الرئيسية / مقالات / عبد الحسين شعبان يكتب: في النقاش حول الدولة المدنية

عبد الحسين شعبان يكتب: في النقاش حول الدولة المدنية

الرابط المختصر:

عبد الحسين شعبان

حتى الآن لا تزال فكرة الدولة المدنيّة تشهد نقاشاً واسعاً وجدالاً حاداً بين تيّارين متصارعين، لدرجة أنها تثير التباساً شديداً وغموضاً كبيراً، يتوزّع بين المدنّس والمقدّس وبين التنديد والتأييد، لأن الخلاف حول المفهوم قاد في جزء منه إلى صراعات بعضها عنفي، لتعلّقه بالحقوق والحرّيات وادّعاء الأفضليات والزعم بامتلاك الحقيقة، والسبب في ذلك هو المأزق التاريخي والثقافي الذي وصلت إليه الدولة العربية الحديثة ما بعد مرحلة الاستعمار، بمختلف مسمّياتها: محافظة أو ثورية، يمينية أو يسارية، جمهورية أو ملكية، دينية أو علمانية.
ولعل النقاش يشتبك حالياً، مع فكرة الدولة أساساً، قبل توصيفاتها الأخرى من حيث هي دولة أولاً، ولها واجب حفظ أرواح وممتلكات الناس وحفظ النظام والأمن العام ثانياً، لأنها مهدّدة بالتفتّت، سواء كانت دولة ثيوقراطية أو أوتوقراطية أو أُليغارشية أو دولة دينية أو علمانية أو «منزلة بين المنزلتين»، بنظام رئاسي أو برلماني، وبدستور جامد أو مرن.
وإذا كان ظهور الدولة القومية قد تعزّز عشية الثورة الصناعية وبُعيد الثورة الفرنسية العام 1789، فإن فكرة الدولة المدنية، سواء ورد هذا المصطلح أو لم يرد في أدبيات العلوم السياسية، لم تظهر على الساحة إلّا في وقت متأخّر، وخصوصاً خلال العقود الثلاثة الأخيرة في العالم العربي، ولاسيّما بعد موجة ما سمّي ب «الربيع العربي»، لذلك فإن المصطلح أثار ويثير مثل هذا التجاذب والتعارض والأخذ والردّ، لأنه لم يتم تبيئته أو توطينه بعد في دولنا ومجتمعاتنا، بما يتناسب مع الخصوصية الدينية والثقافية.
والدولة المدنية بهذا المعنى هي اتحاد أفراد يعيشون في مجتمع يخضع لمنظومة من القوانين مع وجود قضاء يرسي مبادئ العدالة في إطار عقد اجتماعي، تتوافق فيه إرادات المجتمع. والمدنية تتأتّى من كون الإنسان كائناً مدنياً بطبعه، وبالتالي فإن القواعد التي تنظّم حياته وعلاقاته ستكون مدنيّة، وهو مفهوم أخذ به أرسطو وابن سينا وابن خلدون ومونتسكيو وغيرهم.
ومن خصائصها التمييز بين الحقل العام أو الفضاء العام والفضاء الخاص، وعدم خلط الدين بالسياسة، وليس من وظائفها معاداة الدين، كما يذهب إلى ذلك خصومها، لكن من واجباتها وضع مسافة واحدة بينها وبين الأديان، وعدم السماح باستغلال الدين أو استخدامه لأغراض سياسية أو خاصة، مع تأكيد الاحترام لجميع الأديان وحق الإنسان في العبادة وممارسة الشعائر والطقوس بحرّية ودون قيود، إلّا بما يحدّده القانون بعدم التجاوز على حقوق الغير.
ويثور بشأن فكرة الدولة المدنيّة رأيان، الأول، وهو ما أُطلق عليه الرأي الإنكاري الذي يعتبر وجودها والإقرار بها سيُبعد مجتمعاتنا عن الدين، ويعتبر هذا الرأي كل شيء موجود في شريعتنا بما فيه فكرة الدولة المدنيّة، «وإن بضاعتنا ردّت إلينا»، وهو يرفض الانفتاح والتفاعل مع التراث القانوني والدستوري العالمي، انطلاقاً من نظرته إلى نفسه وارتيابه من الغير في إطار دائرة نسقيّة مغلقة.
أما الرأي الثاني، فهو ما اسمّيه الرأي التغريبي الذي يعتبر التراث معوّقاً لدخول دولنا ومجتمعاتنا عالم الحداثة والتقدّم، وحسب وجهة النظر هذه: إذا ما أردنا ولوج عالم الحداثة أو ما بعدها، فعلينا بالقطيعة الأبستمولوجية (المعرفية) مع التراث والماضي. ويواجه هذا الرأي المتطرّف، رأي آخر مغرق في رجعيته وانغلاقه، يستخدم «الإسلام وتعاليمه السمحاء ضد الإسلام»، وهو ما ندعوه «بالإسلاملوجيا»، كما هي التنظيمات الإرهابية التكفيرية. وعلى النقيض منه هو التوجه الاستشراقي الذي نطلقُ عليه «الإسلامفوبيا» أي «الرهاب من الإسلام»، وهي فكرة استعلائية ضد الإسلام، باعتباره ديناً يحضّ على العنف والإرهاب حسب وجهة النظرة هذه.
وأياً كانت الآراء والدعوات بالإنكار أو بالتغريب أو غيرها، فإنها جميعها بعيدة عن مفهوم الدولة المدنيّة، التي تقوم على العقلانية واستيعاب التراث وإسهامات المبدعين المسلمين لتجاوز الإنكارية والإقصائية الاغترابية في آن. وهو الأمر الذي يحتاج إلى تطوير النقاش بشأن بعض قواعد الحكم في الإسلام، سواء ما يتعلّق بمبادئ الشورى والاستخلاف والبيعة و«أهل الحلّ والعقد»، وصولاً إلى الديمقراطية وقواعدها العامّة، مع مراعاة الخصوصيات واحترام الهوّيات.
إن مفهوم الدولة المدنيّة يتجاوز دولة الخلافة ودولة الولي الفقيه ودولة الحق الإلهي ودولة التصوّر الداعشي، كما أنه يتجاوز الدولة العلمانية الإلحادية التي لا تقيم وزناً للدين ولا تعطي للأديان ما تستحقّه، لاسيّما عبر التفسير الأحادي المادي للتاريخ. ويمكن للدولة أن تكون مدنيّة بخلفيات دينية، سواء مسيحية أو مسلمة أو بوذية أو غير ذلك، ومثالنا تركيا والهند وماليزيا وغيرها.
وإذا كان الحديث والنقاش يدور بين النخب الفكرية السياسية، فإن جزءاً منه انتقل إلى الشارع، في الجامعة والإعلام والمنابر والحشود الشعبية، ولذلك حسناً فعلت وزارة الثقافة الأردنية بالدعوة إلى مؤتمر لتخصيب النقاش وتوليد الأفكار، خصوصاً أن الملك عبد الله الثاني، كان قد طرح فكرة الدولة المدنيّة في إطار الواقع الأردني، الأمر الذي يحتاج إلى مقاربات متنوّعة وتجارب عديدة تشكل خلفية لذلك، ويمكن الاستفادة منها دون استنساخها أو اقتباسها حرفياً.

المصدر: الخليج

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

السيد ولد اباه يكتب: الليبرالية المحافظة.. خياراً للعالم العربي

السيد ولد اباه، بعد فشل التجارب «الاشتراكية» التي عرفتها جل الجمهوريات العربية ...