الرئيسية / مقالات / نجاح عبدالله سليمان تكتب: العرب وروسيا: ثوابت العلاقة وتحوّلاتها

نجاح عبدالله سليمان تكتب: العرب وروسيا: ثوابت العلاقة وتحوّلاتها

الرابط المختصر:

نجاح عبدالله سليمان

العلاقات الروسية – العربية عرفت اضطراباً في السنوات الأخيرة من عمر الاتحاد السوفياتي السابق، الذي كان يسير بسرعة نحو الانهيار. كان ذلك في عهد غورباتشوف ومشروعه لإعادة البناء. لذلك، بدأت البلدان العربية تفقد بالتدريج الدعم الذي كانت تتلقاه من الاتحاد السوفياتي. وكان البرهان الساطع على الخلل الذي كان يعانيه الاتحاد السوفياتي موقفه الضعيف من الغزو الإسرائيلي لبنان 1982. هنا، بقيت روسيا بعد انهيار الشيوعية وحدها تواجه تبعات الانهيار داخلياً وعلى الصعيد العالمي. وغاب العرب عن الهم الروسي في المرحلة الأولى في عهد بوريس يلتسين الذي كانت المافيات فيه تدمر الاقتصاد وكل ما كان يعبّر عنه موقع الاتحاد السوفياتي كدولة عظمى. وكان للاستخبارات الأميركية ولشركاء يلتسين في الحكم في ذلك الحين، دورهم في ذلك التدمير المنظّم لروسيا ما بعد الشيوعية. لكن روسيا في عهد بوتين بدأت تتغير ببطء في الاتجاه الذي يعيدها إلى موقعها قطباً عالمياً بشروط جديدة. غير أن المهمة كانت ولا تزال صعبة وبالغة التعقيد.

العرب دولاً وشعوباً، لهم مصلحة أساسية في علاقات مميزة ومتعددة الجوانب مع الاتحاد الروسي بمعزل عن نوع النظام السياسي السائد فيه. فروسيا تظل الدولة العظمى الجارة لهم. كما تظل وارثة تاريخ مجيد من علاقة الصداقة التي لا تنسى. لكن روسيا اليوم التي نريد أن نراها دولة عظمى، هي بالفعل كذلك، لكن بشروط أقل مما كانت عليه في زمن الإمبراطورية وزمن الاتحاد السوفياتي. فهي لا تزال تدفع ثمن الانهيارات التي تلت سقوط النظام الشيوعي، في زمن حكم يلتسين والمافيات التي مزقت الاقتصاد الروسي وبددت ثروات الدولة، وحوّلت روسيا دولةً ذات اقتصاد ريعي، على رغم أن التاريخ يبقى هو التاريخ، والتراث يبقى هو التراث، والثروات في باطن الأرض وعلى سطحها تبقى هي الثروات.

هنا محاولة لتحليل هذه العلاقات المركّبة والتعّرف إلى أوجهها المختلفة، آخذاً في الحسبان التحوّلات التي طرأت عليها مع عودة روسيا إلى المنطقة بعد غيابٍ دام نحو عقدين. تأتي هذه العودة في سياقٍ مختلفٍ عن سياقات الحضور السوفياتي خلال الحرب الباردة، وخدمة لمصالح أخرى. ففي حين شكّلت العوامل الأيديولوجية (تصدير أفكار الثورة البلشفية) والجيوسياسية (التنافس مع الولايات المتحدة على النفوذ والسيطرة) جوهر مصالح الاتحاد السوفياتي خلال سنوات الحرب الباردة، أخذت روسيا بعد الحقبة السوفياتية تتجه بوتيرة متزايدة نحو سلوك نفعي براغماتي، فشكّلت قضايا الطاقة والاقتصاد ومنع صعود تيارات الإسلام السياسي والحفاظ على مصالحها السابقة جوهر سياساتها الخارجية نحو المنطقة العربية.

