الرئيسية / ضيوف وزوار / هنادي الخطيب تكتب: الغوطة الشرقية والكذب الحرام

هنادي الخطيب تكتب: الغوطة الشرقية والكذب الحرام

الرابط المختصر:

هنادي الخطيب

للأمم المتحدة “كتالوج” خاص تستخدمه للقلق، قلقة، قلقة بشدة، قلقة وتُطالب..

آخر الأحداث التي أقلقت الأمم المتحدة كان الأوضاع الإنسانية للمدنيين المحاصرين في الغوطة الشرقية.

400 ألف مدني مسجون في الغوطة الشرقية لسنوات، استدعى بعض القلق من الأمم المتحدة.

400 مدني مات بسبب نقص الغذاء والدواء خلال 5 سنوات حصار من الغوطة، فقلقت الأمم المتحدة.

400 مريض، بينهم 29 يواجهون خطر الموت، جعل الأمم المتحدة تتفوق على القلق وتنتقل لمرحلة المطالبة.

لنقف قليلًا قبل أن نسترسل باجترار أحزاننا، لأن الأمم المتحدة لم تُغيّر “”كتالوج” القلق منذ بداية الثورة في سورية، ما الذي تغير اليوم لنطالب المجتمع الدولي بأن يغير سياسته.

أطلق نشطاء صحافيون قبل فترة ليست طويلة، حملة تحت هاشتاغ “الأسد يحاصر الغوطة”، فهل الأسد لوحده هو من يحاصر الغوطة؟

من المعروف أن من يحاصر الغوطة الشرقية هم ثلاثة أطراف رئيسية، النظام السوري، الفصائل الرئيسية “جيش الإسلام” و”فيلق الرحمن”، والتجار الذين يعملون مع الفصائل والنظام في آن واحد، وتحتاج عملية إدخال البضائع إلى الغوطة الشرقية إلى موافقة الأطراف الثلاثة، وإن سألت أي سوري من الغوطة عن “المنفوش” التاجر الأشهر هناك، لسرد سيرته الذاتية ولأعطى أرقام خيالية عن ثروته التي جمعها خلال الثورة والحصار.

الفصيلان المتحكمان بقوافل البضائع الداخلة والخارجة من الغوطة “جيش الإسلام” و”فيلق الرحمن”، واللذين يخبئان في مخازنهما الطعام والبضائع ويفرضان النسب والأتاوات على كل ما سيدخل أو يخرج من البضائع، مع النظام الذي يسيطر على معبر الوافدين، والذي يغلقه حاليًا بانتظار المزاد بين التجار، والتاجر الذي سيدفع أكثر للنظام وللفصيلين هو التاجر الذي سيربح المعبر.

تزدهر تجارة الدولار في الغوطة، فالفصائل شريك أساسي بتجارة العملة، والفصيلان الأقوى لهما مكاتب تحويل وتصريف عملة “مكتب رحمة” تابع للفيلق و”مكتب المتحدة” تابع لـ “جيش الإسلام”.

وكما المعتاد، في كل حصار، تزدهر الفرق “التطوعية”، وتبدأ الصور الفوتوغرافية للألم السوري بالانتشار على الصفحات مع التشجيع على التبرع، والغوطة لا تزال من سنوات الألم المتجدد والحصار المستمر، ومع إعلان بعض الفرق التطوعية التي تجمع الأموال لصالح الغوطة وصول مبالغ الإغاثة إلى ما يزيد عن المئة ألف دولار، من المنطقي أن نسأل، كيف ستدخل الأموال إلى هناك في ظل الحصار؟

الطريقة الوحيدة لإرسال المال من تركيا أو أي بلد آخر إلى داخل الغوطة هي عبر أحد التجار، فيتم تسليم المبلغ لمكتب التاجر في الخارج، ومن ثم يسلم إلى مندوب الفريق التطوعي داخل الغوطة، والنسبة التي تؤخذ على التحويل هي 25%.

