الرئيسية / آخر الأخبار / فايز سارة يكتب: الصراع على الشرق السوري

فايز سارة يكتب: الصراع على الشرق السوري

الرابط المختصر:

فايز سارة

بعد نحو 7 سنوات من الصراع في سوريا، تحول الشرق السوري إلى محور صراع قوى إقليمية ودولية، تفاوتت أدوارها، وتعددت تدخلاتها في القضية السورية، وقد استجمعت قواها لتخوض معركة تبدو كأنها الأخيرة في الشرق من أجل مصالحها الأساسية؛ سواء عبر وجودها المباشر، أو عبر حلفاء أو أدوات محلية تمت مقاطعة أهدافها مع أهداف القوى الإقليمية والدولية.
تمتد منطقة الشرق السوري من محاذاة خط المدن الوسطى في حمص وحماة وإدلب وحلب، وتتجه شرقاً لتضم في حدودها منطقة البادية السورية، وصولاً إلى الحدود العراقية، وتتواصل المنطقة من خط التيفور – تدمر، إلى الميادين – البوكمال على الحدود مع العراق شرقاً، ثم تصعد شمالاً باتجاه الحدود السورية – التركية مروراً بمنطقة الجزيرة، وتضم هذه المنطقة مدناً أبرزها تدمر والرقة ودير الزور والحسكة، إلى جانب مئات من القرى والبلدات.
وتحوي المنطقة أهم الثروات الباطنية في سوريا؛ من مناجم الفوسفات، إلى الملح الصخري، إضافة إلى حقول النفط والغاز، التي تشكل الثروة النفطية لسوريا، وفيها خزان الإنتاج الرئيسي للحاصلات الزراعية؛ إذ هي المورد الرئيسي للقمح، والمركز الرئيسي لإنتاج الأقطان، إضافة إلى أنها المجال الرئيسي للثروة الحيوانية، لا سيما الأغنام، وفيها أهم المجاري المائية في البلاد، وعلى نهر الفرات الذي يقطعها من الشمال إلى الوسط قبل أن يتجه شرقاً إلى العراق، يقوم سدا «تشرين» و«الفرات»، ويولد الأخير منهما القسم الرئيسي من الكهرباء في سوريا.
وتتواصل أهمية الشرق السوري في تركيبته الديموغرافية. ورغم وجود أغلبية عربية من السكان هناك، فإن فيه أكبر تجمعات للسوريين الكرد، خصوصاً في محافظتي الحسكة والرقة، كما أن بين سكانه نسبة من المسيحيين السوريين من الآشوريين – السريان والأرمن، إضافة إلى جماعات عرقية أخرى بينهم التركمان، وقد نشطت فيه منذ النصف الثاني من القرن العشرين الأحزاب السياسية العربية والكردية والآشورية – السريانية، وشكلت غنى سياسياً فاق أغلب المناطق السورية الأخرى.
وبين المزايا الأهم للشرق السوري، أنه كان منطقة شبه مهملة، ومضطهدة، من جانب الحكومات السورية المتعاقبة، لا سيما في ظل سلطة حزب البعث وفي العهد الأسدي الذي امتد لنحو 50 عاماً مضت، وغابت عنه التنمية، وتحكمت به الأجهزة الأمنية، فاضطهدت سكانه الأكراد وهمّشتهم تحت شعارات قومية عربية كاذبة، واتهمت سكانه العرب بأنهم عملاء لنظام البعث العراقي، فعاشوا عقوداً من الملاحقة السياسية والأمنية والاضطهاد.
لقد جعلت الوقائع المحيطة بالشرق السوري المنطقة بؤرة للثورة على نظام الأسد، ولم يكن مصادفة انضمام المنطقة لثورة السوريين على النظام، ودخول عربها وأكرادها ميدان الثورة، التي شكلت دير الزور والقامشلي أكبر ساحات التظاهر السلمي فيها، قبل أن يدفع النظام السوريين إلى العسكرة والتسليح، مما فتح الأبواب على نمو وانتشار ظاهرة التطرف والإرهاب، فتمدد في المنطقة تنظيم داعش ليسيطر على منطقة واسعة، ليجعل من الرقة عاصمة له، ومن دير الزور معقلاً أساسياً، بالتوازي مع نمو وتمدد حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الذي يقود «قوات سوريا الديمقراطية»، والذي يسيطر على غالبية المنطقة الموازية للحدود التركية من الحسكة شرقاً إلى شرق حلب.
