الرئيسية / آخر الأخبار / الزراعة: سلة الغذاء السورية من التراجع إلى الكارثة

الزراعة: سلة الغذاء السورية من التراجع إلى الكارثة

الرابط المختصر:

وجيه حداد

تهدف هذه الدراسة إلى تبيان الواقع الزراعي والثروة الحيوانية، بوصف هذين القطاعين يمثّلان مصدر العمل الرئيس لخُمس المجتمع السوري، ويمثّلان رافدًا مهمًا من مصادر الدخل الأساس في الناتج المحلي السنوي، عدا عن انعكاسات تراجعهما على الأمن الغذائي العام، في بلد يلامس حدود المجاعة، ولا تسمح فيه مستويات الدخل باستيراد المنتجات الزراعية لسد حاجته الأساسية.

وتلقي الدراسة الضوء على هذين القطاعين، وعلى الخراب الكبير الذي أصابهما نتيجة الحرب، وبخاصة أن الريف كان الساحة الأكبر للمعارك، بما يستتبع ذلك من دمار وحصار وغياب تسويق الفائض في تلك المناطق، استكمالًا لسياسة (الجوع أو الركوع) التي اتبعها النظام، وكذلك غياب تسويق منتجات المناطق غير المحاصرة بسبب تعذر النقل الداخلي من جهة، وبسبب المقاطعات الخارجية والعقوبات الاقتصادية من جهة أخرى. وترصد الدراسة مدى تأثيرات ذلك في القطاعين المذكورين، وفي شرائح واسعة تعمل فيهما، وترصد أيضًا تأثيرات هذا الواقع في ارتفاع أسعار المنتجات الغذائية عمومًا.

ورأت الدراسة في نهايتها ضرورة إيلاء هذين القطاعين مزيدًا من الاهتمام مع انخفاض حدة المعارك، من خلال التركيز على الحاجات الأساس للنهوض بهما.

وخلصت إلى جملة توصيات تتعلق بتشجيع العمل الزراعي (النباتي والحيواني) ومساعدة الفئات المستهدفة؛ الفلاحين أصحاب الملكيات الصغيرة والمتوسطة، والشباب العاطلين عن العمل في الريف، والأسر الفقيرة والأسر التي فقدت معيلها، في الوصول إلى مصادر التمويل الممكنة في كل منطقة، بما فيها توجيه جزء من العمل الخيري ليكون مصدر تمويل ممكن، للعودة إلى العمل الزراعي أو المشروعات المرتبطة به، وإلى محاولة خلق أشكال تعاون حقيقية بين مجموعات تتقاطع مصالحها، ومحاولة تطوير هذه الأشكال المستقلة بما يؤمّن سبل العيش أساسًا، ومحاولة الارتقاء بالمجتمع المدني من جهة أخرى.

مقدمة

تعدّ سورية بلدًا زراعيًا وفق المقاييس الاقتصادية الحقيقية إذ “شكلت الزراعة فيها 17،6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام2010 ويعمل حوالى 15 في المئة من مجموع قوة العمل أي قرابة 800 ألف عامل في الزراعة”.  وتبلغ قيمة الصادرات الزراعية نحو 30 في المئة من قيمة الصادرات الإجمالية لسورية، وتعدّ مساهمة الزراعة في الناتج المحلي كبيرة نسبيًا إذا أخذنا في الحسبان طبيعة الاقتصاد السوري القائم على الريع النفطي والريع الاستراتيجي والسياسي تاريخيًا (الاستفادة من الموقع الجيوسياسي للحصول على المساعدات والهبات) من جهة، وطبيعة السياسات المتبعة في العلاقة مع الطبقات الاجتماعية (تقديم خدمات الرعاية الاجتماعية من تعليم وصحة ودعم للسلع الغذائية الأساسية والطاقة مقابل الولاء السياسي ورواتب تكفي بالكاد الحد الأدنى من المعيشة) من جهة ثانية .

لم تكن الإنتاجية والجودة والتنافس الإيجابي العامل الحاسم في العملية الاقتصادية، بقدر ما كان الولاء السياسي. في هذه البنية الخاصة التي تقود فيها السياسة الاقتصاد، أقِرَّ (اقتصاد السوق الاجتماعي) في عام 2005، إذ توجًه الاستثمار نحو (القطاعات الخدمية ذات الربحية العالية والسريعة) العقارات، الفنادق والمطاعم السياحية، النقل والمصارف.. إلخ، عوضًا عن دعم القطاعات المنتجة، ومنها القطاع الزراعي،‏ وهكذا تزايد الضغط على الأراضي المزروعة، وتزايد حجم الأسر الريفية الحائزة على المساحات ذاتها، ما يعني تأكل نصيب الفرد منها، وكذلك ازدياد عدد الأسر الريفية غير الحائزة على الأراضي بفعل النمو السكاني، التي لا تملك عملًا ثابتًا، ونمت تدريجيًا طبقة العمال الزراعيين غير الحائزين على الأراضي الذين وقعوا فريسة البطالة والفقر الشديدين ، مع حصول تناقض بنيوي يتعلق بانخفاض المردود الزراعي وارتفاع أسعار الأرض بوصفها ملكية عقارية لا وسيلة إنتاج.

أولًا: واقع العمل الزراعي قبل عام 2011 ومعوقاته

تتمتع سورية طبيعيًّا بمناخ متوسطي متنوع، وحد مقبول من مصادر المياه الجارية، والمخزنة، والجوفية، وكمية متوسطة أو معتدلة من الأمطار، وأراض ذات خصوبة جيدة، ما يجعلها قابلة لكثير من الزراعات الموسمية والمثمرة.

بلغت المساحات القابلة للزراعة في سورية 6045 ألف هكتار  لعام 2010، وهي تعادل 60450 كم2 أي ما يعادل ثلث مساحة سورية تتوزع بالصورة الآتية:

3453 ألف هكتار أراض بعلية، 18 في المئة من سورية.

1341 ألف هكتار أراض مسقية، 7 في المئة من أراضي سورية.

903 + 348 ألف هكتار على التوالي، أراض سبات وغير مستثمرة، نحو 7 في المئة من سورية.

تشير دراسة أرقام الأراضي المستثمرة زراعيًا بين عامي 2000 و2010، إلى ثبات نسبي في مساحاتها، مع نمو طفيف فيها أو حتى تراجع في بعض الأعوام، ويبين الجدول المساحات المستثمرة، (الوحدة ألف هكتار).

 20002001200220032004200520062007200820092010
سقي12101267133313611439142614021396135512381341
بعل33363282325833003290344733413323325531013453

المصدر: المجموعات الإحصائية، الإحصاء المركزي للأعوام (من 2003-2010) .

نلاحظ من الجدول السابق ارتفاعًا طفيفًا في المساحات المروية، وهو ما يعني غياب المشروعات المائية والسدود لتوسيع تلك المساحات، ويؤشر ثبات المناطق البعلية إلى غياب التوجه العام إلى تشجيع الأراضي القابلة للزراعة واستثمارها على الرغم من وجودها. وعلى الرغم من معدلات البطالة العالية بين الشباب، وازدياد النمو السكاني بمعدل الضعف كل (13/15) سنة في سورية؛ غير أن أكثر ما يلفت الانتباه هو الانخفاض الحاد لإحصاءات العاملين في حقل الزراعة في تلك الأعوام، إذ يتناقص الرقم من نسبة العاملين في الزراعة من 30 في المئة من مجموع القوى العاملة في سورية 2002، ويظهر الانخفاض الحاد منذ العام (2003، 26 في المئة)، (2004، 17 في المئة)، ليصل 2010 إلى حوالى 6 في المئة .

