الرئيسية / مقالات / ماجد كيالي يكتب: عن التخبّط في المصطلحات السياسية للمعارضة السورية

ماجد كيالي يكتب: عن التخبّط في المصطلحات السياسية للمعارضة السورية

الرابط المختصر:

ماجد كيالي

يبدو معظم الكلام السياسي المرسل في بلادنا، لدى الأنظمة والأحزاب والمعارضات والزعامات والقيادات، في أغلب الأحوال، لمجرد الاستهلاك، أي للتلاعب والحجب والمزايدة والمخاتلة. وعند هؤلاء، فإن “الحكي ما عليه جمرك”، وفقًا للمثل الشعبي الدارج، والكلام مجرد ثرثرة نظرية. حتى النصوص، وضمنها البيانات، هي مجرد حبر على ورق، بل إن الأمر بلغ عند البعض حد الاستهانة بالنصوص، والنظريات، إذ “النظرية تنبع من فوهة البندقية”، بحسب ما تكرر في ديباجات بعض تنظيمات يسارية فلسطينية، في زمن مضى وانقضى.

إلا أن الواقع في الثورة السورية جاء على خلاف ذلك، على نحو لافت، إذ منذ البداية بدا وكأن ثمة صراعًا على كل كلمة، وكل شعار، حتى على تسمية أيام الجمع، لمن يتذكر، وقد شمل ذلك الصراع راية الثورة، أيضًا، بين متمسك بعلم “الجيش الحر”، وبين من يصر على رفع راية فصيله السوداء أو الخضراء أو الصفراء، للتصريح عن هويته، وأيضًا لصبغ الثورة بلون معيّن.

هكذا تعودنا على مجادلات عقيمة وضارية، في أوساط المعارضين، في الكيانات السياسية والعسكرية والمدنية، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، طالت مفاهيم جد بسيطة، يفترض أنه تم تجاوزها عند كل التيارات، من مثل الديمقراطية والفدرالية والمواطنة، بين مناهض لهذه المفاهيم أو مستبعد لها، وبين من يؤكد عليها، بهذا القدر أو ذاك.

مثلًا، يعتقد البعض بأن القول بإسقاط النظام هو أمرٌ كاف في ذاته، في حين أن ذلك -على أهميته في الحالة السورية- لا يغلق الأبواب البتّة أمام احتمال إعادة إنتاج النظام لذاته، أو حتى إعادة إنتاج الاستبداد بطريقة أو بأخرى. أول معنى أن ثورية كيان ما، أو شخصية ما، لا تتعلق بإطلاق مجرد شعار إسقاط النظام، لأن الدلالة على ذلك ليست استبدال رئيس بآخر، ولا استبدال استبداد من لون معين، باستبداد من لون مغاير، إذ من دون تحديد الهدف المتمثل بإقامة دولة ذات نظام ديمقراطي، بمعنى الكلمة، لن يستقيم ذلك.

المشكلة أن البعض يتشاطر مستبدلًا النظام الديمقراطي، بكلمة نظام بآليات ديمقراطية، على نحو ما حصل في بيان (الرياض 1) أواخر 2015، الذي تشكلت على أساسه “الهيئة العليا للمفاوضات” في ذلك الحين، وهو أمر مستغرب حقًا، فهذه العبارة مجرد بدعة لا تعني شيئًا، ووجه الاستغراب هنا أن “الائتلاف الوطني”، وهو الكيان الرئيس للمعارضة، والمشكّل الرئيس للهيئة العليا، ينص في مبادئه على إقامة دولة ديمقراطية مدنية، فضلًا عن أن “وثيقة العهد والميثاق” لجماعة “الإخوان المسلمين” السوريين (آذار/ مارس 2012) تنص صراحة، أيضًا، على إقامة دولة ديمقراطية مدنية، ودولة مواطنين متساوين في سورية.

