الرئيسية / ضيوف وزوار / نبيه نبهان يكتب: تحية الى عاصم الباشا ومحمد كامل الخطيب ورفاقهما .. ولدمشق

نبيه نبهان يكتب: تحية الى عاصم الباشا ومحمد كامل الخطيب ورفاقهما .. ولدمشق

الرابط المختصر:

نبيه نبهان

في منتصف ثمانينات القرن الماضي عام ١٩٨٦ تزوجت من رفيقتي نبيلة عباس بعد انتظار طال لسنوات لنتمكن من إقناع عائلتينا المختلفتين “بالمذهب” ، فكان لنبيلة الشديدة العناد رأي بأنها لن تشهر زواجنا ونكون عائلة بدون قبول العائلتين الكبيرتين، فينشأ أطفالنا كبقية الأطفال لهم أعمام وأخوال طبيعيين، يزورونهم ولا نحملهم وزر اختلافاتهما وتسرعنا .. وكنت وقتها أمضي فترة خدمتي الإلزامية العسكرية بدمشق براتب لا يتجاوز الخمسمائة ليرة سورية، وهي تعمل في رياض أطفال تعود لمنظمة التحرير براتب لا يتجاوز ٩٠٠ ل س .. ما ألزمنا بعيشة متقشفة مع السكن بغرفة من ملحق على سطح بيت صديقة لها بمخيم اليرموك (الوطن الفلسطيني في سوريا) إلى أن منحنا حماي شقته التي اشتراها في “دوما” ليقضي فيها تقاعده حين يعود.
في تلك المرحلة كانت دمشق تموج بالنشاط الثقافي الذي تصدر واجهته كتاب وفنانون وأدباء وسينمائيون وشخصيات فاعلة بالوسط الثقافي .. وكانت أسماء بعينها تتصدر المشهد الثقافي السوري منها: حنا مينه، سعيد مراد، سعيد حورانية، سعد الله ونوس، فواز الساجر، محمد كامل الخطيب، عاصم الباشا، محمد ملص، عمر أميرلاي، هيثم حقي، محمد رومي، أسامة محمد، رياض شيا، غزوان الزركلي …
بدأت صداقتي مع محمد كامل الخطيب، التي نشأت بدار عائلته قبل سفري للدراسة بجامعة دمشق بأواسط السبعينات. وتابعت زياراتي له بمسكنه في البيت الصغير بقبو وسط دمشق بالقرب من ساحة الشهبندر والذي كان يشكل محطة لكل مهتم بالثقافة بدمشق أو يمر بها .. وصداقتي مع سمير حسواني ومن ثم مع توأمي اليبرودي جورج قسيس وتوأمي الدمشقي عبد الوهاب الكردي حين كنا جميعاً في الحزب الشيوعي السوري، مما أتاح لي دخول بيوت دمشقية والتعرف على أسرها، والعيش بيبرود والسهر ببيوتها مع أناسها الظرفاء وبخاصة اليبرودي الجميل عاصم الباشا .. وعشقي للسينما الذي جعلني مداوماً في النادي السينمائي بدمشق – بمقر المنتدى الاجتماعي في الطلياني – وهناك تعمقت صداقات مع كثيرين ومنهم نضال الدبس طالب الهندسة المدنية الذي دفعه عشقه للسينما لترك الهندسة والذهاب لدراسة السينما .. وخريجون قادمون من الاتحاد السوفييتي وغيره، وكانت للنادي السينمائي بشكل خاص فضيلة تجميع المخرجين السينمائيين السوريين والممثلين والجمهور المهتم في لقاءات دورية أسبوعية بمقره الى أن أُلزم بتركه وانتهاء التجربة بنهاية الثمانينات..

في تلك الفترة تواترت زياراتنا الى عاصم في مسكنه بالمزرعة بالقرب من مطعم الشلال خلف مبنى رئاسة الوزراء القديم والبنك المركزي .. وبالغالب كانت تتم مع نبيلة ومع جورج أو سمير أو كليهما .. وقتها كانت نبيلة تساعد طفلي عاصم بدراسة اللغة العربية.
حين أعلمنا عاصم برغبته السفر كلياً وبيع المنزل والأثاث، وبالرغم من صعوبة هذا القرار وأثره النفسي علينا لبعد عاصم، ساعدناه ضمن مجموعة الأصدقاء. فقام رفيقنا وقتها المهندس ياسر الأحمد بشراء هيكل مكتبة من أثاث منزل عاصم.
نبيلة رغبت بأن تودع عاصم بطريقتها، أولمت منوعات محاشي (كوسا، باذنجان، بطاطا، فليفلة) وحملنا طنجرة المحاشي الى منزل عاصم، وهكذا عبرنا عن محبتنا له، ورغبنا بمشاركته الطعام بمنزله قبل تغريبته التي ستطول.
اليوم وأنا أقرأ دفق بوحيات عاصم ومحمد على صفحاتهم الخاصة في “الفيسبوك” تداعت ذكريات دمشق، وتنقلنا بين بيتيهما بقلب العاصمة دمشق وأحلامنا تملأ فضاء المدينة. ومع موجات الرحيل المتتالي سواء بالهجرة أو الموت الطبيعي أو الموات السياسي والثقافي للمدينة مع موات الحياة السياسية السورية بعامة (الذي مهد لهذه الملحمة- المأساة التي نعيشها منذ سبع سنوات إلى اليوم) تنعشني كتابات عاصم ومحمد كامل الخطيب وغيرهما، وتوقد جذوة الحياة والحب لتلك الأيام والصداقات التي كنت محظوظاً بمعرفتها ومعايشتها.
طوبى لمن تمكن من صون قيمه الإنسانية، وبقي مدافعاً عن انتمائه لقيم العدالة والمساواة والحرية والحب والجمال، وتحية من قلب ينبض بالحب لعاصم ومحمد ورفقائهما ممن بقوا أو رحلوا .. وإلى دمشق الأم الكبيرة لنا.

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

أحمد برقاوي يكتب: الواقع الأصيل ونقيضه

أحمد برقاوي يتواضع الناس على معنى الأصيل بأنه هو الحقيقي، وعكسه الزائف. ...