الرئيسية / مقالات / صلاح حسن يكتب: عن الجرح النرجسي الكردي

صلاح حسن يكتب: عن الجرح النرجسي الكردي

الرابط المختصر:

صلاح حسن

في خطاب تنحيه، وزع مسعود بارزاني إخفاقه على أميركا والمجتمع الدولي وبغداد وغريمه حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، واصفاً عدم قتاله القوات العراقية الاتحادية بالخيانة العظمى. يتجلى هنا الجرح النرجسي للزعيم الكردي بطريقة صارخة حين ينأى بنفسه عن كل الأخطاء التي حدثت قبل وبعد الاستفتاء، من دون أن يعترف بأي خطأ ارتكبه شخصياً.

وبدل أن يتحدث عن الرفض الدولي والإقليمي والداخلي للاستفتاء ولو حتى بالإشارة، ألقى باللوم على الأصدقاء والأعداء والأهل ليردد ما يردده كل كردي في لحظات الفشل: “ليس للكردي غير الجبل”. مريدو الزعيم عانوا الجراح النرجسية ذاتها والتي ربما كانت أكثر تورّماً، فاقتحموا، بعد خطاب زعيمهم، برلمان كردستان واعتدوا على مسؤولي الأحزاب الكردية الأخرى واحتجزوا البعض الآخر وقتلوا صحافياً طعناً بالسكاكين لأنه يغطي أخبار التنحي لقناة كردية أخرى.

فات الزعيم ومريديه، وبسبب الجرح النرجسي هذا، أن من وصفهم بالخيانة العظمى كانوا شركاء لسنوات طويلة وحتى الأيام التي سبقت الاستفتاء. كان الجرح النرجسي للزعيم ثاوياً حين استعان بصدام حسين لدحر قوات حزب الاتحاد الوطني أثناء التناحر الداخلي على المعابر الحدودية وراح ضحيته أكثر من مئة وستين ألف كردي.

مشاعر الندم لا يمكن إسكاتها عند المجروح نرجسياً حتى لو تطلب ذلك اغتيال القانون من أجل التمسك بالسلطة والاستمرار والبقاء والاستقلالية. ليس هناك سبيل لترميم الذات المجروحة سوى الوعود الغامضة التي لا تتطلب تضحيات في المستقبل كما أوحى الزعيم في خطاب تنحّيه حين قال إنه سيعود “بيشمركه”، أي مقاتلاً ثائراً مثلما كان في السابق. هذا هو التثمير الهذائي الجارح للهزيمة لأن صاحب الجرح النرجسي غير قادر على تقديم أي مقترح يدعو إلى المصالحة مع الذات أو مع الآخر.

فالعلاقة بالآخر هنا تبدو تأثيمية وانتقامية هذائيّاً لأنها علاقة صراع غير متكافئ بين قطبين كلاهما يدعي أنه على حق والآخر على خطأ، بالتالي فالمهزوم لم يكن السبب في الهزيمة، بل خيانة الشريك في المصير. حتى اللغة هنا عند المجروح نرجسياً تنقلب على نفسها وتبدو نفعية أكثر من كونها ناجحة أو مقبولة أو معترفة بما يخفض سقف الصراخ الداخلي للذات.

يعرف الزعيم المنتهية ولايته أن الاستفتاء يحتاج إلى بطل استشهادي يخترق الزمان والمكان ويرتفع فوق الواقع والقيم والتاريخ والجغرافيا، ولا يحتاج إلى بطل واقعي يفهم الاستراتيجيات وحركة التاريخ ومصالح الأمم، لذلك قامر بكل شيء ولم يحصد من جراء هذه الفعلة سوى الخسارة الفادحة للشعب الكردي المظلوم. هل هناك عصاب فردي أكثر من هذا؟

سيعود الزعيم كما كان سابقاً “ثائراً”، في تراجع وتكيّف نكوصي، إلى حالة الاكتئاب والتشاؤم مما سينسحب على أمة بأكملها. ولن تتوقف مشاعر الندم قريباً، ولن يثوي الجرح النرجسي طويلاً في تلافيف اللاوعي، بل سيكون هناك الكثيرون من اللاعبين الذين سينكأون هذا الجرح كلما سنحت الفرصة، وما أكثر الفرص اليوم!

المصدر: الحياة

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

غازي دحمان يكتب: حينما اشترى العرب منظومة كذب

غازي دحمان استدعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مستشاره للشؤون العربية على عجل، ...