.

المصدر: آفاق مشرقية

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

وفد الفصائل إلى “الأستانة 7”: عرقلة روسية إيرانية حالت دون تطبيق “خفض التصعيد” بإدلب

وكالات – مدار اليوم   كشف وفد الفصائل إلى “الأستانة 7” اليوم ...