تحويل الأموال من الدولار لليرة تجري عبر مكاتب الفصائل داخل الحصار، والآن السؤال الأهم ماذا يشتري ألف دولار في الغوطة والذي يعادل حوالي 480 ألف ليرة سورية؟

يمكن الحصول على عشر أو خمسة عشر وجبة بأسعار الغوطة، إذ يصل سعر كيلو السكر إلى 9 آلاف ليرة مثلًا.

أما عن المساعدات التي تُشرف عليها منظمات أممية، حدّث ولا حرج، الكميات الضئيلة والتي تبدو كمن يرمي حجرًا صغيرًا في بحر واسع، ويجتمع الجميع ضد السوري في الغوطة، الأمم المتحدة، الفصائل أبناء المنطقة، النظام القاتل، والتجار بالطبع.

للغوطة الشرقية قوانين لا تشبه قوانين أي منطقة سورية أخرى، فكل جمعية أو مؤسسة إغاثية -ومنها التابعة لفرق تطوعية خارج سورية- تقتطع من الأموال الواردة 35% تحت بند مصاريف تشغيلية ورواتب، وإن كنا لا نستطيع أن نجزم أن هذه المؤسسات تابعة للفصائل بالكامل، إلا إنها مضطرة أن تجاريها.

مَن المستفيد الحقيقي إذًا، من المؤسسات الإغاثية والأموال التي يتم جمعها لإرسالها إلى الغوطة، عدا التجار الذين يدخلون السلع بأسعار خيالية، والفصائل التي تأخذ نسبتها من الأتاوة على كل ما يدخل، والنظام بالطبع الذي يقبض نسبته من رأس الكوم.

حصار الغوطة من قِبل نظام الأسد قائم منذ خمس سنوات، ويمكننا في هذا السياق أن نسأل الائتلاف الذي أصدر بيانًا مؤخرًا طالب فيه الأمم المتحدة بإلقاء المساعدات جوًا إلى غوطة دمشق الشرقية جرّاء “اشتداد حصار النظام”، هل النظام وحده من يُحاصر الغوطة؟ وهل تصريحات الائتلاف حول “تحركات سياسية وقانونية لفك الحصار عن الغوطة الشرقية” يكتسب طابع الجدية أم أنه يأتي تحت تصنيف “بروباغندا إعلامية” أو “ذر الرماد في العيون”؟ أو ربما جاء على سبيل المزاح لا أكثر.

ألا يعرف الائتلاف الذي يُشارك بتسويق المعلومات غير الدقيقة والذي طالما عاد علينا بنتائج سيئة لجهة لا مصداقية إعلام الثورة، أن الأتاوة التي يتم دفعها للحواجز تتراوح بين 300 و500 ليرة عن الكيلو غرام، وألا يعلم الائتلاف وحكومته الانتقالية أن الفواتير التي تُسلم للتجار في الغوطة لا تحتوي على اسم المنفوش مثلًا (تاجر الحرب الأشهر في الغوطة) ومحتكر بضائعها والمتعاون مع الفصائل والنظام، وإن كنا نتحدث عن المنفوش ببعض التفصيل فلأنه الأشهر والأكثر ثروة واحتكارًا للبضائع.

الغوطة لم تتضور جوعًا فقط الآن، صرخات أنين الجوعى والمظلومين يجرح صمت الهواء، لكن لا سبيل له إلى آذان من يملكون أن يفعلوا شيئًا، فمعادلات قادات الفصائل الذين قفزوا على الثورة، ومعادلات التحاصص في مؤسسات المعارضة، ولعبة النظام الكيماوي ما بين الجميع، وكون جوع أو مأساة السوريين صارت أمرًا قانونيًا فيما يسمى مجتمعًا دوليًا، لعل السجن يمتد ليشمل هواء الغوطة المجروح بأنين أطفالها بين شجر مشمشها اليابس وسماءها التي لا تشبه أي سماء.

المصدر: جيرون

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

سيف: مصير الاسد محسوم ومؤتمر الرياض سيعزز موقفنا بجنيف

اسطنبول _ مدار اليوم اعتبر رئيس الائتلاف الوطني السوري، رياض سيف، أن ...