ولا يعود الانخفاض في الواقع إلى التقدم التكنولوجي واستخدام المكننة بدلًا من الإنسان، وإنما إلى تهميش القطاع الزراعي، وانخفاض مردوداته، مع ملاحظة أن العمل الزراعي يعتمد على العائلة كلها، ما يجعل الأرقام الإحصائية في هذا المجال غير حاسمة حسمًا مطلقًا، فحتى كثير من أصحاب الحيازات من الذين لم يعودوا مصنفين ضمن القوى العاملة في الزراعة، ما زالوا يزاولونها مزاولة ثانوية، غير أن ذلك يؤشر على تراجع الزراعة وغياب قدرتها على تشكيل مصدر وحيد للدخل لنسب عالية من الفلاحين السوريين.

وتنقسم الزراعة في سورية إلى نوعين رئيسين: المحصولات السنوية، وهي الأكثر عرضة للتأثر بنقص اليد العاملة، والأوضاع البيئية، والتسويقية والبيروقراطية، ويشكل القطن والقمح والشوندر السكري، والتبغ، والبقول أهم المحصولات السنوية.

في ما الأشجار المثمرة هي الأقل تأثرًا في المديين القريب والمتوسط من نقص اليد العاملة، وسواها من العوامل الأخرى، ويتربع الزيتون والعنب والحمضيات والتفاح والكرز والمشمش والفستق الحلبي بوصفها أعلى سلسلة للثماريات واٍسعة الانتشار في سورية.

بدلالة المؤشرات الزراعية السورية قبل 2011 يمكن تلمس كثير من الحقائق التي توضح أن الواقع الزراعي السوري بما هو عليه سابقًا، كان يسير نحو الانحدار، فاليد العاملة الزراعية تقلصت تقلصًا كبيرًا، والمساحات المزروعة لم تتغير، والأهم هو الانخفاض الكبير في كمية المحصولات للمساحات المزروعة نفسها، ويظهر هذا جليا في مؤشرات عامي 2006 و2010، وحُمّل الجفاف المسؤولية الكاملة، في ما الحقيقة أن الجفاف لا يتحمل سوى جزء يسير، في ما القسط الأكبر يعود إلى:

1- طبيعة السياسات المتبعة وشكلها والتوجه الاقتصادي العام، أسهما في تراجع الزراعة (تقليص دعم الزراعة، رفع سعر المشتقات النفطية، تحميل الطبقات الشعبية فاتورة اقتصاد السوق الاجتماعي) ما أجبر أعدادًا كبيرة من سكان الريف على ترك العمل الزراعي والهجرة باتجاه ضواحي المدن الكبرى.

2- أسهمت تجزئة الملكية بحسب قوانين الإرث السورية. في تفتت الملكية وجعل الحيازات صغيرة وغير مجدية للزراعة في كثير من المناطق، فعدد الحيازات في سورية وصلت حتى عام 2004 إلى 660371 حيازة بمتوسط 81 دونمًا للحيازة الواحدة. ولا يعطي المتوسط الحسابي للحيازات مؤشرًا صحيحًا فالملكيات الكبيرة تتمركز في الجزيرة السورية، في ما باقي المحافظات لا تتعدى فيها الملكيات أرقامًا صغيرة من الدونمات.

3- شكلت طبيعة علاقة المؤسسات البيرقراطية بالفلاحين من حيث الحصول على البذور والأسمدة والأدوية الزراعية إضافة إلى آليات استلام المحصولات وتصنيفها؛ عائقًا آخر من عوائق العمل الزراعي.

وعلى الرغم من هذه الأوضاع المجحفة بحق هذا القطاع الإنتاجي إلا أنه في العموم، بقي عند عتبة الفائض التصديري، ولم يتراجع إلى عتبة الحاجة الاستيرادية إلا في جانبه التقني من مثل البذار والأسمدة، وبعض الأصناف الموسمية المبكرة من الخضار والفواكه.

ثانيًا: واقع الثروة الحيوانية قبل عام 2011

1- أهمية الثروة الحيوانية

تمثل الثروة الحيوانية في القطاع الزراعي الجانب الأسرع نموًا، وتعد جزءًا أساسًا من شبكة الأمان الغذائي والاقتصادي للفلاحين ومربيّ المواشي في سورية، وكذلك لعدد لا يستهان به من الأطباء البيطرين والفنيين والصيدليات الزراعية ومعامل الأجبان والألبان الصغيرة وموزعي المنتجات الحيوانية واللحوم وموزعي الأعلاف. فعدا عن أنها تمثّل فرصة عمل للفئات المذكورة أو عملًا مساعدًا، فهي تمدّ المجتمع باللحوم ومنتجات الحليب والبيض، والجلود والأسمدة الطبيعية، وتضمن استقرار الأسعار وملاءمتها للمربي والمجتمع. ويرتبط بها كثير من الصناعات والعمال الموسميين. علاوة على ذلك فهي بحسب ما يقول أحد خبراء الإنتاج الحيواني «توفر مزيدًا من الاستقرار الاقتصادي للمزرعة وللأسرة الريفية، وتعمل صمام أمان نقدي (الحيوانات الصغيرة)، واحتياطي رأس المال (الحيوانات الكبيرة)، وكذلك رادع ضد التضخم. وفي النظم المختلطة «الزراعية والثروة الحيوانية» تساهم في الحد من الخطر المرتبطة بإنتاج المحصولات النباتية، ثم إنها تمثل الموجودات النقدية القابلة للتسييل التي يمكن أن تتحقق في أي وقت، إضافة إلى مزيد من الاستقرار في نظام الإنتاج» .

يمثل الإنتاج الحيواني عالميًا 40 في المئة من القطاع الزراعي، وبلغت قيمة الإنتاج الحيواني بالمتوسط حوالى 37 في المئة من قيمة الإنتاج الزراعي في سورية في مرحلة ما قبل الثورة، وقد قدرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) قيمة الثروة الحيوانية في سورية لعام 2012 بحوالى 3.17 مليار دولار أميركي.

2- تربية الحيوانات والقطاع الزراعي

يلجأ الفلاحون والعاملون في الزراعة تقليديًا إلى تنويع سبل عيشهم وتحسينها إلى تربية الحيوانات، علاوة على مربي القطعان، إذ بلغت أعداد الثروة الحيوانية في سورية لعام 2011 وفق إحصاء 2010 وتعديلاته «الناتجة عن اعتراضات بعض المربين على عدم إحصاء حيازاتهم في الجولة الإحصائية الشاملة»، مضافًا إليها نسبة نمو سنوي 8.8 للقطيع؛ 18 مليون رأس غنم و2.2 مليون رأس من الماعز الشامي والجبلي و1.1 مليون رأس أبقار و114 ألف رأس حيوانات خيلية و7500 رأس من الجواميس و54 ألف رأس من الجمال و 25 مليون طير من الدواجن في ما بلغت خلايا النحل 637 ألف خلية حديثة وقديمة([10]).

وبمقارنة العام 2010 مع العام 2000 (في الجدول) نجد أن التطور في تربية الحيوانات الحلوب تتصف بتطور متواضع في الأبقار والأغنام لا يتماشى مع نسب النمو العام، في حين يلحظ بوضوح تضاعف بنسبة 100 في المئة في تربية الماعز، وهو ما ينسجم مع التوجه العام للفلاحين باقتناء حيوانات حلوب ذات كلفة وجهد بسيطين، فللماعز الأرجحية على الأبقار التي تحتاج إلى جهد أكبر، وعلى الأغنام ذات المردود الأقل إنتاجيًا. الوحدة الرقمية (1000 رأس).

