الرئيسية / مقالات / جميل مطر يكتب: ما فعلته بنا العولمة وما نفعله بها

جميل مطر يكتب: ما فعلته بنا العولمة وما نفعله بها

الرابط المختصر:
جميل مطر

حولنا وفي وسطنا جيل كامل من الشباب لم يعاصر العولمة في قمتها وتألقها. جيل لا يعرف أنه ثمرة تجلياتها وهي في أزهى مراحلها. هو مدين لها بكل ما يملك من تجارب وما تلمسه أصابعه من حروف وربما بما ينطق به لسانه من حروف وكلمات غريبة وبما ترتديه بناته وصبيانه في الصين وروسيا ومصر وتونس والمملكة المتحدة والهند والأرجنتين. هؤلاء جميعا توحدوا في ارتداء ملبوسات الجينز كما توحدوا في الإنصات إلى، أو التمايل مع، ألحان وأغان بعينها. كلهم رضعوا مع حليب أمهاتهم ساندويتشات الماكدونالدز. كلهم أقبلوا على اقتناء هواتف ذكية وحواسيب بالغة الحساسية والابتكار الذاتي، كلهم عاشوا أو انتقلوا للعيش حياة كاملة في عوالم خيالية. يخرجون منها حيناً ليطلوا على عالم آخر يعيش فيه أهاليهم ورؤساؤهم وحكامهم. هؤلاء لا يفتأون كلما احتك الشباب بهم يحاسبونهم على العيش مكتفين ذاتياً، ينأون بأنفسهم وإن اجتمعوا وذويهم تحت سقف واحد. هؤلاء تسببوا في ارتباك عظيم داخل مؤسسات الأمن وإن ابتعدوا عنها أراضي ومحيطات، مؤسسات لا ترتاح لشباب يفكر في صمت ويتمرد ساكنا وينفجر غاضبا في لحظة.
في سنوات قليلة وقعت تطورات عديدة بعضها اختص بالغرب وأكثرها لم يترك دولة أو ثقافة أو جماعة إلا ومسها بقليل أو كثير من الصدمات. دفعني تدفق هذه التطورات وتلاحق تداعياتها إلى البحث عن رابط أو خيط يجمعها. كانت مهمة صعبة. كيف يمكن أن يتخيل إنسان أن علاقة ما قامت أو تقوم بين موجة من الحركات القومية اليمينية المتطرفة تهب فتهز أسس قصور الحكم في أوروبا ونظريات علم السياسة ورغبة محمومة لدى حكام الصين لإنعاش فكرة طريق الحرير شبه الأسطوري ليصبح حزاماً أوراسياً يحتوي في داخله بلاداً في أقصى الشرق الآسيوي وفي وسط آسيا وفي أواسط أوروبا وأقصى غربها. وليصبح أيضاً وفي الوقت نفسه طريقاً يمر في سلاسة وأمن وثقة عبر بلاد في جنوب آسيا والخليج ماراً بشرق إفريقيا ومنتهياً مرة أخرى بجنوب أوروبا. ما العلاقة بين هذا التطور وذاك التطور وبينهما معا والحملة العدائية ضد النخب في عديد الدول وبينها جميعا وبين الفوز الصارخ للمرشح دونالد ترامب ليصير رئيساً لأمريكا.
المؤكد فعلياً، وليس تحليلياً أو نتيجة اجتهاد شخصي، أن مرحلة العولمة الرأسمالية التي استحقت بجدارة لقب العولمة على النمط الأمريكي، هذه المرحلة خلفت أو أنتجت حالة فريدة من اللا مساواة في الدخول لم يعرفها النظام الرأسمالي منذ نهاية عقد العشرينات من القرن الماضي. لم يدر بخلد أي باحث في شؤون العولمة وتطوراتها أن تنتج عنها فجوة لا مساواة على هذه الدرجة من الاتساع.
تأثرت شعوب بلادنا بالعولمة كغيرها من شعوب العالم. ثلاثون عاماً أو أكثر تسمع هذه الشعوب عن دول تقرر أن تندمج اقتصادياً فتنمو اقتصاداتها وتترعرع. تسمع عن حدود تزال وناس تتحرك بحرية بين دولة وأخرى، يتاجرون في حرية ويتناقشون في حرية ويتعلمون في حرية ويتقدمون. هنا في هذه البلاد العربية لا شيء كان يتحرك. لا محاولات أو جهود اندماج بين دول الإقليم، لا خطط تنمية، لا نمو ولا تعليم جيد وحكومات لا تنجز. كيف عرفت الشعوب أن حكومات أخرى تنجز وحكوماتنا لم تنجز؟ إنها العولمة، عولمة الاتصالات وعولمة التكنولوجيا وعولمة المواصلات. بالفعل ثارت شعوب في واحدة من أهم ثورات التاريخ، كانت أول ثورة تنشب استجابة لتطورات تاريخية حدثت وتحدث خارج حدود بلادها، ثورة دفعت إليها عولمة تصدت لحكومات منغلقة ومنعزلة وغير مستعدة لإحداث التغيير المناسب للتفاعل مع هذا التحول المهم في مسيرة الإنسانية. شعوبنا تدفع الآن ثمن انكسار عولمة لم تتح لنا الفرصة كاملة للاستفادة منها وقت تألقها.
جاء وقت، ليس بعيداً، انتعش الأمل في أن تفرض العولمة على أولي الأمر في كل قطاعات السلطة والإدارة حسن الخيار. كان شعارنا الأكفأ هو خيارنا. سعينا جماعات وشعوباً وأفراداً لنحصل على الأحسن والأعلى جودة. رفضنا قراءة ما يكتبه المهووسون والانتهازيون وأدعياء المعرفة، امتنعنا عن طاعة فاسد أو جاهل أو أحمق. كنا في حقيقة الأمر نحلم بمجتمع فاضل. لم ندرك وقتها أن قوى بعينها تقف بالمرصاد لممارسات أرست قواعدها العولمة.
كان حلماً واندثر. كانت الحدود المفتوحة أمام البشر ليتنقلوا في حرية ويستقروا في أمان حلم الملايين منذ نشأة المجتمعات الإنسانية. كان حلماً من أحلام العولمة قبل أن ينقلب عليه خصومها من الشعبويين. الناس تهاجر والعولمة لم تخترع للناس هذا الحق وإنما كرسته عنصراً حيوياً لأمن البلاد ونموها. ترامب يمنع الهجرة بينما الشركات الأمريكية تعلن أن الاقتصاد الأمريكي لن يتعافى إلا إذا حصل على عقول جديدة من أوروبا.
العولمة فجرت أزمة الهويات وأعادت إلى الصدارة مبدأ الحق في تقرير المصير. هي سبب غير مباشر لانتعاش مطالب الانفصال وخطر الانفراط وتقسيم الدول.
سيكون مثيراً الاستمرار في متابعة تفاصيل الحرب الناشبة ضد العولمة. سيكون مثيراً أيضاً الاستمرار في متابعة صمود أو انهيار إنجازاتها ورموزها.

المصدر: الخليج

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

عاصم عبد الخالق يكتب: رسائل صفقة الصواريخ الروسية

عاصم عبد الخالق اعتبرت وسائل الإعلام أن تزويد سوريا بمنظومة الصواريخ الروسية ...