أيضًا، ما يجدر الانتباه إليه هنا أن الاسترسال في الحديث عن الديمقراطية وحدها لا يكفي، إذ ينبغي أن يصحبه التأكيدُ على ركائز أخرى، حيث إن الديمقراطية لا يمكن أن تتأسّس، من دون إقامة دولة مؤسسات وقانون ومواطنين، والفصل بين السلطات، التشريعية والتنفيذية والقضائية، وضمان الحريات والحقوق للأفراد في نص دستوري. أي إن الحديث عن الديمقراطية، من دون الأسس المذكورة، يضعنا أمام ديمقراطية ناقصة، أو ديمقراطية انتخابات، أو ديمقراطية طوائف وجماعات إثنية أو دينية. لذا فإن شروط الديمقراطية هي: أولًا، دولة مؤسسات وقانون. ثانيًا، دولة مواطنين أحرار ومتساوين، إذ لا توجد ديمقراطية من دون حرية للمواطنين، ودون مساواة لهم في الحقوق. ثالثًا، الفصل بين السلطات الثلاث. رابعًا، القبول بمبدأ التداول السلمي للسلطة.

القصد أن ثمة أهمية للنص على فكرة المواطنة ومكانة المواطن، في الأدبيات السياسية السورية، المحكية والمكتوبة، بالنظر إلى أهميتها، لأن ذلك ليس مجرد إنشاء، وإنما له محددات سياسية وقانونية في الدستور، فهذا ما يجعل السوريين شعبًا، بغض النظر عن انتماءاتهم الأولية والإثنية والطائفية، وهو ما يجعلهم يدركون ذواتهم الفردية، كجزء من مجتمع، أو كجزء من شعب، مع حقوق وواجبات، أهمها الحرية والمشاركة السياسية.

بقيت فكرة أخيرة محمّلة بالالتباسات، وهي تتعلّق بالحديث عن سورية، كدولة لا مركزية، على ما درج في بيانات المعارضة، وضمنها بيان (الرياض 2)، الذي عُقد مؤخّرًا، إذ لا شيء اسمه دولة لا مركزية، بل إن اللامركزية تتضمن المركزية أساسًا، وإن القائلين فيها يوحون بالخشية على سورية من “التقسيم”. وفي الحقيقة، إن ما يمنع التقسيم ليس نصًا معينًا، سواء أكان يتضمن اللامركزية أم المركزية، لأن ثمة دولًا كبرى تقسّمت من دون أن تكون فدرالية، وثمة دولًا ذات نظام فدرالي -وهو النظام المتبع في أقوى وأغنى وأكبر دول العالم- من دون أن تخشى من شبح التقسيم. والفكرة هنا، أولًا، أن التقسيم يحصل أساسًا وقبلًا في الشعب، لا في الجغرافيا. ثانيًا، إن شعور فئةٍ من شعب معين بأنها مغبونة، وأنها غريبة في دولتها، هو الذي يفتح المجال على خطر التقسيم. ثالثًا، إن درء التقسيم يتطلب المساواة بين المواطنين، والمساواة في توزيع الموارد، في نظام يتأسس على الحرية والمواطنة المتساوية والديمقراطية.

على ذلك، فإن النظام الفدرالي ليس هو مصدر التقسيم أو الذي يفتح الأبواب على التقسيم، وإنما نظام الاستبداد، واستلاب الحقوق، مع معرفتنا أن الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا والصين وروسيا ودولًا كثيرة تأخذ بالنظام الفدرالي، حيث تتوزع السلطات. فالسلطات السيادية، أي الخارجية والدفاع والمالية -مثلًا- تتبع للمركز، في حين أن السلطات المحلية تهتم بالأمن الداخلي والتعليم والصحة.. إلخ. ثم إن النظام الفدرالي هو الذي يحول دون إعادة إنتاج الاستبداد، في حين أن النظام المركزي يسهل ذلك، كما أن النظام الفدرالي يتيح توزيعًا عادلًا للموارد، على عكس النظام المركزي الذي يجعل العاصمة تستأثر بالموارد. وأخيرًا، إن الدولة الفدرالية لا تتأسس لاعتبارات إثنية أو طائفية، وإنما تتأسس وفقًا لاعتبارات جغرافية، وهذا ما يفترض الانتباه إليه، والتركيز عليه، للتخفّف من الخشية من فكرة الفدرالية، ولوضع حد للمداورة عليها، بفكرة اللامركزية التي لا تعني شيئًا.

المصدر جيرون

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

حازم الامين يكتب: قيس الخزعلي في لبنان

حازم الامين زار قائد «عصائب أهل الحق» قيس الخزعلي الحدود اللبنانية- الإسرائيلية. ...