وبطبيعة الحال، فقد جاء تمدد جماعات التطرف في المنطقة على حساب انتشار قوات النظام وتشكيلات الجيش الحر في المنطقة، اللذين انحسر وجودهما في المنطقة إلى جزر محدودة، وسعت القوى الإقليمية والدولية للتشبيك معهما تحت شعار «الحرب على (داعش)»، فأقامت الولايات المتحدة تحالفاً مع «قوات سوريا الديمقراطية» للتمدد، وعززت تركيا وجودها هناك عبر تحالف «درع الفرات» لانتزاع موطئ قدم لها، وكثفت روسيا، بالتحالف مع نظام الأسد وإيران، عملياتها لتعزيز سيطرتها في المنطقة.
ونتيجة الجهود المتوافقة والمتناقضة في أغلب الأحيان للأطراف الدولية والإقليمية، تمت إعادة تشكيل خريطة السيطرة السياسية – العسكرية والاقتصادية على المنطقة، فانحسر فيها نفوذ «داعش»، لا سيما في الرقة، التي سيطرت عليها «قوات سوريا الديمقراطية»، وفي دير الزور التي استعاد النظام فيها القسم الذي كان يسيطر عليه «داعش»، فيما حافظت تركيا على وجودها الجزئي في غرب الفرات.
إن الأهم في النتائج السياسية للصراع في الشرق السوري، تكريس وجود الولايات المتحدة هناك من خلال حلفائها من «قوات سوريا الديمقراطية»، ويضمن لها هذا الوجود تحكماً سياسياً واقتصادياً بمنطقة الجزيرة السورية؛ بما فيها من مشاريع سياسية؛ أبرزها مشروع «قوات سوريا الديمقراطية» المعروف بـ«الإدارة الذاتية»، ومن قدرات اقتصادية تبدأ بمناطق إنتاج النفط في رميلان وكراتشوك، إلى مناطق إنتاج القمح والقطن. وحقق الروس نتائج لا تقل أهمية عما حصلت عليه الولايات المتحدة، وكان الأهم في ذلك سيطرتهم على منطقة تضم حقول إنتاج نفط وغاز وفوسفات، وانتشارهم في منطقة لم يكونوا موجودين فيها أصلاً، وهي حال الإيرانيين الذين كانوا طوال سنوات الصراع يعملون على الوصول من مركز وجودهم في دمشق إلى الحدود العراقية، وهي المنطقة التي كانت تقطع خط الوصل الإيراني من إيران عبر العراق إلى شاطئ المتوسط في لبنان، وقد تعززت سيطرة نظام الأسد على جزء من المنطقة بدعم حلفائه الروس والإيرانيين.
ورغم أهمية ما حصل من تغييرات في خريطة الشرق السوري من استجابة لمصالح الأطراف الإقليمية والدولية، فإنه لا يمكن الركون لهذه التغييرات واعتبارها الشكل النهائي، لما سيكون عليه المستقبل فيها، ويكمن ذلك في عاملين أساسيين؛ أولهما أن مسار الصراع في القضية السورية وفي الشرق السوري ما زال قابلاً للتغير والتبدل بفعل استمرار الصراع الذي لا تظهر له نهاية قريبة، وثانيهما أن مستقبل الشرق السوري محكوم بالتسوية النهائية التي ستؤول إليها القضية السورية، والتي سترسم مكانة وحجم كل الأطراف الحاضرة في الصراع على سوريا، وما يمكن أن تحقق وتضمن من مصالح، تضع مصلحة السوريين الحقيقية في آخر القائمة.

المصدر: الشرق الاوسط

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

“لم الشمل” يحرج ميركل ويعرقل الإسراع بتشكيل ائتلاف في ألمانيا

برلين _ مدار اليوم شكّلت قضية لم شمل اللاجئين إحدى نقاط الخلاف ...