الرئيسية / مقالات / وليد محمود عبد الناصر يكتب: عرب وأكراد: حديث في التاريخ والثقافة

وليد محمود عبد الناصر يكتب: عرب وأكراد: حديث في التاريخ والثقافة

ارشيف
الرابط المختصر:

وليد محمود عبد الناصر

أثار موضوع تنظيم الاستفتاء في صفوف أكراد العراق على الاستقلال عن الدولة العراقية، الكثير من ردود الأفعال، التي تباينت، بل وتناقضت، وفق انتماء كل صاحب رد فعل وتوجهه الفكري. لكنه أثار أيضاً، وربما هذا هو الأهم على المدى البعيد والأكثر عمقاً وتأثيراً في الوقت ذاته، تساؤلات في شأن طبيعة العلاقة بين الأكراد والعرب، والدور الذي لعبه الموطنون الأكراد في مجتمعات دول عربية كثيرة، خصوصاً العراق وسورية. بدايةً، فإن الأكراد ليسوا فقط مواطنين في بلدان عربية، مثل سورية والعراق، وبأعداد أقل في دول عربية أخرى مثل لبنان وكذلك مواطنين من أصول كردية مثل الحالة المصرية، لكنهم أيضاً مواطنون في دول غير عربية، عاش منهم كثيرون كمواطنين في الاتحاد السوفياتي السابق، ثم تفرعوا بعد انهياره في الدول التي ورثته، وفي مقدمها روسيا، كما أنهم مواطنون في تركيا وإيران. المسألة الكردية إذاً، وهو تعبير نشأ مع الحرب العالمية الأولى وما تلاها، خصوصاً معاهدة سيفر، ليست مقصورة في نطاقها على العلاقات بين العرب والأكراد، بل تشمل العلاقات بين الأكراد وقوميات وجماعات عرقية ولغوية وثقافية أخرى.

أما إذا ركزنا هنا على حالة العلاقات بين العرب والأكراد، فنجد أنه من المنظور التاريخي كان الأكراد من القوميات التي جاورت العرب جغرافياً لقرون عدة قبل ظهور الدعوة الإسلامية، كما أنهم كانوا من القوميات التي دخلت الدين الإسلامي على مدار تاريخه، مثلهم في ذلك مثل قوميات أخرى، بحيث أصبحت الغالبية العظمى من الأكراد المقيمين على أراضي الدولة الإسلامية ممن تحولوا إلى الدين الجديد فانصهروا من الناحية العقائدية في الإسلام، كذلك بقي في صفوفهم من اعتنق ديانات أخرى، بخاصة المسيحية، وعندما حدث في مرحلة لاحقة الانقسام السني – الشيعي، حدث انقسام مماثل في صفوف الأكراد، وكان على النمط نفسه الذي حدث في صفوف العرب، أي أصبح السنّة هم الغالبية من المسلمين الأكراد وصار الشيعة هم الأقلية في صفوفهم. وحارب الأكراد المسلمون في صفوف جيوش الدول الإسلامية المتعاقبة أو المتصارعة في ما بينها، وبرزت منهم شخصيات في المجالات المختلفة، كان من أهمهم بالتأكيد وأكثرهم شهرة من الناحية التاريخية في مجالي الحرب والسياسة صلاح الدين الأيوبي الذي أنشأ الدولة الأيوبية التي حكمت مصر والشام لسنوات طويلة، كما أنه الذي ألحق الهزائم بالإمارات الصليبية التي تأسست في أعقاب عدد من الحملات الصليبية المتتالية التي شنتها أوروبا آنذاك على العالم الإسلامي، وتحديداً على قلبه في مصر والشام، بما في ذلك في أرض فلسطين.

وخلال تلك الحقبة التاريخية، كان هناك دعم في بعض الفترات من جانب الاتحاد السوفياتي السابق، لمطالب الأكراد في الدول الموالية للغرب أو المتحالفة معه ومحاولة مساعدتهم في تحقيق حلمهم التاريخي، وكانت أهم المحاولات في هذا السياق، الدعم السوفياتي إقامة دولة كردية في مناطق ذات غالبية كردية في إيران، وذلك خلال الحرب العالمية الثانية وكانت عاصمتها في “مهاباد”، وإن رفع الاتحاد السوفياتي الدعم عنها لاحقاً في إطار صفقة مع الغرب ومع الحكم الشاهنشاهي في إيران مع نهايات الحرب العالمية الثانية. ولاحقاً، وفي سياق الحرب الباردة، كان هناك الدعم السوفياتي حزبَ العمال الكردستاني، ذا التوجهات اليسارية، في المناطق ذات الغالبية الكردية في تركيا حليفة الغرب. وعلى الجانب الآخر، دعم الغرب تطلعات وتحركات كردية في البلدان التي كانت جزءاً من المعسكر السوفياتي أو متحالفة معه، وكان المثل الأبرز في هذا السياق في زمن الحرب الباردة أيضاً هو العراق في ظل الأنظمة التي حكمته بعد ثورة – انقلاب 14 تموز (يوليو) 1958 ورفعت رايات تقدمية وارتبطت بعلاقات وثيقة مع الاتحاد السوفياتي السابق.

