الرئيسية / مقالات / هنادي الخطيب تكتب: حكايتي مع فلسطين

هنادي الخطيب تكتب: حكايتي مع فلسطين

الرابط المختصر:

هنادي الخطيب

قبل ٢٣ عاماً قطع التلفزيون السوري بثه وأعلن عن مجزرة داخل الحرم الإبراهيمي في فلسطين.

قبل ٢٣ عاماً كنت بعمر يريد أن يراهق، ولكن فلسطين كانت تحتلني ولا تترك مساحة في قلبي تكفي لممارسة شغب المراهقة.

قبل ٢٣ عاماً، وفي يوم ٢٥ شباط (فبراير) وقف المستوطن الإسرائيلي باروخ غولدشتاين خلف أحد أعمدة المسجد وانتظر حتى سجد المصلون وفتح نيران سلاحه الرشاش عليهم وهم سجود، واخترقت شظايا القنابل والرصاص رؤوس المصلين ورقابهم وظهورهم.

قبل ٢٣ عاماً، أنا الفتاة السورية، لم أستطع فهم ما حدث في الحرم، فسقطت في دوامة القهر والغضب والحزن والبكاء، وتجاهلت خزانة ثيابي لمدة شهر، وغرقت في اللون الأسود حداداً على شهداء الحرم الإبراهيمي.

بعد سنوات، رويت لصديقي الفلسطيني السوري قصتي مع الحرم الإبراهيمي. ربما كنت من حيث لا أدري، أحاول أن أقنعه بأن قصتي مع فلسطين لا تزال مستمرة، وانتظرت رد فعله الذي أتى بارداً لدرجة أصابت علاقتي معه بصقيع فوري.

اليوم وبعد ٢٣ عاماً من تلك المجزرة وبعد ٧ سنوات من المجازر في سورية، فهمت سبب برودة جوابه، ضحكت بسخرية من ثيابي السوداء التي ارتديتها شهراً كاملاً… لم يكن صديقي متبلد المشاعر (كما ظننت حينها). كان فلسطينياً خَبِرَ اللجوء، وعاش المذابح البعيدة عنه مكانياً والقريبة من قلبه إلى حد الموت.

صديقي كان فلسطينياً يعيش حقيقة اللاوطن، حقيقة أنه حي والآخرون يموتون، حقيقة أن ثمة متحدثين وخطباء، من كل عروش السلطة العربية، يتنقلون من شاشة إلى أخرى، يتكلمون باسم فلسطين والفلسطينيين، وحقيقة أنهم بمعظمهم تجار قضية وسلطة، حقيقة أن قضيته ماتت لدى العالم وماتت لدى فلسطينيين، وتكاد أن تموت في قلبه هو، حقيقة أن الضحية ترفع مقام أشخاص تفرجوا عليها وهي تحتضر وأشاحوا بوجوههم للجهة الثانية.

اليوم أنا السورية، أخاف أن أتحدث عن فلسطين فيهزأ مني الآخرون، أخاف أن أعبر عن غضبي من قرار الكاوبوي البرتقالي ترامب حـــول القدس، فيمطرني بعض السوريين بوابل من التوبيخ والسخرية: «فكري بأهلك أولاً».

هل فعلاً ما زال الديكتاتور يعيش في عقول بعضنا، لدرجة امتلاك جرأة السخرية من موت آخرين، وجرأة توبيخ المتفاعلين مع فلسطين.

نحن هنا، ونحن نحن، من سمعنا محمود درويش وتدافعنا في دمشق لحضور أمسيته الشعرية المخصصة لفلسطين، وحفظنا جملة مظفر النواب «القدس عروس عروبتكم»، نحن نحــن، قتلَنا بشار الأسد، ارتكب مذابحه بدم بارد أمام العالم وعلى الهواء مباشرة، ونحن نحن من عاش فلسطينيون بيننا دأبنا على نسيان أنهم فلسطينيو الأصل لأنهم كانوا معــنا سوريين، خذلنا بعضهم ومات كثيرون منهم معنا وبيننا في وطننا ووطنهم، نحن نحـــن اليوم نفخر بتبلدنا تجاه عروس العروبة، ونتفنن بإظهار قوة كاذبة، ولكن أي قوة تلك؟

القوة التي انتصر فيها بشار الأسد علينا، فجعلنا سكارى بقدرتنا على مشاهدة موت الآخرين واغتصاب قدسنا من دون أن نهتز، وحــولنا إلى أصنام نتغنى بألمنا ونتجاهل ألم الآخرين. لسنا نحن من نشتم بعضنا على وسائل التواصل الاجتماعي ونستخف بما حدث ويحدث وسيحدث في فلسطين، إنه الديكتاتور داخلنا، ذلك المتبلد الساخر.

اليوم أرى صور فلسطين منذ يوم احتلالها حتى اليوم فأحسد الفلسطينيين. ثمة من التقط الثورة والشجاعة والحب والقهر والإصرار بكاميرته، ثمة من كتب شعراً حفظناه عن ظهر قلب، ثمة من غنى القدس فأبكى أجيالاً كاملة. هل أحب الفلسطينيون بلادهم أكثر منا؟ مقارنة عاطفية، ينتفض عليها قلبي: السؤال ليس: هل أحبوا فلسطين أكثر مما أحببنا سورية؟ هنا لا مجال للمقارنة، كل الناس تحب أرضها وأهلها، لكن في سورية وبعد سنة أو سنتين من انطلاق ثورة الحق السوري ضد الطاغية الأسدي، وبعد أن سرقوا الثورة إلى شاشات الفضائيات ورايات الطوائف والأمراء، وألبسوها عمائم سوداء وبيضاء، وبعد أن سرقوا كل صوت نخبوي ومثقف، أو عزلوه في الدهاليز، لم تعد صورة المعتدي واضحة عند الناس، والتبس الحق بالباطل. بتنا نخشى أن نصرخ، فنرى أنفسنا مع ذاك المعارض الذي لم يتوقف عن الصراخ منذ سبع سنوات على الشاشات. بتنا نخشى أن نستعين بالله فنرى أنفسنا خلف راية أمير إسلاموي يسترزق باسم الإسلام والطوائف. بتنا نخشى أن نفكر فيمطرنا ذلك المثقف النخبوي من برجه المزيف بوابل من الفلسفات. أصبحنا نريد إنقاذ سوريتنا ووطنيتنا وإسلامنا ومسيحيتنا وعروبتنا وكرديتنا من أسواق البورصات والمزايدات. إنه عصر الفايسبوك والإعلام الفوضوي. لن أقع في فخ مقارنة عذابات السوريين بعذابات الفلسطينيين، فمقارنة الجرح بجرح غير عادل، والتقليل من ألم باستحضار ألم آخر هو عبث حقيقي.

المصدر: الحياة

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد الرحمن شلقم يكتب: بوتين الرابع في روسيا وسوريا

عبد الرحمن شلقم بوتين الرابع في الكرملين، والأول دائماً في روسيا. يمشي ...