 200020022004200620082010
أبقار894867102493711091010
أغنام135051349717656213801923715511
ماعز10509321131142015792057

المصدر: المجموعات الإحصائية، الإحصاء المركزي للأعوام (من 1998، إلى 2011)

ولعل مؤشر إنتاج الحليب البقري بين عامي 2006، و2010 يعطي دلالة بالغة الأهمية عن تراجع القطاع الحيواني، فعلى الرغم من ازدياد عدد القطيع البقري إلا أن إنتاج الحليب تراجع بمقدار 25 في المئة من 1915 ألف طن إلى 1453 ألف طن خلال السنوات المذكورة.

3- المداجن في سورية

تعد تربية الفروج في المداجن جزءا مهمًا من الثروة الحيوانية لأهميته الاستهلاكية، لرخصه مقارنة باللحم الأحمر، ما يعد مصدرًا أساسًا للبروتين الحيواني، ويتراوح متوسط الإنتاج السنوي من طير الفروج (بين 20-30 مليون) بمعدل 25 مليون سنويًا ، ويبدو هذا المتوسط شبه ثابت منذ عام 2003، وثلثا هذا الرقم تقريبًا، من النوع المعد للبيض، وإذا افترضنا أنه سيذبح كله في النهاية، فإن مستوى الإنتاج يبدو متواضعًا، ووفق هذا الرقم لا يتجاوز نصيب الفرد السوري منه سنويًا ما يزيد على طير واحد إلا قليلًا.

وكان قطاع الدواجن قد شهد تقلبات كبيرة بفرعيه البياض والمعد للأكل، وذلك بسبب خسارات المربين الكبيرة في هذا القطاع نتيجة هشاشة الفروج، والمدّة الثابتة لتربيته، وغياب إمكان التأخر في تصريفه لما يترتب على ذلك من خسارات، وينطبق الأمر على البيض بصورة أقل الذي استفاد من فتح الطريق البري إلى العراق، ويبلغ عدد مداجن الفروج المرخصة وغير المرخصة حوالى 10 آلاف مدجنة، ويصعب حصرها حصرًا دقيقًا، ثم إنها لا تعمل جميعها عملًا متواترًا ولا بأرقام منتظمة، وإنما يخضع عملها للمواسم والتقلبات السعرية.

في ما يوجد البط والإوز والديك الرومي بأعداد متواضعة، ومعظمها ضمن تربية منزلية عند الفلاحين.

4- المناحل وتربية دودة القز

تضاعف عدد المناحل في سورية تضاعفًا معقولًا نسبة إلى السابق، فقد وصل في عام 2010 إلى 631 ألف خلية بعد أن كان 345 ألف خلية في عام 2000،  وتمثّل المناحل موردًا مساعدًا لكثير من الفلاحين، وتعد أيضًا مصدر رزق أساس لكثير من المربين المختصين، في ما تكاد تربية الحرير تنقرض في سورية، بعد أن كانت سورية بلدًا مهمًا في إنتاج الحرير حتى نهايات القرن الماضي.

5- الصيد البحري والثروة السمكية

على الرغم من وجود شاطئ طويل في سورية يمتد أكثر من 180 كم، مطل على شرق المتوسط، فإن الصيد البحري في سورية يكاد يكون معدومًا، حيث لا يتجاوز مجموع الصيد البحري سنويًّا حوالى 3 آلاف طن وفق أرقام وزارة الزراعة للأعوام (2006-2010).

وإذا أضفنا إليه أرقام الصيد النهري والمزارع السمكية البالغة حوالى 10 آلاف طن للعام نفسه، فإن نصيب الفرد السوري من الثروة السمكية أقل من كغ واحد سنويًا، ومهما قيل عن فقر البحر الأبيض بالأسماك، فإن الأرقام شبه المعدومة للثروة السمكية لا يسوّغها سوى أساليب الصيد البدائية، وغياب الاهتمام الحكومي بتطوير هذا القطاع.

وعمومًا، في ما عدا التصريف الأسهل للحيوانات ومنتجاتها محليًا، لا تختلف مشكلات الثروة الحيوانية في سورية عن قطاع الزراعة في ما يخص الأعلاف واللقاحات والأدوية البيطرية من نقص وارتفاع أسعار، إضافة إلى الجفاف وسياسات التصدير المعوّقة ما يحد من المنتوج الفائض كثيرًا.

ويمكن القول: إنه على الرغم من التراجع الواضح في قطاع الزراعة السوري إلا أن السلة الغذائية السورية بقيت متوفرة، واقتصر الأثر السلبي للتراجع على الجانب التصديري منه، وليس على الجانب الاستهلاكي إلا في الحدود السعرية الناجمة عن التضخم.

ثالثًا: الانهيار الكارثي للزراعة

لم يتأثر الواقع الزراعي السائد في عامي 2011- 2012 كثيرًا، إذ بقي قريبًا من معدلاته العامة، ولم يتجاوز سعر صرف الدولار الوسطي 90 ليرة سورية في نهاية عام 2012.

غير أن اتساع رقعة الحرب وشمولها وتصعيدها أفضى إلى تدمير مقومات الحياة كافة، وخصوصًا مع تعدد أطراف الصراع الذي خلق حروبًا طاحنة ومتنقلة، ومتبدلة مناطقيًا، تبادلت فيها الأطراف المناطق تبادلًا متكررًا، بحيث يدمر الطرف (المُحرِر) ما لم تدمره عشوائية الحرب، ليعود الطرف الآخر نفسه أو طرفًا ثالثًا ليدمر ما تبقى. وهكذا في دوامة تطحن البشر والحجر والشجر، لم يكن بالإمكان الاستقرار، وبخاصة للشباب ومعيلي الأسر الذين دُفعوا تحت هذا الوضع إلى الهجرة والنزوح أو إلى جبهات الحرب.

وعدا عن كون العمل الزراعي قد أصبح في كثير من الحالات محفوفًا بالخطر. فقد دمرت الحرب المستمرة في الأرياف وفي المناطق الزراعية إمكانات زراعة الأرض بتخريبها الأراضي الزراعية، وحولتها إلى ساحات معارك، وصعبت إمكان الحصول على البذور والأسمدة والأدوية الزراعية بسبب الدمار الذي أصاب مؤسسات الزراعة، أضف إلى ذلك نقص المشتقات النفطية أو توافرها بأسعار عالية، وتعرّض المحصولات في حالات كثيرة للحرق والتخريب، وغياب إمكان جنيها أو تسويقها، وفي بعض الحالات لم تستلم المؤسسات المعنية المحصولات (محصول القطن في الحسكة عام 2013)، وكان للحصار الذي مارسه النظام مع سياسة الأرض المحروقة الدور الأبرز في تخريب هذا القطاع، إضافة إلى تقطيع أوصال البلد، وانعدام إمكان النقل أو التصدير أو التسويق، هذه الأوضاع كلها جعلت النشاط الزراعي مستحيلًا أو ضربًا من المغامرة.