الواقع أنّ روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفياتي رفضت الاتجاهات الأيديولوجية كلها واتبعت سياسة براغماتية. فروسيا من الناحية الاجتماعية والدينية تعدّ ليبيرالية فعلاً، لأن الروسي لا يتعامل مع الآخر انطلاقاً من انتمائه الديني أو القومي، وليست هناك أي حدود اجتماعية أو دينية لدى الروس في علاقاتهم مع الآخرين. ويلاحظ أن السياسة الخارجية الروسية اتجهت شرقاً بعد رفض محاولاتها الالتحاق بالكتلة الأوروبية الغربية، وهي لا تسعى إلى تكتل أو حلف جيوستراتيجي مناوئ للمنظومة الأورو- أطلنطية. لكنها تحاول من خلال الانضمام إلى تكتلات مثل منظمة معاهدة الأمن المشترك أو مجموعة «البريكس» تحجيمَ إمكانات المد الغربي على الأقل قرب حدودها الإمبراطورية التاريخية، لكن هذه المنظمات ضعيفة ولا تُعدّ منافساً حقيقياً لحلف الناتو. وهناك تنافر مستمر بين روسيا ومجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ بدء الأزمة السورية وامتد إلى الأزمة اليمنية. فروسيا في الحقيقة لا تملك سياسة خاصة تجاه دول الخليج، والمحدد الرئيسي لهذه السياسة المتذبذبة هو المصلحة الإستراتيجية والنهج البراغماتي. وفي مقدورنا أن نلاحظ أن علاقات روسيا بالخليج ارتبطت دوماً بمحدد أو طرف خارج عن هذه العلاقة، سواء كان أحد الأطراف الإقليمية (العراق، إيران، تركيا) أو محدد دولي متمثل في الولايات المتحدة الأميركية. روسيا تتعامل مع دول الخليج من منظور موقع هذه العلاقة كتابع لعلاقة رئيسية مع طرف إقليمي آخر، وفي نطاق تقييم شامل للوضع النسبي لهذه الدول في السياسة الأميركية.

الواقع، أن بوتين حاول أن ينهض بالاقتصاد. وهو لا يزال يحاول جاهداً. لكنه لا يزال في منتصف الطريق إلى الغاية المبتغاة. إلى الاقتصاد هناك السياسة، وهي في الزمن الحالي في روسيا في مستوى الوضع الاقتصادي، لا سيما بالنسبة إلى القضايا المعقدة التي تواجهها بلداننا في زمن الثورات والحروب الأهلية التي تعيش في ظلها. وإزاء تأكيد مصلحتنا نحن العرب في العلاقة مع روسيا التاريخ والثقافة والمصلحة، ومع روسيا الحاضر، روسيا التي نريدها أن تكون دولة عظمى، ما هي طبيعة السياسة الروسية إزاء بلداننا في هذه الظروف الصعبة التي تمر فيها؟ واضح أنّ الموقف الروسي اليوم من الأزمة السورية على وجه التحديد هو موقف مضطرب ومرتبك، أي أنه غير مؤثّر في الحوادث المعقدة الجارية التي تعيشها سورية منذ سبعة أعوام من دون أفق واضح حول النهاية المأسوية التي تزداد تفاقماً، وتدفع سورية ويدفع الشعب السوري الثمن الباهظ لها لعقود طويلة.

هكذا، تؤسِّس القيادة الروسية لعلاقات حقيقية في الميادين كافة مع المجتمع العربي، دولاً وشعوباً وحركات وطنية وديموقراطية من مختلف الاتجاهات. وتستطيع روسيا في سياسة كهذه، أن تواجه الضغوط التي يمارسها عليها خصومها، الأميركان والأوروبيون، الذين هم شركاؤها في النظام العالمي الجديد. وتستطيع في الآن ذاته أن تنهض باقتصادها وتتحوّل من دولة ذات اقتصاد ريعي أو ما يشبه ذلك إلى دولة ذات اقتصاد عالمي كبير، وتصبح علاقاتنا بها أقوى وأكثر جدوى لمصلحة كلينا.

المصدر: الحياة

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد الرحمن شلقم يكتب: بوتين الرابع في روسيا وسوريا

عبد الرحمن شلقم بوتين الرابع في الكرملين، والأول دائماً في روسيا. يمشي ...