الرئيسية / مقالات / محمد الصياد يكتب: طيف الدولة العميقة

محمد الصياد يكتب: طيف الدولة العميقة

الرابط المختصر:

محمد الصياد

إنها لا ترى ولا تسمع لا من قبل الكونجرس ولا من قبل الرئيس ولا من قبل الشعب. من الخارج أنت أمام حكومة دستورية، ولكن داخل هذه الحكومة وداخل دهاليز النظام السياسي، هناك مجموعة تعمل بشكل بالغ الإتقان والتنظيم، على تنحية الدستور وإنشاء دولة الحزب الواحد. وما يميز هذه المجموعة ليس الإيديولوجيا رغم أهميتها، وإنما التنظيم العالي، فهي تعمل بسرية وهدوء لتحويل عمل الحكومة، من دون الرجوع لا للرئيس ولا للكونجرس ولا للقضاء.
إنها عملياً، غير قابلة للتنحية. هذا ما قاله السناتور ويليام جنر في خطاب له عام 1954 لوصف الشبح الذي كان يتحرك منذ ذلك الوقت للأطباق على الدولة والحياة الأمريكية. علماً بأن هذا السناتور الجمهوري عن ولاية انديانا والذي توفي في عام 1985، هو الذي شكل ثنائياً مع جوزيف مكارثي لإطلاق حرب تخوين واتهام بالشيوعية على نطاق واسع استهلكت شطراً زمنياً واسعاً من الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية الأمريكية. حتى إن اتهاماته طالت المستوى التنفيذي الأعلى في البيت الأبيض، بوصمهم بالحكومة الخفية التي تعمل لصالح السوفييت.
إنها مندغمة في الشركات، معسكرة، بيروقراطية راسخة، تدار كلياً بواسطة رسميّين غير منتخبين، وهم في واقع الحال من يديرون البلاد. هذه هي حكومة الظل أو حكومة الشبح. فبغض النظر عن المرشح الفائز في انتخابات الرئاسة، فإن حكومة الظل هي صاحبة القول الفصل في الحكم. حتى إن وثائق مكتب التحقيقات الفيدرالي الأخيرة رمزت إلى هذه الحكومة ب«مجموعة الطابق السابع». وكان يشار في البداية إلى حكومة الظل ب«استمرارية الحكومة» (Continuity of Government) كمجموعة غير منتخبة ولكنها مكلفة بإدارة مؤسسات الدولة في حالات الكوارث التي تتعرض لها البلاد، من قبيل هجوم إرهابي، أو كارثة طبيعية، أو انهيار اقتصادي. لكن هذه المجموعة راحت تتمدد وتجمع وتمركز قواها لتتحول تدريجياً من «حكومة احتياطية» إلى حكومة أمنية موازية تحرص على إعادة إنتاج أحد مسوغات استمرارها، وهو في الوقت الراهن، بعبع الإرهاب. أما حكومة الظل الثانية والتي يرمز إليها بالدولة العميقة، فهي الأخرى تتشكل من بيروقراطيين غير منتخبين، يمثلون الشركات والمقاولين، والموظفين الإداريين التنفيذيين، فهي بمثابة الحكومة داخل الحكومة.
والدولة العميقة، بهذا المعنى، وكما يصفها الوسط الأكاديمي الليبرالي الأمريكي، هي قوى الأمن المعسكرة المشاركة مع الدولة ووكالات إنفاذ القانون للظهور بمظهر الجيش المتأهب، وهي مراكز المعلومات ووكالات التجسس التي أنشأت دولة المراقبة الأمنية الشاملة ومنها تفويض الكونجرس للقيام ب 30,000 عملية بواسطة طائرات «درون» عبر الأجواء الأمريكية حتى عام 2020 بكلفة تبلغ 30 مليار دولار، وهي الشركات المتقاولة معها بما يناهز 854,000 عقد وظيفي يشمل التمكين من الوصول للمعلومات المصنفة سرية، وهي وكالة الأمن الوطني بميزانيتها البالغة 10,8 مليار دولار وتشمل مخصصات «برنامج إشلون» الذي يقوم بوظيفة اعتراض وتحليل جميع المكالمات ورسائل الفاكس والرسائل الإلكترونية المرسلة من أي مكان في العالم. وهي الحروب الخارجية المتواصلة بكلفة تبلغ 15 مليار دولار شهرياً (20 مليون دولار في الساعة). حتى إن البنتاجون ينفق على الحروب أكثر مما تنفق 50 ولاية مجتمعة على الصحة والسلامة والتعليم والرعاية الاجتماعية.
وفي توزيع الإنفاق الفيدرالي للميزانية العامة، يستحوذ الإنفاق العسكري على 57% مقابل 6% للتعليم، و5% للصحة، و5% للإسكان والمجتمعات، و5% لقدامى المحاربين، و3% للعلوم. حتى إن المرشح الديمقراطي للرئاسة بيرني ساندرز في خطاب له في 1 يوليو 2015، قال بأن واحداً من عشرة في المئة من قمة هرم أثرياء أمريكا يحوزون على ما تحوزه نسبة ال 90% من الأمريكيين، وهم الذين تتشكل منهم الدولة العميقة.
في عام 2010، أي بعد عقد على هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، كتبت «واشنطن بوست» بأن شراهة الدولة الأمنية للمعلومات حوّلتها إلى «فرع رابع» للحكومة الفيدرالية، بتوظيفها 854,000 موظف، و263 مؤسسة أمنية، وأكثر من 3000 وحدة تجسس، تتولى إصدار 50,000 تقرير خاص كل عام.

المصدر: الخليج

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

غازي دحمان يكتب: حينما اشترى العرب منظومة كذب

غازي دحمان استدعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مستشاره للشؤون العربية على عجل، ...