وتراجع إنتاج القمح من 4 مليون طن إلى 2.4 مليون طن (بحسب تقديرات الفاو 2013) ، ولم تثنِ التحذيرات والمناشدات كلها من خطر استمرار الحرب بعنف وضراوة أكبر، فتحولت سورية من دولة مصدرة للقمح إلى دولة مستوردة، إذ استمر تراجع إنتاج القمح، ولم تتجاوز المساحة المزروعة بالقمح 900 ألف هكتار مقارنة مع 1.5 مليون هكتار قبل الحرب. وسجل الإنتاج انخفاضًا حادًا إذ هبط من 3.4 مليون طن قبل الحرب إلى 1.5مليون طن في موسم الحصاد (2015- 2016) . أما إنتاج القطن فقد تراجع إلى الربع تقريبًا (169 ألف طن عام 2013)، واستمر يتراجع بشدة إلى درجة أن ما استلمته المؤسسة العامة للأقطان لم يتجاوز في موسم 2016 خمسة آلاف طن من أصل المخطط له الذي يصل إلى 400 ألف طن، في ما كان الإنتاج يصل إلى حوالى 700 ألف طن قبل 2011، أما الشوندر السكري فقد تراجع إلى (316) ألف طن. في موسم 2013، وقد استمر في التراجع إلى حوالى 20 ألف طن من الشوندر السكري في العام 2015 استلمها معمل سكر (سلحب) بينما كان الإنتاج في العام 2010 يقدر 1493 ألف طن.

ويعد الانهيار الدائم في سعر صرف الليرة السورية واحدًا من أهم المعوقات الإضافية لما تبقى من الزراعة، فالمحصولات تخضع لتسعير رسمي، في ما واقع الليرة المتحرك يجعل من العملية الزراعية نشاطًا خاسرًا، ثم إن الميليشيات وقوى الأمر الواقع كثيرًا ما منعت نقل المحصولات أو صادرتها، وفي أحسن الأحوال فرضت أتاوات عالية للسماح بمروها.

1- خسارات القطاع الزراعي في ظل الحرب

لقد دمرت الحرب أكثر من 60 في المئة من البنية التحتية في سورية، ففي الاستقصاء الذي قام به مشروع جامعة طوكيو (2016) للدراسات الأجنبية للشرق الأوسط، تراجع عدد العاملين في الزراعة إلى النصف بينما وصلت نسبة العاملين في قطاعي الصناعة والزراعة (الاقتصاد الحقيقي) إلى 17 في المئة بينما نسبة العاملين في القطاعات الخدمية إلى 83 في المئة من السكان. أما استقصاء الجامعة نفسها لعام 2017 فقد بين «تراجعًا كبيرًا في نسبة العاملين في القطاع الزراعي عما كان عليه في العام الماضي بسبب عدم تأمين مستلزمات هذا القطاع وبصورة خاصة ارتفاع أسعار الوقود، وعدم وجود أسواق خارجية للإنتاج الزراعي، هذا إضافة إلى الصعوبات التي اعترضت المزارعين في المحافظة على أمن منتجاتهم ونقلها داخليا» علمًا أن الاستقصاء جرى في (المناطق الآمنة).

وفي دراسة حكومية تشخّص واقع قطاع الزراعة خلال سنوات الحرب، بيّنت «تراجع المتوسط السنوي للناتج المحلي الزراعي بالأسعار الثابتة لعام 2010 خلال مرحلة الأزمة 2013– 2015 بنسبة 31.8 في المئة مقارنة بالمتوسط السنوي لمرحلة ما قبل الأزمة، وذلك نتيجة تداعيات الأزمة. وارتفعت نسبة مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة لعام 2010 من 22 في المئة عام 2008 إلى 27 في المئة عام 2015، ما يعني أن قطاع الزراعة على الرغم من تأثره سلبًا بتداعيات الأزمة، إلا أنه حافظ على أداء أفضل اقتصاد»).

إن تراجع عدد العاملين في الزراعة إلى النصف ترافق مع ارتفاع إسهام قطاع الزراعة إلى 27 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وفي الوقت الذي يشكل فيه العاملون في الزراعة والصناعة نسبة 17 في المئة من القوى العاملة في البلاد، وهي نسبة العاملين نفسها في الزراعة لوحدها في سورية عام 2010؛ يبدو أن الأمر لا يتعلق باستخدام التقنيات الحديثة في الزراعة والصناعة، ولا بتطور القطاع، وإنما يعبر عن تهالك وتأكل الناتج المحلي الكلي، ضمن حالة انهيار مجتمعي، وعودة إلى طرائق القرون الوسطى (تعد عملية قطع الغابات وتدميرها واحدة من أسوأ مظاهرها، كذلك تدمير البادية السورية بفلاحتها وزراعتها)، وإذا أخذنا بالحسبان توقف النشاط الصناعي معظمه بسبب الحرب، فإن الزراعة التي يتراجع أعداد العاملين فيها بصورة مريعة هي ما تبقى من الاقتصاد السوري، مع بعض الهوامش الصناعية البسيطة وغير المؤثرة (استخراج محدود جدًا للنفط والغاز وصناعة بعض الأسمدة) وبعض الصناعات التحويلية البسيطة.

وهذا ما يوضحه التقرير الصحافي المشترك لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) وبرنامج الأغذية العالمي الصادر في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016: «بعد خمس سنوات من النزاع في سورية، فقد كثير من المزارعين القدرة على تحمل الوضع. ثم إن ارتفاع الأسعار وندرة المدخلات الرئيسة مثل الأسمدة والحبوب يعني أنه لن يكون أمام المزارعين أي خيار سوى التخلي عن إنتاج الغذاء إذا لم يحصلوا على الدعم العاجل. ويرجح أن يكون لذلك تبعات خطرة ليس فقط على الأمن الغذائي للأسر الزراعية، ولكن كذلك على توفر الأغذية في البلاد، وقد يؤدي في النهاية الى مزيد من عمليات النزوح.”

أما تقرير المنظمة (الفاو) الصادر في تموز/ يوليو 2017 فيشير إلى “أن التحسن الطفيف في توفر الغذاء للسوريين يعد أمرًا واعدًا، إلا أن الحاجات ما تزال مرتفعة”. ويعزى هذا التحسن إلى موسم الأمطار الجيد وتحسّن إمكان الوصول إلى بعض الأراضي، مع ذلك لم يصل إنتاج القمح إلا إلى 1.8 مليون طن وهو حوالى نصف الإنتاج الوسطي لسورية قبل الأزمة، ويشير التقرير أيضًا إلى تحسن أوضاع المراعي بسبب تحسن هطل الأمطار واستقرار حجم القطعان عند مستوى منخفض جدًا و”ما تزال العوائق الرئيسة هي ارتفاع أسعار الأعلاف والتغطية غير الكافية للخدمات البيطرية والوضع الأمني الذي يحد من الوصول إلى مناطق الرعي في بعض أنحاء البلاد”.

عمومًا خسارات هذا القطاع كبيرة جدًا، ولا يمكن تحديدها بدقة، غير أن الباحث الاقتصادي (عمار يوسف) الذي قدر خسارات الحرب السورية حتى بداية هذا العام بـ 1170 مليار دولار، قدّر نصيب القطاع الزراعي منها بـ  64 مليار دولار موزعة على  خسارات وسائل الإنتاج الزراعية بـ 25 مليار دولار، وفوات منفعة ومواسم بـ 20  مليار دولار، و19 مليار دولار لإعادة تأهيلها كما كانت في ما تقارير الفاو قالت: إن إجمالي خسارات القطاع الزراعي بعد ست سنوات من الحرب بلغ 16 مليار دولار، إذ تقدر تكلفة الأضرار التي لحقت بالأصول، من جرارات ومعدات ومزارع تجارية وعيادات بيطرية ومأوى الحيونات والبيوت البلاستيكية وأنظمة الري بأكثر من 3 مليارات دولار، مع توقعات بارتفاع كبير لهذا الرقم لدى تقدير الحجم النهائي والواقعي للأضرار. وتقدر الخسارات والأضرار اللاحقة بإنتاج المحصولات بحوالى 6.3 مليار دولار أما في قطاع الماشية فتقدر الخسارات بحوالى 5.5 مليار دولار وحوالى 80 مليون دولار في قطاع مصائد الأسماك، وتقدر التكلفة المبدئية لإعادة بناء قطاع الزراعة في مدى ثلاث سنوات بـ 7.10 إلى 17.1 مليار دولار في حال الوصول إلى حل سلمي جزئي أو شامل .

