الرئيسية / ضيوف وزوار / مزون المليحان تكتب: الإنصات لصرخات الأطفال اللاجئين

مزون المليحان تكتب: الإنصات لصرخات الأطفال اللاجئين

الرابط المختصر:

مزون المليحان

لازلت أذكر تماماً ذلك اليوم الذي قرر فيه والدي مغادرة سوريا، كان بتاريخ 27 فبراير 2013. ولم أكن أرغب بمغادرة وطني الذي أحبه، وفيه قضيت طفولتي، وهو يختزن ذكرياتي. وكنت حزينة لمفارقة صديقاتي وابتعادي عن مدرستي. وكنت أعلم أنني لو توقفت عن متابعة الدراسة فسأفقد مستقبلي.

وقبل أن نغادر بيتنا في درعا، طلب والدي من كل منا أن يجمع الأشياء التي يحتاج إليها أكثر من غيرها، على أن لا تكون ثقيلة. وقررت بيني وبين نفسي أن أجمع كتبي المدرسية إذ أدركت أن التعليم يمكن أن يمثل أكبر قوة أستطيع امتلاكها في حياتي. وسرنا على أقدامنا حتى وصلنا الحدود الأردنية. وكنت أحمل حقيبتي المدرسية، لكن والدي لاحظ أنني كنت أنوء بثقلها، فسألني إن كنت أحتاج للمساعدة. وعندما حملها بدلاً مني، قال لي: «إنها ثقيلة جداً، فما الذي أتيت به معك؟». فأجبته: «إنها كتبي». وشعر والدي بالصدمة، وقال لي: «هل جننت؟»، فقلت له: «إذا لم أجد مدرسة في المخيم، فسوف أواصل تعليمي من خلال قراءة هذه الكتب».

وعندما وصلنا إلى مخيم الزعتري في الأردن، شعرت بالصدمة عندما علمت أنه من الصعب بدء الحياة هناك انطلاقاً من اللاشيء. ولاحظت أن الحياة في المخيم تختلف كل الاختلاف عن تلك التي كنت أعيشها في بيتنا قبل النزوح. ولم تكن لدينا كهرباء، وكنا ننام ونأكل وندرس ونستقبل ضيوفنا داخل خيمتنا التي نعيش فيها.

وكان قلقي الأكبر يتعلق بالتعليم. وكنت أسأل الناس عما إذا كانت هناك مدرسة يمكنني الانتساب إليها. وفي اللحظة التي علمت فيها أنه بإمكاني متابعة تحصيلي المدرسي، أدركت أنني سأواجه الكثير من التحديات. وتأكدت عندئذٍ أن تحقيق هذا الهدف لا يمثل نهاية القصة بل بدايتها.

وظننت أن كل الأطفال سوف يشعرون بالسعادة لتمكنهم من العودة إلى المدارس، لكن الحقيقة كانت غير ذلك. ومعظم اللاجئين من العائلات والأطفال في المخيم أصبحوا يعتقدون أن التعليم لم يعد يمثل أولوية؛ لأن الإنسان عندما يصبح لاجئاً لا يكون مهماً بالنسبة له أن يكون إنساناً متعلماً. ولقد شعرت بالحزن عندما علمت بذلك، لأنني مقتنعة بأن التعليم مهم جداً بالنسبة لي. وكنت مقتنعة أيضاً بأنه مهم لنا جميعاً. وأخبرت والدي بأنني عازمة على إقناع مجتمعي بأهمية التعليم.

وعندما بدأت هذه المهمة، علمت أن العديد من التحديات والصعوبات ستكون بانتظاري، وبأن معظم الناس لن يستمعوا إلى. لكني كنت مقتنعة بأن صوتاً واحداً سيكون قوياً بما يكفي لإحداث التغيير المنشود. ولم أكن أمتلك شيئاً آخر غير صوتي، ورحت أستخدمه في التحدث مع كل طفل، وكنت أطلب من كل أم وأب إعادة أبنائهم إلى المدارس واعتبار التعليم أولوية مطلقة. وكنت أتنقل من خيمة إلى أخرى لأدافع عن أولوية التعليم.

ولم يكن مخيم الزعتري يمثل المحطة الأخيرة لهذه المهمة التي نذرت نفسي لها. وبعد أن عشت هناك لفترة تجاوزت العام، غادرنا أنا وعائلتي إلى «مخيم الأزرق للاجئين السوريين»، والذي واجهت فيه التحديات والمصاعب نفسها التي صادفتها في «مخيم الزعتري». وبعد أن عشت أربع سنوات في الأردن تسنت لي فرصة السفر إلى بريطانيا.

وعندما وصلت إلى هناك كان يتوجب عليّ أن أبدأ كل شيء من جديد، ويوماً بعد يوم، كانت تبدو لي الأمور أكثر سهولة. ولم أنسَ أولئك الذين ما زالوا يعيشون في مخيمات اللجوء الأردنية والذين ليس لهم صوتهم المسموع. لهذا السبب كنت أحاول أن أرفع صوتي من بريطانيا حتى يسمعه العالم، ويشارك قصة أبناء وطني الذين حرموا من نعمة التعليم.

عمري الآن 19 عاماً، ومنذ شهر أبريل الماضي، سافرت بإشراف منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسيف» إلى العديد من البلدان، إلا أن أهم تلك الرحلات هي تلك التي انطوت عليها زيارتي الأخيرة للأردن والتي انطلقت منها مهمتي الأولى. وقابلت هناك فتيات رائعات قلن لي إنهن يرغبن بالعودة إلى سوريا للمساهمة في إعادة البناء. وقالت لي فتاة اسمها سارة عمرها 16 عاماً إنها تواظب على الذهاب إلى مركز «مكاني» التابع لـ«اليونيسيف» في عمّان. وأعربت لي عن حزنها لأنها لم تجد مكاناً لها في المدرسة وقالت: «لكنني سأواصل نضالي حتى أجد المقعد المدرسي». إنها بحق كلمات قوية، وأتوقع لسوريا مستقبلاً عظيماً مع أطفال واثقين من أهمية التعليم إلى هذا الحد.

وقد صادف يوم الاثنين الماضي «يوم الأطفال العالمي» الذي تنظمه الأمم المتحدة كل عام. وبهذه المناسبة، أطالب كل إنسان يقرأ رسالتي هذه بالآتي: من فضلك، ساعد الأطفال على تأمين احتياجاتهم، ومن فضلك، ارفع صوتك لمساعدة أولئك الذين لا يعرفون كيف يرفعون أصواتهم، ومن فضلك، دافع عن السلام والعدالة الاجتماعية. وليعلم الجميع أن التعليم هو السلاح المناسب لمواجهة كل هذه التحديات، وهو الأسلوب الوحيد لبناء سلام عالمي مستدام.

المصدر: الاتحاد

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

بوتين يكشف عن حدود انسحاب قوات بلاده من سوريا

اللاذقية _ مدار اليوم كشفت موسكو عن القوات التي ستسحبها من سوريا، ...