ومن ثم، فإنه من الناحية التاريخية، وفي ضوء العرض والتحليل السابقين، نجد أن التعارض بين المصالح القومية العربية وتلك الكردية كان وليد القرن العشرين فقط من دون أي جذور تاريخية سابقة على ذلك، ولاعتبارات سياسية وليست ثقافية، بل إنه حتى في القرن العشرين، وتحديداً في عقد الستينات منه، اعتبر الزعيم القومي العربي جمال عبدالناصر أن للأكراد حقوقاً لغوية وثقافية يتعين أن يتمتعوا بها في البلدان العربية التي هم مواطنون بها، وذلك خلال لقاء جمعه آنذاك بالزعيم الكردي العراقي جلال الدين الطالباني الذي تزعم الاتحاد الوطني الكردستاني في العراق لعقود وترأس الجمهورية العراقية لسنوات في أعقاب إطاحة نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

تقودنا هذه النقطة الأخيرة إلى تناول دور الأكراد في الدول العربية والإسلامية على المستوى الحضاري، حيث كانت لكثير من الأكراد مساهمات جادة ومهمة في مسيرة تبلور وتطور الحضارة الإسلامية، مثلهم مثل بقية الشعوب التي دخلت تحت مظلة الخلافة الإسلامية، سواء من المسلمين أو من غير المسلمين، وذلك على مدار مراحل تلك الحضارة المختلفة وفي مجالاتها المختلفة. ويصدق هذا القول على نطاق عريض من الموضوعات التي تتراوح ما بين العلوم الطبيعية والطبية والرياضية والهندسية وغيرها، إضافة إلى ميادين الثقافة والآداب والفنون المختلفة، واستمر هذا الدور الفعال والخصب في العطاء الحضاري في ما بعد في الدول التي أصبح الأكراد مواطنين فيها بعد تشكل الدولة الحديثة في هذه البلدان.

فقد اندمج الكثير من الأكراد في ميادين الحياة العامة المختلفة في البلدان التي أصبحوا مواطنين فيها، واحتل بعضهم مناصب رفيعة في تلك البلدان، سواء في المجالات التنفيذية أو التشريعية أو القضائية، إضافة إلى ريادتهم في عدد من المجالات الثقافية والفنية والرياضية المهمة. فكان من المفارقات على سبيل المثل أن أحمد بك شوقي الملقب في مصر والوطن العربي بـ “أمير الشعراء” كان في الأصل كردياً وهو من امتلك ناصية اللغة والثقافة العربية، وعلى رغم ما أفسدته السياسة وحساباتها وتقديراتها ومعادلاتها في العلاقات بين العرب والأكراد منذ أكثر من قرن، فإن اندماج مواطنين أكراد في مجتمعات البلدان العربية التي أصبحوا مواطنين فيها، لم يتوقف على الإطلاق، وكذلك لم تتوقف مساهماتهم في العطاء الحضاري، على تنوعه في تلك البلدان.

ومن الصحيح، أنه يتعين علينا ألا نتجاهل أن تداعيات الحرب بين المتمردين الأكراد في العراق بقيادة الملا مصطفى البارزاني والسلطة المركزية العراقية، وعلى رغم اتفاق الحكم الذاتي بين الحكومة العراقية والأكراد عام 1972، ثم إقامة المنطقة الآمنة في شمال العراق في أعقاب الغزو العراقي للكويت في آب (أغسطس) 1990، بدءاً بحظر الطيران ثم حظر دخول القوات العراقية البرية إليها، وتعزز ذلك في أعقاب غزو العراق عام 2003، أوجد واقعاً جديداً على الأرض حقق التواصل بين المناطق الكردية في العراق ومنح الفرصة لتطوير نوعي للشعور بالهوية الكردية لدى غالبية أكراد العراق، بما شمل اللغة والتعليم والثقافة والسياسة والاقتصاد والأمن، ومن الصحيح أيضاً أن تداعيات انتفاضات ما اتفق على تسميته “الربيع العربي” في مطلع عام 2011، أدت إلى تعزيز غير مسبوق للهوية القومية لأكراد سورية، ولكن، وعلى رغم كل ذلك تبقى حقيقة أن الأكراد في كل دولة يعيشون كمواطنين فيها بينهم مشتركات مع بقية مواطني تلك البلدان، ومع الإقرار بوجود نقاط اختلاف أيضاً، بالمقدار ذاته الذي توجد نقاط اختلاف بينهم وبين أكراد مواطنين في دول أخرى كما توجد في ما بينهم مشتركات. ولكن ما يجمعهم مع أكراد مواطنين في دول أخرى وأيضاً مع مواطنين في بلدانهم من غير الأكراد ويمثل قاسماً مشتركاً بين الجميع ليس هو السياسة ومطالبها وتطلعاتها، بل السياق التاريخي والمشترك الثقافي والحضاري.

المصدر: الحياة

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

غازي دحمان يكتب: حينما اشترى العرب منظومة كذب

غازي دحمان استدعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مستشاره للشؤون العربية على عجل، ...