ولا يمكن التوقف فقط عند الجانب المادي من الخسارات، فالزراعة فقدت كثيرًا من اليد العاملة الشابة، نتيجة الموت والهجرة، وخسرت أيضًا أسوة بباقي القطاعات الخبرات المميزة والكوادر التقنية، وهذا ما يصعب ترميمه في المدى القريب، خلافًا للجانب المادي في ما لو توفر.

2- القطاع الحيواني في ظل الحرب

عانت الثروة الحيوانية بدورها الحرب والحصار والتجويع والعطش مثلما عانى السوريون جميعًا، وإذا أخذنا بالحسبان نقص المعروض العلفي، وارتفاع أسعاره، والجفاف الشديد في بعض السنوات، وصعوبة تنقل القطعان في مناطق الرعي الرئيسة (البادية السورية ومنطقة الجزيرة) نتيجة الاقتتال وتغير الجبهات الدائم ونقص الأدوية واللقاحات والخدمات البيطرية، وتعرّض بعض قطعانها للسرقة أو للقصف، فإن الأوضاع الصعبة دفعت مربي المواشي إلى التوقف عن مزاولة العمل أو الانتقال إلى مكان آمن، إذ يذكر تقرير الفاو في عام 2013: «يواجه القطاع البيطري صعوبات جمّة مع الشح الخطر في لقاحات التطعيم الحيواني»  ما اضطر بعض مربي القطعان تحت ضغط الأوضاع آنفة الذكر إلى التخلي عن جزء من قطعانهم أو الانتقال إلى دول مجاورة (الأردن العراق تركيا).

فالأوضاع العنفية والأمنية والاقتصادية لم تكن تسمح باستمرار المحافظة على حياة الماشية، سواء من جهة تأمين مستلزمات بقائها حية، أو حتى ضمان المحافظة عليها كرأس مال ثابت، وهذا ما دفع القطاع الحيواني إلى مزيد من التأكل والاضمحلال، وبحسب تقرير الفاو الذي صدر في 2016: «ونتيجة لذلك فإن سورية تشهد تقلصًا في أعداد قطعان الماشية بشكل كبير جدًا منذ بداية الأزمة بعد أن كانت تصدّر الماشية. واليوم انخفضت أعداد الماشية بنسبة 30 في المئة، والأغنام والماعز بنسبة 40 في المئة، وسجلت أعداد الدواجن انخفاضًا شديدًا وصلت نسبته إلى 60 في المئة بعد أن كان مصدر البروتين الحيواني الأقل سعرًا في البلاد» .

رابعًا: الواقع المعيشي الراهن

للواقع الزراعي ارتباط وثيق بحياة البشر اليومية وقدرتهم على البقاء، وبخاصة في الأحوال القهرية التي تعيشها سورية، ففي الزراعة عصب بقائهم اليومي ووجبتهم المحتملة التي تقلصت كثيرًا، وتقلصت أصنافها وسعراتها الحرارية، لكنها ما تزال تمثّل لهم عامل الاستمرار على قيد الحياة، وإن أي تراجع في هذا القطاع يظهر أثره جليًا ومباشرًا في الأطباق اليومية التي باتت تخلو من البروتين الحيواني إلا ما ندر وتقتصر في مجملها على الحبوب والنباتات والخضروات المطبوخة، وتمثّل المساعدات الدولية والأممية جزءًا كبيرًا منها، وباتت السلة الغذائية السورية عاجزة عن تلبية متطلبات المتبقين في سورية، وهم أقل من ثلثي الشعب السوري، علاوة على عجزهم عن الحصول عليها كاملة، حتى لو توافرت بسبب انخفاض المخولات وتراجع سعر الصرف.

وشهدت المواد الغذائية معظمها ارتفاعات شبه متناسبة مع التضخم، ومنها ما يزيد على نسب التضخم بسبب ندرتها، وغياب البديل، وهذا ما حرم السوريين من الكمية المطلوبة لغذائهم، وللنوعية أيضًا، غير أن هذا الارتفاع المتناسب مع سعر الصرف ومع التضخم العام لم يذهب إلى جيب الفلاح الذي يعيش الأوضاع نفسها، وإنما ذهبت في معظمها إلى وسائل النقل التي تدفع بدورها فاتورة المحروقات العالية للسلطة، وذهبت أيضًا إلى الحواجز الأمنية وإلى الوسطاء وباعة المفرق.

ودفع ارتفاع أسعار المنتوجات الزراعية إلى الحد من الاستهلاك اليومي للعائلة، وبات الإنتاج الزائد عبئًا وخسارة على الفلاح، كما الإنتاج القليل، ويعيش الفلاح في هذه الأوضاع غبنًا مزدوجًا، وتناقضًا لا يمكن حلّه في الوضع الراهن، فالتكاليف العالية لمنتوجاته، لا تتناسب مع الأسعار الغالية أيضًا، والغلاء في المشهد السوري مزدوج المعايير أيضًا، ففي واحد من معانيه ارتفاع أسعار السلع محليًا، أعلى من قيمها الدولية، كما في كثير من السلع، والمعيار الآخر هو انخفاض القدرة الشرائية لدى المستهلك، وشهدت كثير من المواسم في السنوات الماضية تلفًا في حقولها لغياب جدوى تسويقها أو قطافها، من مثل الحمضيات والتفاح والبندورة، ودفع بكثير من الفلاحين إلى قطع أشجارهم وتجريف بساتينهم مثل ما حدث في الساحل.

الواقع الزراعي الراهن لا يبشر، فالزراعة مرتبطة بالاقتصاد، وفي غياب جدواها أو صعوبتها سيبحث الفلاحون عن موارد أخرى للعيش. وعمومًا، إن الدمار الذي طال المجتمع وبنيته التحتية وسبل معيشته (زراعة وصناعة وخدمات) وموارد الطاقة ومحطات توليد الكهرباء، أجبر السوريين على عودة جزئية إلى نمط القرون الوسطى (من مثل اعتماد الحطب وسيلة للوقود والتدفئة وما نجم عن ذلك من تدمير للحراج، يضاف إلى ذلك توجه قسم من الشباب لصناعة الفحم عبر القطع الجائر للحراج، وهو ما يقدم لهم مدخولات تفوق أعمالهم في الزراعة).

إن العزوف عن العمل في الزراعة مرتبط كليًا بالسياسات الاقتصادية، والوضع الراهن الذي تحوّل فيه قسم كبير من المواطنين إلى خدمات هامشية بمثل بيع الخبز والغاز والدخان، والبسطات ومحلات البالة، والتوسطات، والخدمات الجانبية، هو نتيجة غياب فرص العمل الحقيقية.

يقول (مهند هادي) المدير الإقليمي لبرنامج الأغذية العالمي في الشرق الأوسط: «إن الأمن الغذائي لملايين الناس داخل سورية يواصل تدهوره حيث يصنف أكثر من سبعة ملايين شخص على أنهم يعانون انعدام الأمن الغذائي في أنحاء البلاد بعد أن استنفدوا مدخراتهم ولم يعودوا قادرين على إطعام عائلاتهم» .

