الرئيسية / آخر الأخبار / مجدولين الحصري تكتب: انسدال الأزرق

مجدولين الحصري تكتب: انسدال الأزرق

الرابط المختصر:

مجدولين الحصري

جاءت مكتملة الليل، مظلمة الوجه ، بلا نجم ولا قمر ،تقارب الأربعين. أخبرتني أمها المستهلكة أيضا بالحزن، أنها فقدت صوتها.
كانت المرأة مكتفية بثلاث بنات، هي و زوجها، ومع بداية الثورة، عادت رغبة تجربة الحمل، علهم يرزوقون بصبي يعيش بكرامة وحرية.
بعد الفحص، و تسجيل كامل المعلومات التي استطعت أن آخذها من الأم، كان متوقع أن تلد بعد أربع ساعات، و لاشي يدعو للقلق.
يرن هاتفي. يستدعونني لمنزل صبية بكر تلد، لم يستطع أحد من الرجال مرافقتها لعيادتي، بسبب الحاجز الذي يعتقل كل من يمر، بحجة تشابه الأسماء؛ اضطررت للذهاب إلى منزلها في القرية المجاورة لجلبها لعيادتي.
أوقفني الجندي المأمور بالطاعة، وكعادتهم الجميع ينادونني ب “الدكتورة “و قال لي لا تستطيعين المرور قبل أن يراك الضابط الجديد، قلت له: المرأة تلد؛ والامر خطر، فسمح لي بالمرور على مسؤوليته. نظرت بالمرآة بعد عدة أمتار، كان الضابط يضرب الجندي.
وصلت منزل الولادة؛ ينسدل حبل السرة قبل رأس الجنين !!
ترملت العروس! تاركا الشهيد نبضه برحمها، تلد وحيدة إلا مع عجوز تجيد فقط قراءة القرآن.
بالفحص تبين أيضا تباطؤ دقات قلب الجنين، ولا مجال بعتمة ذاك الليل الوصول للمشفى، حالا خزعتها، ورفعت حوضها، عسى أخفف ضغط الجنين على الحبل السري.
كبتت نفسها وصوتها. التهمت الألم، فقط كانت تقول (بدي سامر ساعدني سامر) سامر؛ عريسها الشهيد الذي رفع يديه للسماء، ليشكر ربه عندما أخبره الطبيب بجنين صبي بصحة جيدة، ذات اللون قميص حملها و ديارة ابنها لون السماء حيث استشهد تحتها.
خاننا الوقت والطرقات والسماء واستدعائي المتأخر خائن أيضاً. طلقة بعد طلقة انقبض رحمها؛ مثلما انقبض قلبها ساعة استشهاد سامر، طلقة أخيرة انسدل الأزرق، وانسدلت السماء وقلبي و قلب العروس. …حملت ذنب أزرق، وجهه أزرق القهر، بوجه أمه.
كيف لرحمها أن ينقبض وثديها يدر حليب بفم وليد ميت ؟!!!!
عدت أدراجي، مرورا بالحاجز مباشرة، أخبرني المجند أنه لامجال هذه المرة للمرور دون أن يفتش الضابط السيارة، وجاء عجلا:
-شو مدام مو معبرة حدا ماعم ننام لنحميكم و أنت تخالفي التعليمات ؟)
قلت له: لا تضيع وقتي، عندي ولادة بالعيادة، وحياتها برقبتي.
رد بإستهزاء: شو شوفير و بلا …..و معصبة كمان!
لم يكن باستطاعتي عمل شئ سوى، أن أتناول هاتفي المحمول، موهمة إياه أني سأتصل بأحدهم، و قلت له جملتهم الفاسدة المشهورة “أنت عارف مع مين عم تحكي”.
كانت هذه الجملة، كفيلة أن تجعله يحسب ألف حساب، وتراجع للوراء، أعاد صفع المجند! و قال له آخر مرة بتوقف المدام (هاي من عظام الرقبة )!!!!!
وصلت العيادة. صرفت السائق الذي ينتظرهم، لأني سأعيدهم لأطمئن على من تركت خلفي.
دخلت العيادة؛ الولادة نائمة بعيون مفتوحة، والأم تحوج بصدرها للأمام والوراء بقلق كبير.
كان الطلق يتقارب والأمور تحت السيطرة، إلا حالتها النفسية، لكن عيناها تبث لي ثقة بصمت، فجأة اختلف الألم ودفق دم أحمر قانئ، عرفت أن المشيمة انفكت قبل الولادة، سكين الموت لم تصم تلك الليلة؛ فهل اكتفت ؟!
كان اسمها أملاً، لم أتوقف لحظتها عن الكلام، مارست كل سحري النفسي مع الأدوية، لأنقلها وجنينها لبر السلام ،،،،،،
امل كانت مثبتة نظرها على الجدار، تتابع شريطا سينمائيا لذكرياتها، قطعته بأسناني، كي أعيدها لولادة طبيعية. تابعت اللعب بروحها بضخ لأسئلة مستفزة.
أمل: هل تريدين قتل عبد القادر مرتين؟!
إنه صبي إنه عبد القادر الصغير ””’
تعتقدين أني أكذب؟
إنه صبي
إنه عبد القادر
لاتقتليه …تلك الليلة كفيلة أن أكتب عنها، وعما انتابني من مشاعر متناقضة، متنازعة الكثير الكثير من اختلاجات وانقباضات، لكن صرخة المرأة الخرساء، كانت كفيلة برفع السماء، انتصبت حبالها الصوتية، لتسند الأزرق عن عبد القادر الصغير.
وغطت صرخة الوليد على صوت الرصاص المسموع، صادراً عن الحاجز العسكري، كان دم أمل قد وصل باب العيادة، والدم على الحاجز سال أيضا …عندما أعدت أمل لمنزلها عرفت أن الجندي قتل الضابط، ولم ينجو هو أيضاً.

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

تعديلات في قانون الأحوال الشخصية السوري تتعلق بالمرأة

دمشق – مدار اليوم أجرى قسم الأحوال الشخصية في كلية الشريعة بدمشق، ...