الرئيسية / ملفات / هزال أتاي تكتب: معارك المرأة التركية من أجل حقوقها الانتخابية

هزال أتاي تكتب: معارك المرأة التركية من أجل حقوقها الانتخابية

الرابط المختصر:

هزال أتاي

حصلت النساء التركيات، في 5 كانون الأوّل/ ديسمبر 1934، على حقّ التصويت في الانتخابات الوطنيّة، أي قبل حصول الفرنسيات عليه بعشر سنوات. ومنذ العام 1930 كانت التركيات يتمتعن بالفعل بحق التصويت والترشّح في الانتخابات البلدية؛ وقد انتُخبت أوّل امرأة زعيمة لقرية في 1933 في تشينيه في محافظة أيدين، وهي السيدة غول إيسين. إلا أنّ هذا التقدّم التاريخي سرعان ما اصطدم بالسلطة الأبويّة، كما الحال في كلّ مكان تقريباً، بحيث لا تزال مشاركتهنّ الكاملة في الحياة السياسية معركةً عليهنّ خوضها.
وفيما كانت الجمهورية الفتيّة التي تأسّست عام 1923 بزعامة مصطفى كمال (أتاتورك)، تحاول التخلّص من تقاليد السلطنة العثمانية التي تجاوزها الزمن، والتي كانت تُعتَبر أسباباً رئيسة لتراجع الأخيرة، أصبحت النساء رمزاً للجمهوريّة التركيّة، ولتطلّعاتها نحو التغريب والتحديث. بالتوازي، قُدّمت “النسويّة” التي ترعاها الدولة (“نسوية الدولة”) تحت راية الجمهورية وسط إصلاحاتٍ مهمّة في الحياة الاجتماعيّة للنساء، وجاء قانون الأحوال الشخصيّة التركيّ لعام 1926، المُنجز على نسق قانون الأحوال الشخصيّة السويسري لعام 1912، ليضع، في صيغته تلك، حدّاً لتعدّد الزوجات، مانحا للنساء الحقّ في الزواج المدني والحقّ في الطلاق إلى جانب حقوق زوجيّة متساوية. وإضافة إلى الحقوق الرسميّة للمرأة، تطوّرت أيضاً صورة النساء بالقدر الذي أصبحت معه صورة “المرأة الجمهورية” تتمثل في أيقونة للمرأة المتنوّرة والمتعلّمة، وجه تركيا المستقبل و”أمّ الأمّة التركيّة” الحديثة ذات الطابع الغربي.

حقّ أم منحة؟
على الرغم من نجاح “نسويّة الدولة” لفترة معيّنة، إلا أن محاولات الدولة نفسها أخذت تدريجياً في السيطرة على زمام الأمور، حتى أطبقت على قاعدة الحركة النسويّة. على سبيل المثال، تقول الرواية الرسميّة، منذ زمن طويل، إنّ حقوق المرأة في تركيا قد مُنحت بفضل الآباء المؤسسين، لا سيما بفضل أتاتورك (أب الأتراك) ورؤيته التقدميّة، من دون الإتيان على ذكر مطالبات النساء في الميدان، غير أنّ التأريخ النسوي الأحدث يدحض هذه الفرضيّة العمياء بكشفه الغطاء عن عمل المطالبات التركيات بحق المرأة في الاقتراع، منذ الأيام الأولى للجمهورية، وحتى قبل ذلك، في الأيّام الأخيرة للسلطنة.
قبل تأسيس الجمهوريّة، ومنذ العام 1922، كانت صحيفة “صوت النساء التركيات” التي يُصدرها اتحاد النساء التركيات، أعلنت أنّ زمن النساء قد حان: يعطون حقوقاً للرجال، والصمت للنساء. مع ذلك، في الديموقراطيّة، حقوق الرجال مهما كانت، يجب أن تكون حقوقاً للنساء (…) لا يمكنكم تقسيم الحقوق ولا تصنيفها. لقد آن الأوان.
وبيّنت بحوث بشأن تاريخ النساء المُغْفَل، أنّهن كنّ يدافعن عن الحقوق السياسيّة على قاعدة أنّ المبادئ الجمهوريّة والديموقراطيّة تتطلّب المُواطَنَة الكاملة للنساء، وبالتالي حقوقاً مساوية لحقوق الرجال. وفي صحيفة “صوت النساء التركيات”، نقرأ نزيهة محيي الدين، وهي رئيسة تحرير الصحيفة، وإحدى الشخصيات المركزيّة ضمن الحراك حول مطالبة التركيات بحق المرأة في الاقتراع، وهي تعبّر عن خيبة أملها إزاء الفترة الدستورية الثانية (1908-1919) التي فشلت في تغيير حياة النساء، على الرغم من الوعد بالحريّة والمساواة والتآخي الذي أتى به الأتراك الشباب (أو “تركيا الفتاة”) من فرنسا. وتشدّد على أنّه لا يمكن للإصلاحات القادمة تجاهل النساء طويلاً.