يعيش أغلبية السوريين في ضنك شديد، ويستفيد قسم منهم من المساعدات المحدودة للمنظمات الدولية (يصل عدد المستفيدين من المساعدات الدولية إلى 4 ملايين شخص) ويستفيد قسم آخر من السكان من شراء مواد الإعانات بأسعار أرخص من أسعار نظيرتها السورية، (وتعيش نسبة 30 في المئة من السوريين في فقر مدقع، على أقل من دولار في اليوم) ويعد الاستقصاء الذي أجرته جامعة طوكيو بالتعاون مع مركز الرأي السوري مؤشرًا على البؤس الشديد لأغلبية المواطنين إذ يقول (الشريحة الأكبر من المجتمع السوري 87.4 في المئة تحت خط الفقر الأدنى، وفقًا لمعيار البنك الدولي (1.9 دولار يوميًا للشخص)، وأن ما تحتاجه الأسرة يعادل ستة أضعاف متوسط الأجر المالي).

أما الاستقصاء نفسه للعام 2017، فيشير إلى أن نسبة من المجتمع السوري تصل إلى 74.5 في المئة أصبح دخلها أقل من 1.9 دولار يوميًا للشخص، أي ما دون خط الفقر العالمي ، وضاقت نسبة ذوي الدخل المتوسط إلى ما دون 23 في المئة، إذ متوسط الدخل بين 300 و400 دولار، واستمر انخفاض الليرة السورية إلى ما دون 10 في المئة من قيمتها الحقيقية قبل الأزمة. وعلى الرغم من أن هذا الاستقصاء قد جرى في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام مع ما يعنيه ذلك من غياب للمعطيات عن مناطق سورية واسعة تعاني الحصار والتجويع (الغوطة الشرقية والغربية مثلًا، محافظات الرقة، ودير الزور، وإدلب، وأرياف حلب وحمص وغيرها)، فإن هذه الأرقام تتوافق، مع ذلك، مع الواقع المعيشي الصعب للسوريين الذين غدا هاجسهم وهمّهم اليومي تأمين لقمة العيش لأطفالهم.

خامسًا: نتائج وتوصيات

يعدّ الخروج من دائرة الحرب العبثية أو خفض التصعيد إلى حد كبير على الأرض السورية (عبر التسويات السياسية الجزئية أو الشاملة) شرطًا أساسيًا لتحقيق درجة من الاستقرار الأمني والسياسي تسمح بعودة جزئية للمهجرين إلى ديارهم وقراهم بما يمكّنهم من إعادة الإنتاج الزراعي والحيواني إلى مستويات جيدة وبخاصة في المناطق الريفية التي تضررت ضررًا واسعًا، ويسمح بعودة الرعي الآمن ضمن بادية الشام والجزيرة السورية، ومستوى أفضل من الخدمات البيطرية.

من الآن حتى عودة الحياة الطبيعية، وإعادة الإعمار، فإن لدينا زمنًا طويلًا في أحسن السيناريوهات تفاؤلًا، يجب فيه على كثير من الشباب الريفيين الذين لا يجدون فرصة عمل في ظل معدلات بطالة عالية جدًا وغياب حقيقي لفرص العمل، وأغلبية الفلاحين ذوي الملكيات الصغيرة، والأسر التي فقدت معيلها، والأسر الفقيرة؛ أن تلجأ إلى (الاستثمار) في مزيد من مشروعات سبل المعيشة في الزراعة أكثر الطرائق فاعلية لمعالجة انعدام الأمن الغذائي في المدى الطويل» .

يعد العمل الزراعي النباتي والحيواني مجالًا واسعًا لمزيد من فرص العمل للعائلات والأفراد يجب الاستفادة منه إلى أقصى حد ممكن، وفي المستويات كلها ابتداء من استخدام المكننة الواسع والزراعة المكثفة وأساليب الري الحديثة، وانتهاء بالمشروعات الصغيرة التي تعتمد على حيوانات الجر والجهد العضلي بما فيها مشروعات الثروة الحيوانية الصغيرة والمتوسطة، على الرغم من أن ما يعنينا أكثر هو المشروعات الصغيرة والمتوسطة لأنها تكوّن نسبة كبيرة من الإنتاج الزراعي، ويعمل فيها عدد كبير من العاملين في الزراعة.

إن غياب فرص العمل يجعل العودة إلى العمل الزراعي النباتي خيارًا أساسًا، وكذلك الاستثمار في مشروعات الإنتاج الحيواني (تربية المواشي، والأرانب، والدواجن، وخلايا النحل وتربية السمك) حلًا إسعافيًا ضروريًا، مستفيدين من وجود أرض زراعية صغيرة ومراع تساعد في إقامة هذه المشروعات لإبعاد شبح المجاعة عن سورية، بعد ستة أعوام من الحرب وما آلت إليه الأوضاع من دمار هائل للبنية التحتية وقتل وتهجير داخلي وخارجي وإفقار وتجويع للشعب السوري وصل إلى مستويات مروعة.

يعد دعم الإنتاج الزراعي بشقيه النباتي والحيواني في واقع مرير كالواقع السوري حاجة ماسّة وخطوة ضرورية لحماية المجتمع من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، وإبعاد شبح العوز والمجاعة اللذين يهددان قطاعات واسعة من الشعب السوري (مدينية وريفية) تعيش الآن في ظل مناخات الحرب ولا تستطيع تحمل الأسعار العالية للمنتجات الزراعية.

ليس مجازًا القول إن الحرب خربت البشر والحجر والشجر، لقد جعلت الحاجة والعوز الناس ينتظرون المساعدات الإنسانية أو يتوجهون إلى أعمال غير إنتاجية لا تليق بكرامة الإنسان، لذا يجب على فاعليات المجتمع المدني كلها أن تعزز قيم العمل الحقيقية في المجالات كلها، وتساعد في البحث عن فرصة عمل أو تمويل أو قرض لمشروع إنتاجي وتقديم كل ما من شأنه أن يعيد قطاع الشباب والعاملين إلى موقعه الإيجابي في عملية الإنتاج بصورة عامة.

1- التمويل

يوجد 70 في المئة من فقراء العالم وجياعه في الريف بحسب منظمة الفاو، لذا تعد المشروعات الريفية في حال نجاحها المرجح خطوة باتجاه تحسين واقع الريف. إن تحفيز الحالات التي يمكن أن تباشر مشروعات صغيرة ومتوسطة أو تطوير مشروعات قديمة، وتشجيعها ومساعدتها في محاولة إيجاد التمويل، مهمة المؤسسات المعنية بالشأن الزراعي (الجمعيات الفلاحية، والوحدات الإرشادية) والمنظمات التي تعنى بالشأن الاجتماعي، والناشطين الاجتماعيين، محاولة منهم في معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه مجتمعاتهم المحلية الصغيرة، وتتعلق محاولة إيجاد التمويل للمشروع بكل حالة على حدة، إذ يتوافر لدينا نظريًا مصادر تمويل عدة، يمكن اختيار ما هو ملائم ومتاح منها، وهي:

