الرئيسية / مقالات / موسى برهومة يكتب: عالم المظلوميات القاتلة

موسى برهومة يكتب: عالم المظلوميات القاتلة

الرابط المختصر:

موسى برهومة

مثلما نهضت الآداب والفنون والتراجيديات العظمى في التاريخ على المظلومية، كانت تستفيق بإزاء ذلك نزعات سياسية تتغذى على ذلك الإرث الذي يستثمر في الموت والتهجير والعذابات.
والتاريخ، بطبعه، صديق الحزن والفقدان والبكائيات الممتدة. منذ فجر الوجود البشري، كان ثمة حق يدمع مع صراع قابيل وهابيل عندما لم يقبل الرب، كما في السرديات الدينية، قربان قابيل فاغتاظ من أخيه وقام عليه في الحقل وقتله، فبقي صوت دم هابيل صارخاً في جهات الأرض. تلك المظلومية أسست لمفهوميْ الخير والشر، وعبّرت عن النوازع الأولى لدى الإنسان في مقاومة تعليمات السماء، ما أنتج ثنائية العقاب والثواب.
كانت المظلوميات سبباً مؤثراً في تحقيق المآرب والغائيات. هكذا، فعل المسيح الذي جسد بتسامحه الذي بلا ضفاف، مظلومية حوّلته أيقونة استطاع الفكر المسيحي أن يتخلّص من تداعياتها الوجدانية بسبب فيوضات العقل النقدي في أوروبا، بينما لم يستطع الفكر الشيعي، مثلاً، أن يتخلص منها، وظل يتغذى على مظلومية الإمام الحسين حتى يومنا هذا، فنشأ لدينا في الأدبيات والعلوم الإنسانية مصطلح «الكربلائية» الذي تعدى خطاب الشيعة، وصار صنواً للتراجيديا.
وبعدما أثخن خطاب المظلومية الشيعي التاريخَ، وأثقل فصوله بالمسؤولية الكونية عن مأساة الشيعة، وإقصاءاتها من السياسة والاجتماع ومناطق النفوذ، تحوّلت هذه المظلومية، بعد سقوط نظام صدام حسين، إلى مظلومية سنيّة.
ومن ثنايا هذه المظلومية انبثق حلم «داعش» الذي قّدم نفسه ممثلاً لأهل السنّة، واعداً ومتوعداً باسترداد الحضور السني، ما أدخل البلاد والعباد في محرقة طائفية لا حدود لتوحشها، وأدخل العالم في مرحلة جديدة من إرهاب يستعصي على المحاصرة والتصنيف، ويعصف بكل احتياطات الأمن وأجهزة الاستخبارات.
ولو لم تكن المظلومية ناجعة، لما تحقق للصهاينة حلمهم بإقامة وطن لهم في فلسطين، حيث تجلى الوجه الأشد بشاعة للمظلومية، عندما تحولت الضحية إلى جلاد وقاتل وسارق، فأنتجت مظلومية جديدة أبطالها الشعب الفلسطيني الذي ما زال يعيش فصول كربلائيته الأليمة.
في السنوات الأخيرة، اندلعت مظلوميات ملتبسة أرادت أن تكسو عظم الظلم «التاريخي» بلحم السياسة، فكان لها ما أرادت، فأصبح جنوب السودان دولة مستقلة في 9 تموز (يوليو) 2011، بذريعة التهميش، وغياب الديموقراطية، وطمس الملامح الثقافية والدينية لأهل الجنوب. لكنّ هذا «الحلم» سرعان ما تحوّل إلى كوابيس جعل البلد المستقل حديثاً فريسة حروب أهلية لم تجلب الأمن ولا السلم ولا الديموقراطية، وأصبح جنوب السودان ثاني أكبر دولة فاشلة في العالم، كما أظهر مؤشر الدول الهشة، العام الماضي.
وثاني الأحلام التي تأسست على المظلومية كان من نصيب الأكراد الذين خاضوا عبر التاريخ تجارب مؤلمة في سبيل الاستقلال وخلق كيان لهم، لكنّ رياح التاريخ لم تطاوع سفنهم، حتى سنحت الفرصة الأخيرة لتكون لهم دولتهم وعلمهم ونشيدهم، وهي خطوة قوبلت بالرفض والحصار من مراكز قوى كان بعضها حليفاً أثيراً للأكراد.
كان صدام حسين زعيماً متفرّداً في قراراته، يتخذ البطش والتنكيل وسيلة لتركيع خصومه، إذ جعل من الأكراد أنموذجاً لا لقمع الحركات الانفصالية، بل لتركيع الشعب العراقي، بعد معركة «الأنفال» وقصف مدينة حلبجة بالأسلحة الكيماوية عام 1988. لكنّ حكومة حيدر العبادي، لم تكن أقل رأفة في التعامل مع طموح الأكراد إلى الانفصال، فحرّك الجيوش والحشود، واستعاد زمام الأمور، لا شجاعة منه، بل لأنه محمول على دعم منقطع النظير من إيران وتركيا والولايات المتحدة وأطراف أخرى، باستثناء إسرائيل، ترى في الحلم الكردي بالاستقلال كابوساً يقضّ مضاجع مستقبلها.
سيواصل الأكراد مظلوميتهم التي لم تفسّخها هذه المرة تحالفات السياسة والمصالح وحسب، بل أصابتها شظايا الانقسام الداخلي في كردستان، حيث تبادل أركان الحكم في أربيل اتهامات بـ «الخيانة»، بعدما استعاد الجيش العراقي آخر منطقة تحت سيطرة «البيشمركة» في كركوك.

المصدر: الحياة

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

رضوان السيد يكتب: السلاح الإيراني في لبنان

رضوان السيد ينعقدُ مجلس وزراء الخارجية العرب يوم الأحد في 19/11/2017 للنظر ...