الرئيسية / مقالات / محمد قواص يكتب: عن ‘الطيور’ فوق قواعد بوتين في سوريا

محمد قواص يكتب: عن ‘الطيور’ فوق قواعد بوتين في سوريا

الرابط المختصر:

محمد قواص

ليس تفصيلا التوقف عند حالة الغموض التي تكتنف الغارات الكثيفة التي شنتها 13 طائرة مسيّرة على قاعدتيْ روسيا ليلة السادس من الشهر الجاري في حميميم وطرطوس في سوريا. الغموض في هذه المسألة جماعي انخرطت به روسيا نفسها عبر نفي الهجوم الذي تعرضت له قبل ذلك قاعدة حميميم ليلة رأس السنة، والذي كشفته صحيفة كوميرسون الروسية المفترض أنها لا تملك التغريد بعيدا عن سمفونيات الكرملين. وفي الغموض أيضا أن تكشف الصحيفة الروسية الأمر فيما تنفي مصادر قريبة من وزارة الدفاع الروسية ذلك، قبل أن تعترف لاحقا بهذا الهجوم دون أن تقرّ بالحجم الواسع للخسائر الذي طال طائراتها، وسـط لغط حول ما إذا كان الهجوم قد تمّ بصواريخ غراد أو قذائف الهاون.

وفي الغموض أيضا أن روسيا التي تتباهى بانتصارها الساحق في سوريا إلى درجة إعلان الرئيس فلاديمير بوتين في 11 ديسمبر الماضي سحب قسم من القوات هناك، وروسيا التي تفاخر بازدهار مبيعاتها للأنظمة الروسية المضادة للصواريخ، تسقط قاعدتيها الشهيرتين في سوريا ضحية هجمات صاروخية وجوية مفاجئة وصاعقة تستهدف القلب الحي للقيادة العسكرية الروسية في هذا البلد.

لكن الغموض لا يقف عند الجانب الروسي فقط، بل يطال من يقف وراء هذه الهجمات. لم يعلن أي طرف مسؤوليته عن هذه العملية.

فإذا كانت الهجمات تمثّل ردا على روسيا التي تناصر نظام الأسد في دمشق، فلماذا لا تعلن فصائل المعارضة ذلك، لا سيما تلك المدرجة على لوائح الإرهاب (هيئة تحرير الشام وفلول القاعدة)؟ ثم إن هذه الهجمات، رغم طابعها اللافت، لا تهدف إلى تدمير القوة العسكرية الروسية وطردها من البلاد، بل تروم تسجيل موقف عسكري حربي يطال القوات الروسية في سوريا التي قلما استهدفتها عمليات فصائل المعارضة هناك، وبالتالي فإن عدم اعتراف أي جهة بهذه العمليات لا يمكن إلا أن يغذي أجواء الغموض ويُكثر من الأسئلة حول تلك الليلة السوداء التي أغارت بها تلك “الطيور” على الرمز الأول للجبروت الروسي في المنطقة.

أتت تلك الغارات لتطيح بالصورة التي أرادها بوتين لنفسه ولبلاده ولنفوذه في سوريا حين واكبت كاميرات التلفزيون الروسي زيارته الشهيرة إلى القاعدة في ديسمبر الماضي قبل تعريجه على القاهرة ومروره بأنقرة بعد ذلك.

أراد بوتين الإطلالة على الدولتين الإقليميتين الكبيرتين، مصر وتركيا، من خلال قاعدته العسكرية في حميميم. استدعى زعيم نظام دمشق بشار الأسد، وتركه يخضع لمزاج أحد ضباطه، قبل أن تشيّع الكاميرات زعيم الكرملين يسير مزهوّا بغرور باتجاه طائرته المغادرة. تقصّد بوتين من هناك توقيع تفوّقه في المنطقة لعل في ذلك زاداً يضيفه داخل وِرَش حملته الانتخابية لرئاسة جديدة للبلاد، وأمراً واقعا يروم تثبيته للقاصي في العالم والداني في المنطقة مع بداية العام الجديد. جاءت ليلة “الدرون” المرعبة لتشوّش تلك الصورة، وتختم بالنار حقيقة أن الأمور في سوريا بعيدة عن أن تكون محسومة لموسكو.

يعرف سيّد الكرملين جيدا أن ذلك التفوق الكبير الذي سجله في سوريا لا يعود فقط إلى قوة الجيش الروسي ومهاراته القتالية وضراوة تقنيات النار التي يصبّها فوق الأراضي السورية.