  • قطاع الدولة: يجب على الدولة أن تتبع سياسة دعم حقيقية للقطاع الزراعي والحيواني، وتوفير البذور والأسمدة والأدوية الزراعية، وتوفير الحيوانات والأعلاف واللقاحات والأدوية البيطرية بأسعار مقبولة. وأن تقدم مصارفها ومؤسساتها القروض بفوائد مخفضة وبشروط ميسرة. وأن تكف عن التعامل مع القطاع الزراعي بعقلية التاجر ومدير البنك. تؤدي الدولة دورًا مهمًا كونها القناة شبه الحصرية التي تمر عبرها المساعدات الدولية والهبات والقروض الآن وخلال مرحلة إعادة الإعمار (التي يرجح أن تستمر مدّة طويلة)، إذ يعاني هذا القطاع الترهل والفساد الشديدين، مع ذلك لا بد من التعامل معه بحكم احتكاره الآني للمؤسسات عمومًا، ويمكن للمنظمات السياسية والحقوقية ومنظمات المجتمع المدني، أن تطالب الجهات الدولية المانحة بوضع اشتراطات وآليات تضمن وصولًا عادلًا لمستحقي هذه المساعدات والقروض والهبات، كي لا تضيع في دهاليز الفساد وسوء الاستخدام.
  • مؤسسات دعم المشروعات الصغيرة: يوجد في سورية كثير من المؤسسات التي تدعم المشروعات الصغيرة، من مثل مؤسسة الآغا خان للتنمية، ومؤسسة التمويل الصغير الأولى، ودائرة التمويل الصغير (الأونروا)، ومشروعات وزارة الزراعة بالتنسيق مع إيفاد، والصندوق السوري لتنمية الريف ومؤسسة بداية، والأمانة السورية للتنمية ومشروعات أخرى. وتشير دراسة تناولت قطاع التمويل في سورية العام 2010 إلى أنه منذ العام 2003 إلى عام 2010 -أي قبل الأزمة- استفاد حوالى 40 ألف عميل سوري من خدمات مؤسسات التمويل الصغير، ويوجد حوالى 24000 عميل نشط، ويتراوح التمويل بين عشرة آلاف ليرة سورية و250 ألف ليرة. توقف نشاط هذه المؤسسات تقريبًا خلال مرحلة الحرب في سورية، ونشهد الآن عودة نشاط لهذه القطاعات .
  • الجمعيات الخيرية: توجد الجمعيات الخيرية في المجتمع إذ يسهم القادرون فيها بصور مختلفة، وتقدم هي بدورها مساعدات مادية أو عينية للفقراء. في هذه الحالة يمكن تخصيص جزء من أموال الجمعية لدعم إنشاء مشروعات صغيرة يمكن أن يشترط عودة جزء من مال المشروع أو كله نقدًا أو عينًا (محصولات عينية، مواليد بعمر معين بالنسبة إلى المواشي مثلا، أجبان ألبان، عسل)، ويحوَّل إلى السوق لمصلحة الجمعية أو يعاد توزيعه على الحالات الأكثر فقرًا، يقتضي هذا الأمر تغييرًا جزئيًا في النظرة إلى عمل الجمعية، ويمكن أن يسهم فيه الناشطون الاجتماعيون، يساعدهم في ذلك تغير نظرة الناس إيجابًا باتجاه العمل الاجتماعي.
  • المشاركة: وتعني الاتفاق على تقديم الجهد العضلي لمدّة زمنية معينة في مقابل جزء عيني من الإنتاج أو المواليد مثلًا، أو لقاء نسبة من العائد، أو التشارك في مشروع يقدم فيه طرف ما مستلزمات الإنتاج والطرف الثاني جهده لقاء نسبة من المشروع كله، مع نسبة محددة في ملكية المشروع بعد مرور سنوات عدة قابلة للزيادة في حال الاستمرار مثلًا، ويمكن أن يشارك في مشروع من هذا النوع أشخاص عدة، ويمكن لهذه التشاركات أن تأخذ صورًا عدة، وهي تعد حافزًا شخصيًّا مهمًا لإنجاح المشروع، إذ يشعر العاملون أنهم يعملون لأنفسهم، وليس للغير.

يتيح توافر التمويل مع وجود قطعة الأرض البدء في كثير من المشروعات الزراعية النباتية والحيوانية المشتركة، وكذلك المشروعات التي تعتمد على الإنتاج النباتي والحيواني (تجفيف الفواكه، العصائر، المربيات، تصنيع الألبان والأجبان) إذ تعد المنتجات المحلية المادة الأولية لهذه المشروعات.

يمكن الاستفادة من قروض التمويل الصغيرة في تأمين المياه للمشروعات الزراعية الصغيرة (1 دونم) في المناطق التي تتوافر فيها المياه السطحية عبر حفر آبار حتى عمق 20 مترًا، وتركيب مضخات يدوية أو الاستفادة من طواحين الهواء في حال وجود مساحات أكبر ، وتعد المحاولة الذاتية في تأمين الأعلاف بالاستفادة من قطعة الأرض الصغيرة أو بزراعة بعض النباتات العلفية الخضراء من مثل الذرة والبرسيم أو الاعتماد على الحشائش الطبيعية في أشهر الشتاء والربيع، وتجفيفها لحين الحاجة، وزراعة المحصولات العلفية من مثل الشعير والبيقة والذرة في حال توافر مساحة أكبر؛ محاولة مهمة للتخفيف من الأسعار المرتفعة ومن الاعتماد على الدولة والقطاع الخاص في مجال تأمين الأعلاف، ويمكن الاعتماد على البغال والحمير والثيران في حراثة الأرض والتنقل والحمل في المناطق الجبلية، وعلى العربات التي تجرها الخيول والبغال في مناطق السهول محاولة لاقتصاد النفقات، في ظل الارتفاع الجنوني لأسعار المحروقات والمواصلات، أو في حال تعذر الحصول عليها، من دون أن يكون الأمر حنينًا وعودة إلى أشكال بدائية وقديمة عفا عليها الزمن، بل الضرورة لتأسيس أكثر استقرارًا وديمومة.

2- التعاون

هو اتحاد مجموعة من الأشخاص تربطهم مصالح مشتركة، يقوم على تجميع القدرات والإمكانات الشخصية والمادية، على أساس من الطوعية والمساواة في الحقوق والواجبات، ويعتمد أسلوب الإدارة الديمقراطية، ويسهم في عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بهدف رفع مستوى حياة الأعضاء اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا ([33]).  يعد التعاون في حالات الكوارث العامة حجر الزاوية لمحاولة إعادة بناء المجتمع، فقد لجأ الإنسان إلى التعاون منذ القديم، لمواجهة غضب الطبيعة أحيانًا، ولبناء جسر أو قناة ري أو حفر بئر أو مواجهة هجوم الحيوانات المتوحشة على القرى أحيانًا أخرى، إذ كان التعاون ضرورة يفرضها عجز الفرد عن القيام بالمهمة بمفرده، أو يقتضيها القيام بمهمة ذات نفع عام للمجموعة، والتعاون بتنظيمه الحديث وقوانينه فرضته الثورة الصناعية على كثير من شرائح المجتمع المستضعفة لمواجهة الأوضاع المجحفة التي تواجهها، وهو بصورته الأولية موجود في سورية منذ «بدايات القرن العشرين كتعاون الأهالي لشراء وسيلة نقل من أموالهم تنقلهم إلى المدينة أو لشراء مولدة كهرباء تؤمن لهم الكهرباء الضرورية لحياتهم اليومية أو يشتركون في حفر بئر مياه لتأمين مستلزمات الشرب والسقاية .. إلخ). أما أول شكل منظم للتعاون فقد كان في بلدة دير عطية «تفخر دير عطية أنها تضم أول جمعية تعاونية زراعية في سورية وقد أسست هذه الجمعية عام 1936 وقامت الجمعية بإنجازات مهمة تمثلت في شق قناة للري امتدت أكثر من 5 كيلومترات وقامت باستصلاح الأراضي ووفرت المكنـنة الزراعية مثل الجرارات الزراعـية وغيرها، ما أعطى الزراعة دفعة كبيرة، وقامت الجمعية أيضًا بمنح القروض المُيسرة للمزارعين”»  وقانونيًا منذ العام 1950 صدر القانون رقم 65  الذي سمح بتأسيس الجمعيات على اختلاف أنواعها، ليكون أول قانون ينظم العمل التعاوني في البلاد، وصدر في عهد الوحدة قانونا الإصلاح الزراعي والتعاون 317. أما الضربة القاتلة للتعاون الزراعي فقد كانت بدمج التنظيم النقابي (اتحاد الفلاحين مع التنظيم التعاوني) القانون 21 لعام 1974، وعدّه منظمة شعبية لها تمثيل في الجبهة الوطنية التقدمية لاحقًا. إذ فقدت التعاونيات روحها، وتحولت إلى جزء من اتحاد ملحق بالسلطة تزدهر فيه آليات الفساد السلطوية كلها.