من الازدهار إلى الانهيار
بعد هذا الخذلان من الإصلاحات والثورات السابقة، أسست نزيهة محيي الدين في عام 1923 حزب نساء الشعب، إلا أنّ السلطات منعته، لكون النساء لا يملكن حقوقاً سياسيّة في تلك الفترة. فأصبح جمعيّةً أطلق عليها “اتحاد النساء التركيات” الذي واصل الدفاع عن القضية، لا سيما من خلال صحيفة “صوت النساء التركيات”. تُعلِم هذه الصحيفة النساء بعمل الاتحاد، وتقود نقاشات حول النسويّة، وتتابع حقوق المرأة في مختلف الدول. كما تنشر ترجماتٍ لمراسَلات عضوات الاتحاد، والمطالبات بحق المرأة في الاقتراع حول العالم. وإضافة إلى حقوق المرأة السياسيّة، والدفاع عن مشاركتها الفاعلة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، تدعو الصحيفة إلى حقّ المرأة في دخول الجيش، مسلّطة الضوء على ضرورة تربية البنات، كما الأولاد، على خدمة بلدهم والدفاع عنه.
ومنح البرلمان التركي، في 5 ديسمبر/ كانون الأول 1934، النساء حقّ التصويت في جميع الانتخابات الوطنيّة. ومباشرة بعد ذلك، دعا اتحاد النساء التركيّات إلى الاحتفال في ساحة بايزيد في إسطنبول. احتفلت النساء في الساحة، وأعلنت الصحف أنّهن حصلن على “الحقّ الأكبر”، وصوّتت النساء للمرّة الأولى في 8 فبراير/ شباط 1935، في استحقاقٍ أدى إلى إيصال 18 امرأة إلى البرلمان التركي، أي بنسبة 4.6% من أعضائه المُنتَخَبين.
ثم قرّر التحالف الدولي من أجل حقّ المرأة في الاقتراع (تأسّس عام 1904) أن يعقد مؤتمره الثاني في إسطنبول في قصر يلدز من 18 إلى 24 إبريل/ نيسان 1935، بمشاركة وفود نسائيّة من نحو ثلاثين بلداً. وبتقديمها تحية إلى تقدّم النساء التركيّات، وزعيم البلاد أتاتورك خلال المؤتمر، طالبت كوربيت آشبي، وهي رئيسة الاتحاد، بـ “الحريّة للنساء والسلام للبشريّة”. وكانت هذه الدعوة إلى السلام ستصطدم قريباً بصعود الفاشية وبالحرب في أوروبا.
بدأت الأجواء السياسيّة في تركيا تحمى تدريجياً، وحُلَّ اتحاد النساء التركيّات في عام 1935، مباشرة بعد مؤتمر المطالبات بحقّ المرأة في الاقتراع. وعلى الرغم من أنّ أسباب حل الاتحاد لم تُعرف أبداً، فقد طُرِحَت بعض الفرضيات، إذ انتُقدت التركيبة غير المتساوية للوفود، واتُّهم المؤتمر بالدعاية للحلفاء، حيث أنّ ألمانيا وإيطاليا والاتحاد السوفياتي لم تكن ممثّلة، وكان المؤتمر تحت سيطرة الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة وفرنسا. أعلنت رئيسة الاتحاد، لطيفة بكير، أنّ الجمعيّة قد بلغت أهدافها، حيث حصلت النساء على جميع حقوقهنّ في تركيا، واقترحت حلّ الاتحاد، وهو ما قبلت به المندوبات. لم يعد هناك من ضرورةٍ تُرى لحركة مستقلّة تطالب بحقّ المرأة في الاقتراع، حيث يُفترض أن تعمل النساء، من هنا فصاعداً، ضمن المؤسسات التي أقامتها الجمهوريّة التي “أعطتهنّ جميع حقوقهنّ”.