استفاد بوتين من فترة سماح وفّرتها له “عقيدة أوباما” الشهيرة التي منعت أي رد نوعي يمكن أن يهدد ماكينة التدمير الكبرى التي تنفخها القاذفات الروسية في سوريا. سعت موسكو إلى المفاخرة أمام دمشق وطهران بتفوّق جوي لا يردعه أي دفاع. سهرت واشنطن جيّدا على منع وصول سلاح فتاك قد يسبب ضيقا أو إرباكا للعمليات الجوية الروسية ضد مواقع المعارضة. غابت صواريخ ستينغر الشهيرة المضادة للطائرات والتي تُحمل على الكتف عن الترسانة المسموح تمريرها لأي فصيل من فصائل المعارضة. سبق لستينغر أن أسقط أسطورة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان بضوء أميركي أخضر، فيما مُنع هذا السـلاح من تهديد أسطورة روسيا-بوتين المفترضة بضوء أحمر أميركي. لم يخرج من المخازن الأميركية أي سلاح يعادي روسيا في سوريا، وهو أمر التزمت بحذافيره تماما مخازن الدول الإقليمية المناصرة بقوة لثورة السوريين وفصائلها الكثيرة.

لم تخْف موسكو شكوكها بانقـلاب أميركي محتمل على تفاهمات قديمة. قالت وزارة الدفاع الروسية إن الطائرات المسيّرة زوُّدت بتكنولوجيا متقدمة لا تملكها إلا الدول. لم يأت بيان موسكو على ذكر الولايات المتحدة أول الأمر، فصدر عن البنتاغون توضيح بأن هذا النوع من الطائرات متوفر في الأسواق وبالإمكان الحصول عليه بسهولة. بعد ذلك خرجت وزارة الدفاع الروسية بالكشف الكبير: طائرة تجسّس أميركية كانت تحوم فوق المنطقة في تلك الليلة الرهيبة. وعلى الرغم من غياب المعلومات، واختلاطها بالتحليل والتكهن، إلا أن الرسالة التي أراد المرسل إرسالها قد وصلت إلى حميميم، ومنها إلى موسكو والكرملين مباشرة.

تضع “الليلة السوداء” خطا فاصلا ينهي واقع الاحتكار الكامل الذي امتلكته روسيا لتقرير مصير سوريا المقبل. انتهت فترة السماح الممنوحة. بات الفرقاء الإقليميون معنيون بإظهار مخالب كانت مختفية تحثّ موسكو على إدراك حقائق الأمور الجديدة.

واشنطن تعلن أن قواعدها العسكرية باقية في سوريا.

تركيا تمتعض من أعراض تظهرها موسكو لإشراك أكراد سوريا المرتبطين بحزب العمال الكردستاني في تركيا بحوارات سوتشي.

إيران لا تخفي قلقا من هذا التواطؤ الفاضح بين موسكو وتل أبيب، والذي يظهر من خلال تمكّن إسرائيل من ضرب “خط السلاح الإيراني” الذي لا تكشفه في سوريا إلا عيون روسية. والنظام السوري يخشى مما تخفيه عملية سوتشي من منافذ قد تهدد بالنهاية مصير النظام وزعيمه.

باتت الأوراق مكشوفة فوق الطاولة السورية. موسكو تتهم واشنطن بالوقوف وراء الليلة السوداء في حميميم، لكن ذلك الاتهام يميل إلى تلميح لا تعتبره روسيا عمـلا حربيا يستحق ردا ضد أهداف أميركية، وفي الأمر غـرابة. موسكو تغمز من قناة تركيا وتطالبها بالالتزام بمفاعيل عملية أستانة طالما أن إطلاق تلك “الطيور” تم في مناطق تسيطر عليها فصائل موالية لأنقرة. تركيا بالمقابل تلوّح بقلب الطاولة على الشريكين الروسي والإيراني داخل مقاربة أستانة ردا على التجاوزات المرتكبة في إدلب.

حمل عام 2017 كثيرا من ثمار المجد إلى بوتين. لا يبدو أن بداية العام الجديد تطل واعدة بموسم ثمار آخر، ولا يبدو أن العالم يريد للرئيس المرشح أن يعيد حكم الكرملين بعد انتخابات مارس المقبلة بنفس العدّة التي تباهى بها منذ أن بدأت طائراته هجومها الكبير في سوريا في سبتمبر 2015.بات الانتقال إلى نقاش وضع ما بعد داعش في سوريا يتطلب إعادة تعريف الشراكة الإقليمية الدولية داخل هذا البلد.

لن تسمح طهران بظهور علامات وهن واجهاتها السورية. بات وعيد تركيا بشأن عفرين داهما. وصارت للأذرع العسكرية الأميركية حساباتها الجديدة التي أهملها أوباما قبل ذلك، بحيث تبدو سوريا في عهد الرئيس الحالي دونالد ترامب، كما أوكرانيا، ساحة اشتباك لا ميدان توافق ووئام مع روسيا فلاديمير بوتين.

المصدر: العرب

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

سالم حميد يكتب: الانهيار الإيراني قادم بشهادات من الداخل

سالم حميد تحاول إيران عبر خطباء نظام الولي الفقيه المكابرة وإظهار أن ...