وكما أجبرت الشروط الصعبة الناس على التعاون في الملمات، فإن الوضع السوري الراهن هو وضع استثنائي، إذ إن «تأسيس التعاونيات، في وقت الأزمات خصوصًا، من شأنه أن يقوّي شرائح المجتمع المستضعفة. وقد نشأت أولى التعاونيات الحديثة في أوروبا وليدة الضيق، وأدى الإنتاج الصناعي في نطاق واسع إلى عجز الحرفيين الصغار عن المنافسة وفقرهم. ونتجت عن توافد عمال غير مؤهلين من الأرياف إلى المدن شروط عمل غير إنسانية وأجور منخفضة، إضافة إلى أزمة سكنية. ومن أجل حل ما سمي آنذاك بـ «القضية الاجتماعية» كان لا بد من قيام أفكار جديدة، منها تأسيس تعاونيات متنوعة التوجه».

تقتضي الحالة الراهنة (دمار البشر والحجر والشجر) عودة المجتمع إلى أشكال حقيقية من التعاون كانت قد ألغتها نظم الاستبداد في سورية أو حولتها إلى أشكال خالية من المضمون، وشحذ العقل والمخيلة لابتكار أشكال جديدة وبناءة في كل مجال للنهوض من جديد. فالرهان الحقيقي هو على المجتمع وليس على الدولة حتى لو حصل بعض التحسن في بنيتها لاحقًا، فالإنسان هو الوسيلة والغاية معًا.

  • يمكن لمجموعة من مربيّ المواشي مثلًا تشكيل نواة مجموعة تعاونية تسعى لتأمين الأعلاف والأدوية واللقاحات بصورة جماعية، ويمكنها شحن منتجاتها معًا إلى السوق، وبيعها بسعر أفضل، ويمكن لها تأمين حاجات غذائية للمجموعة بكلفة أقل. وأن تتعاون مع مجموعة أخرى من مربيّ النحل أو الأرانب أو مع مجموعة أخرى من المزارعين، وتبادل منتجاتها بأسعار تفضيلية للطرفين، ويكون للمجموعة كذلك ورشة صغيرة لتصنيع الألبان والأجبان. تشكل هذه النواة نموذجًا إيجابيًا يظهر ميزة التعاون، وهكذا يمكن أن يكون لدينا كثير من المجموعات والمستويات المتقاطعة التي تهدف إلى خدمة الجميع. بحيث يرتقي هذا الشكل البدئي من العمل التعاوني البسيط إلى مستوى أرقى، ويستقطب طوعيًا الحالات الأخرى المترددة والخائفة. وبشكل مشابه يمكن لتعاونية زراعية بسيطة أن تؤمن البذور والسماد والأدوية الزراعية وأن تجني محصولاتها وتسوقها معًا، وصولًا إلى تأمين الجرار الزراعي والحصادة ووسائل النقل، وأن ترتقي بعملها وتطور نفسها بما ينعكس إيجابًا على المجموعة كاملها.
  • يمكن تأسيس جمعيات تعاونية زراعية طوعية في مناطق خفض التصعيد الحالية والمتوقعة، أما المناطق التي يسيطر عليها النظام فيمكن الاستفادة من خدمات الجمعية الفلاحية والوحدات الإرشادية في حال توافقها مع مصالح العاملين بالزراعة ويمكنهم القيام بصور أولية من التعاون في تأمين متطلبات أعمالهم الزراعية وفي تسويق محصولاتهم، ريثما تبدأ آليات تفكيك الاستبداد وصوغ قوانين جديدة تنظم عمل التعاونيات.

خاتمة

يتعدى القطاع الزراعي السوري حاليًا كونه أحد القطاعات الإنتاجية الرئيسة في عملية التنمية الشاملة، ليكون المتراس الأخير قبل الانهيار الاجتماعي الشامل الذي لامسه الوضع السوري أو تجاوزه أيضًا، فهو الفرصة الوحيدة لبقاء الناجين من الحرب على قيد الحياة بالمعنى الفعلي للكلمة، يؤمّن لهم سلتهم الغذائية بالأسعار المحلية، ولو بالحد الأدنى، وهو يعد أحد أسباب البقاء لكثيرين ممن فقدوا كل شيء، وباتوا يعيشون يومًا بيوم.

لم تبدأ الكارثة الزراعية مع الحرب، وإنما مع السياسات الاقتصادية المجحفة، التي اعتمدها النظام التسلطي، ضمن وهم الاعتماد على قطاع الخدمات، بدائل أساسية، لكن وتيرة الكارثة تسارعت، وتحطمت مقومات الزراعة الرئيسة في أتون الحرب المدمرة، وتحطمت معها البدائل الافتراضية الأخرى.

لهذا، يعد دعم العمل الزراعي الحلقة الأولى والأساس في عملية إعادة الإعمار، كي لا تتحول سورية إلى (سوبر ماركت) من جهة، وسلّة للتسول والمساعدات من جهة أخرى. وحيث يقف العالم متفرجًا ولا مباليًا أو متدخلًا تدخلًا يطيل أمد الحرب، أو يبقيها عند مستوى منخفض (خفض التصعيد)، فإن البدء (حيث يمكن البدء) في واحدة من أكثر الحلقات فقرًا من قاطني الريف وأطراف المدن الذين يملكون أرضًا زراعية صغيرة، لا تكفي عائلاتهم أو الذين يعملون عمالًا زراعيين موسميين أو العائلات التي فقدت معيلها أو الفلاحين الذين يحاولون تحسين مستوى معيشتهم، وتشجيع هذه الفئات ومساعدتها في تأمين التمويل لمشروع زراعي نباتي أو حيواني أو مشروع مرتبط بالإنتاج الزراعي بما ينعكس إيجابًا في مستوى حياتها الاقتصادي والاجتماعي، ويكون نواة للارتقاء بالتعاون إلى مستوى أعلى لحل كثير من المشكلات التي تواجه الناس من دون انتظار مساعدة المؤسسات التي -ربما- لن تأتي، ويعد أيضًا محاولة لخلق إنسان مستقل ومبادر ومعتمد على نفسه، يبني حياته ومستقبله، ويسهم في تطوير مجتمعه، لأن الإنسان التابع عاجز بالضرورة، ووحده الإنسان الحر والمبادر فحسب قادر على اجتراح المعجزات.

المصدر: مركز حرمون للدراسات المعاصرة

 

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

احتجاجات “السترات” الصفراء تصل موسكو والشرطة تعتقل 12 متظاهراً

وكالات – مدار اليوم اعتقلت الشرطة الروسية سبعة أشخاص كانوا يتظاهرون، اليوم ...