مواطنات ناقصات تمثيل
بعد 83 عاماً، وعلى الرغم من حصولهنّ على الحقوق السياسيّة، قبل عدّة بلدان أوروبيّة، لا تزال التركيات يعانين نقصاً في التمثيل في بلدهن. فكما هو الحال في كلّ مكان، لا تُترجَم الحقوق مباشرة إلى أفعال، كما أنّ السيطرة الذكوريّة متجذّرة وراسخة في المجال السياسي. وعلى الرغم من أنّ النساء أصبحن مقبولاتٍ بوصفهن مواطنات، فإنّهن لا يصلن بصفة متساوية (مع الرجال) إلى المسؤوليات السياسيّة. وإذا ما كانت النساء قد شغلن نسبة 4.6% من مقاعد البرلمان في عام 1935، فإنّ عددهنّ قد تراجع إلى 3.7% في الانتخابات التشريعيّة عام 1943. وعندما انتقلت تركيا إلى نظام متعدّد الأحزاب عام 1950، تراجع تمثيل النساء بصفة جذريّة إلى 0.6 %. بصفة عامّة، وحتى عام 2007، كانت النساء تشغل نسبة تقلّ عن 5% من مقاعد البرلمان، كما أنّ تمثيل المرأة خلال هذه السنوات لم يبلغ نسبته الأولى في عام 1935.
غير أنّ الانتخابات التشريعية لعام 2007 شهدت فوز النساء بنسبة 9.1% من المقاعد، وفي عام 2011 حقّقن نسبة 14.3%. وفي انتخابات يونيو/ حزيران 2015 نسبة 17.6% من المنتخَبين، وهو ما يبقى الرقم القياسي الأعلى إلى اليوم. لكن مع إعادة هذه الانتخابات في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه، لعدم تمكّن حزب العدالة والتنمية من تشكيل حكومة، إذ وجد نفسه أقليّة في برلمان يونيو/ حزيران، تراجع عدد النساء المنتخبات إلى نسبة 14.7%.
يبقى عدد النساء في المناصب السياسية المهمّة قليلا جدّاً أيضا. فمنذ تأسيس الجمهوريّة، لم تعرف تركيا أكثر من 22 وزيرة في حكوماتها، من بينهنّ تانسو تشيلر، من حزب الطريق القويم (يمين ـــ وسط)، وهي السيّدة الوحيدة التي شغلت منصب رئاسة الوزراء، وقد جرى تعيينها في عام 1993 وبقيت في منصبها إلى 1996. وكانت بهيجة بوران المرأة الأولى التي تُعيّن في قيادة حزب سياسي، وهو حزب العمال التركي (اليساري)، وذلك عام 1970. ومن الأحزاب الممثّلة حالياً في البرلمان، لا يوجد حزب تشارك في رئاسته امرأة غير حزب الشعوب الديموقراطي، وهي سربيل كمال باي. واليوم لا توجد سوى امرأتين من بين الوزراء الـ27 في حكومة حزب العدالة والتنمية، فاطمة بتول كايا وزيرة الأسرة والشؤون الاجتماعيّة، وجوليد ساريروغلو وزيرة العمل والضمان الاجتماعي. وتجدر الإشارة إلى أن وزارة الأسرة والشؤون الاجتماعيّة حلّت محلّ وزارة شؤون المرأة والأسرة في عام 2011. وهذا أمر بالغ الرمزيّة، إذ إنّ حذف “المرأة” من التسمية يُظهر منطقاً محافظاً يُقرنها بالأسرة حصراً.

“للسياسة دوماً شاربان”
على سبيل المقارنة، جاءت نسبة التمثيل النسائي في البرلمان التركي في عام 2017 أقلّ من المعدّل العالمي الذي يقدّره الاتحاد البرلماني الدولي بنسبة 23.5%. كما أنّها تقلّ عن النسبة نفسها في مجموع الدول العربية (17.5 %) وعن الدول الأوروبيّة (27.2 %). وعلى الرغم من هذا النقص المزمن في التمثيل، لا يُبذل أيّ جهد على المستوى الوطني لزيادة

مشاركة النساء في السياسة، فالأمر موكَل لمبادرات الأحزاب. وفي هذا الظرف، يقوم حزبان سياسيان فقط بتطبيق نظام الكوتا النسائية في المناصب والترشيحات: حزب الشعب الجمهوري، وهو الحزب الذي أسّسه أتاتورك (يسار ـــ وسط)، ويتبنّى كوتا 33%، المساوية للعتبة التي تعتبرها توصية مجلس الاتحاد الأوروبي لعام 1996 شرطاً أدنى لمشاركة فاعلة. وحزب الشعوب الديموقراطي الذي يطبّق كوتا 50%. إضافة إلى ذلك، وعلى الرغم من أنّ الأحزاب السياسية في تركيا تميل غالباً إلى أن تكون لها فروع نسائيّة، فإنّ فاعليتها موضع تشكيك، إذ تبدو ثانويّة، ويقع استقطابها بسهولة من الحزب أو محيطه النسائي القريب.
بعيداً عن الأرقام، تبدو مسألة المشاركة السياسية للمرأة أكثر تعقيداً، لأنّ النساء يواجهن معايير وتقاليد أبويّة إلى جانب الخطابات القائمة على أساس التفريق الجنسي والميزوجينيّة الشائعة (احتقار النساء) في الفضاء السياسي. وحتّى عندما يُنتخبن، أو يَحصلن على مناصب قياديّة داخل الأحزاب، فإنّهنّ يُواجهن مجالاً سياسياً شديد الذكوريّة، حيث عليهنّ أن يعملن ويتعاونّ وهنّ يقاومن الميزوجينيّة السائدة. وهكذا، فإنّه في تركيا، وكما تقول النسويّات، “للسياسة دوماً شاربان”، ويتواصل نضال النساء من أجل مجال سياسيّ لا يكون “قابلاً للمشاركة” فحسب، وإنما أيضاً، وخصوصا، يكون “قابلاً للتقاسم”.

المصدر: العربي الجديد

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

«حركة النجباء العراقية»… تنظيم غامض في ساحة الإرهاب

خالد يايموت سلط مشروع القرار المعروض على الكونغرس الأميركي، الذي يقضي بإدراج ...