الرئيسية / آخر الأخبار / أديب البردويل يكتب:الاجـــتـرار

أديب البردويل يكتب:الاجـــتـرار

الرابط المختصر:

أديب البردويل

بعد انحسار الثورة عسكريا، بدأت مشاريع بناء الوطن السوري الجديد، تنهمر نظرياً بأشكال عديدة ومختلفة الأسماء والاشكال والصفات. هذا يريده وطناً علمانياً ليبيرالياً، والآخر حدده بوطن الديمقراطية والمواطنة والمدنية، ومنهم من هدد بانسحابه من هذه المعمعة التثاقفية، إن لم تحذف من الدستور المادة التي تقول: إن الفقه الاسلامي مصدر رئيسي للتشريع، وهناك من أكد على تصنيع شعب سوري جديد مدني ومتقدم غير الشعب الحالي المتخلف والعاصي على التقدم.
دفاعاً عن بقائهم على قيد الحياة تلبَّس مثقفونا اشكالاً جديدة، بعد ان نزعت عنهم الثورة أرديتهم الرثة:
الكل صار يهرج بالديمقراطية، الماركساوي والإسلاموي والقومجي، وكلٌّ على هواه. العلمانوي يتباهى أمام الآخرين، ويغمز للإسلامي بتحجيم الدين وخلعه عن الدولة، والإسلاموي يعيد له كيده، ويتمسك بصندوق الإقتراع مستندا على تأكده من ميول الشارع إليه. أما القوماوي, ولأنه لا يمتلك ايديولوجيا واضحة، وبقي طوال عمره السياسي الخاوي، لائذاً بشعارات تهويشية على جميع الأصعدة، فلا سبيل لوجوده سوى أن يكون محتالاً، يضرب الإسلامي بالماركسي، ويهمس بأذن كل واحد على حدى بأنه عضيده. هكذا كانت سياسة حافظ الأسد، يهدد الكل بالكل ،لكي يبقى المرجع الآمن لهم جميعاً. وجميعهم ينتمون إلى مكونات ذهنية واحدة، ذات بعد أحادي ومنغلق بكيانه اللاعقلاني والموتور بطبيعته.
هذا التحول الذي طرأ على مكوناتنا السياسية العتيدة، لم يتناول جوهرها القائم على ذهنية إيمانوية، ولكي يمرر أصحابها دوغمائيتهم، زركشوا ألسنتهم بمفردات عصرية وحديثة لتغطية عقولهم ذات الآيديولوجيات العنترية، التي لاتستطيع العيش بلا ولي فقيه ديني أو دنيوي، رغم خلافاتهم على ألوانه وأوصافه الإسمية.
أما التجمعات الديمقراطية والليبيرالية القليلة، التي تحاول جاهدة، أن يكون لكونها معنى، ورغم أهمية وجودها، إلا أن دروس الثورة وإمكانيات الواقع الجديد، التي تشكلت بضرورة الدم والموت، بقيت غريبة عن فهمها ووعيها كما يجب.
ذات الشعارات العتيدة، التي جهّلت عمراً سورياً طويلاً بسياسات، لا تفهم ولا تحمل هم الناس، ولا علاقة لها لا بأهلها، ولا بمكوناتهم الإجتماعية عيشاً وفكراً.
تحولت المعارضات الى معارض مزدحمة اللوحات، الكل يستعرض ما اشتهاه وما هواه، وكأن ما صنعته غزارة الدم السوري من ملامح إنسانية للمستقبل، لا تحتاج إلا لوجودهم المسبق الصنع ومبالغاتهم المزخرفة بفنتازيا، تنطوي على مكر طائفي، وتخلف مازال يحتل عمق كوامنه..
لكن وللأمانة، يمكن لمن يهمه الأمر، أن بجد بين هذا التراكم ماهو معقول في منطق الواقع، يلامس شيئاً مشجعاً من تلبية مستلزمات حاجاته على الصعيد الفكري والسياسي. إلا أن الجميع تقريباً، لم يتطرقوا الى قوائم الطريق المتمثل بالحامل الاقتصادي للوصول به وعليه للمبتغى، على اعتباره الحصان الضرورة الذي سيدفع المهمات الوطنية باتجاه انجازها.
لا أعتقد أبداً، أن الثورة البلشفية في روسيا كانت لتنجح، لولا تمويلها من قبل المليونير الامريكي “واربورج” وهو صاحب مصرف كبير، وكان يحمل اسمه، كما أن أولاده الذين كانوا يعيشون في ألمانيا، ويديرون فروعا لنفس مصرف أبيهم، قد دعموا مالياً ليس الثورة البلشفية فحسب. بل ثورة المنشفيك من قبلها. هذا بالإضافة إلى كبار من أقطاب المال والمصرفية: كتاب “حكام روسيا” للأب دنيس.
قد ينهض أحد ليعترض ويقول:
ها هي الثورة السورية، لماذا لم تحقق انتصارها رغم ملايين الدولارات، التي انهالت على ممثليها العسكريين والسياسيين وفي طيات احتجاجه أملٌ مقهورٌ إلى حد التلاشي، وهو بذلك يشير إلى لصوص الثورة ونهب مالها الذي لو أتى لمكانه الصحيح لكانت سوريا الآن على أبواب زمن آخر.
في ظل غياب قيادة سياسية، تمتلك من الوعي والأخلاق والقيم المناسبة، تكون الضابط الأمين لأهداف ثورة الشعب السوري العظيمة، آخذةً بعين الإعتبار ضرورة تمكين المشوار القادم للثورة من جوادها الاقتصادي، سوف يكون كل ما يحصل من محاولات تنظيرية تؤسس لمرحلة جديدة في الحياة السورية هرجاً واجتراراً، قد يؤدي إلى دخول مرحلة طويلة من الضياع والذل والإرتهان.

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

“الجيش الوطني”: ننتظر تفاهمات تركية روسية للتحرك لقرى شمال حلب

حلب _ مدار اليوم أكد المتحدث باسم الجيش الوطني السوري المقدم محمد ...