الرئيسية / مقالات / عبد الحق عزوزي يكتب: الفاعلون في السياسة الخارجية الأميركية

عبد الحق عزوزي يكتب: الفاعلون في السياسة الخارجية الأميركية

الرابط المختصر:

عبد الحق عزوزي

سبق وأن قلنا إن السمات الأربع للبنية الاستراتيجية الحديثة: التقلب، والتوجس، والتعقيد، والغموض، تدفع الرؤساء في‏‭ ‬العديد ‬من ‬الدول ‬الغربية ‬وعلى ‬رأسها ‬أميركا ‬إلى ‬تبني ‬آليات ‬متعددة ‬لاتخاذ ‬القرار. ‬ويلعب ‬المستشارون ‬دوراً ‬كبيراً ‬في ‬هذا ‬المجال. ‬فإذا ‬بقينا ‬في ‬مثال ‬الولايات ‬المتحدة ‬الأميركية، ‬وفي ‬سياستها ‬الخارجية، ‬نتذكر ‬البون ‬الشاسع ‬في ‬التفكير ‬والتنظيم ‬بين ‬كولن ‬باول ‬وزير ‬الخارجية ‬في ‬عهد ‬بوش ‬الابن، ‬ووزير ‬الدفاع ‬رامسفيلد، ‬فباول ‬كان ‬يرفض ‬التدخل ‬العسكري ‬دون ‬شرعية ‬أممية، ‬لكن ‬الكلمة ‬الأخيرة ‬كانت ‬لرامسفيلد، ‬ولحد ‬الساعة ‬ما ‬زالت ‬تثار ‬في ‬كواليس ‬الأجهزة ‬الدبلوماسية ‬والعسكرية ‬الأميركية، ‬مسألة ‬تحديد ‬المخطئ ‬في ‬الفشل ‬الحالي ‬في ‬إرساء ‬الاستقرار ‬في ‬عدة ‬مناطق ‬كالعراق.

إن المتتبع للسياسة الخارجية والداخلية الأميركية، يخرج بنتيجة مفادها أنه عندما يتكئ الرئيس الأميركي على مجموعة من المستشارين الموثوق بهم، فإن ذلك يكون مطية لنشوء ظاهرة التفكير الجماعي الأحادي، والمشكلة هنا أن ثقة الرئيس اللامتناهية بهؤلاء المستشارين، غالباً ما تكون نتيجة للتشابه والتناغم في العقليات بين أفراد المجموعة، وأعني بذلك الأيديولوجيا السياسية، والنظرة إلى النظام الداخلي وإلى العالم.

لكن المشكلة اليوم حسب العديد من المختصين في الاستراتيجية والدبلوماسية والعلاقات الدولية أن الرئيس ترامب هو أول رئيس أميركي مزاجي يتبع أيديولوجية ضيقة هي أيديولوجيته هو ولا يكترث البتة بعقلانية المستشارين ولا بدندنة مؤسسات الولايات المتحدة الأميركية.. فعشية خضوعه لفحص طبي سنوي، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال اجتماع مع أعضاء في الكونغرس بالبيت الأبيض إن بلاده لا تحتاج مهاجرين من «حثالة الدول‏». ‬وأفادت ‬صحيفة ‭ «‬Politico‭»‬بأن ‬ترامب ‬قال ‬أثناء ‬اجتماع ‬مع ‬مجموعة ‬من ‬أعضاء ‬مجلس ‬الشيوخ ‬قدمت ‬إلى ‬البيت ‬الأبيض ‬لتعرض ‬على ‬الرئيس ‬حلا ‬وسطا ‬بشأن ‬المهاجرين ‬من ‬هايتي ‬والسلفادور ‬والدول ‬الأفريقية: «‬ما ‬حاجتنا ‬لهؤلاء ‬القادمين ‬من ‬حثالة ‬الدول؟»‬.

لا أخال أن مستشاريه في البيت الأبيض هم من أفتوه بهذا الكلام، ولا أخاله يكترث بردات الفعل الكثيرة التي أتت حتى من الأمم المتحدة التي وصفت تصريحاته بـ«الصادمة» ‬و«المعيبة» و«‬العنصرية»‬. ‬وقال ‬المتحدث ‬باسم ‬مفوضية ‬الأمم ‬المتحدة ‬لحقوق ‬الإنسان ‬للصحافيين ‬في ‬جنيف: «في ‬حال ‬تأكدت، ‬فإنها ‬تصريحات ‬صادمة ‬ومعيبة ‬من ‬رئيس ‬الولايات ‬المتحدة. آسف، ‬لكن ‬لا ‬أجد ‬كلمة ‬أخرى ‬غير ‬عنصرية لوصفها»‬.

الرئيس ترامب يظن أنه استراتيجيا على الطريق السوي، وأنه يبوح بما لا يقال علنا، وأنه رجل أعمال ناجح لا يمكن أن يخسر شيئاً، وأنه الرئيس الأميركي الوحيد الذي يقوم بتأسيس توافق بين السياسة الخارجية والحالة الداخلية، فقد كانت هناك فجوة واضحة بين منظور العامة، ومنظور النخب، حول السياسة الأميركية الخارجية. ويظن الرئيس ترامب أن لديه فرصة للإصلاح بينهما، والأمر لديه باستغلالها من عدمه.

في إحدى التصريحات لهنري كيسنجر عقب نجاح السيد ترامب في الانتخابات الأميركية، قال عميد الدبلوماسية الأميركية: «إن معظم السياسة الخارجية في العالم كانت معلقة لستة إلى تسعة شهور، منتظرة نتائج هذه الانتخابات، فقد كانوا يروننا نمر بثورة داخلية، ويريدون دراستها لبعض الوقت. لكن في مرحلة ما، ستتطلب الأحداث قرارات مرة أخرى، والاستثناء الوحيد لهذه القاعدة قد يكون التنظيمات غير الحكومية، فهي قد تملك حافزاً لتستفز رداً أميركياً يقوض موقفنا العالمي».

وأظن أن هاته التنظيمات ليس لزاماً أن تكون من خارج أميركا، فقد تكون من أميركا نفسها، فالدولة هي أولا دولة مؤسسات وقد تسير حتى من دون رئيس أميركي، ثم إن الدولة قوية بلوبياتها ومنظماتها بل وبأفرادها النافذين، ونتذكر مؤتمر المناخ الذي عقد في باريس في ديسمبر الماضي تحت عنوان «قمة الكوكب الواحد»، فقد شاركت في المؤتمر رغم انسحاب ترامب من الاتفاقية شخصيات أميركية عديدة معروفة بالتزامها بقضايا المناخ، كالممثل ليوناردو دي كابريو ومحافظ ولاية كاليفورنيا سابقا ارنولد شوارزنيجر وعمدة نيويورك الأسبق مايكل بلومبرج الذي ساهمت مؤسسته جزئياً في تمويل القمة.. هؤلاء وغيرهم هم من الفاعلين الكبار على الساحة الداخلية والخارجية الأميركية، وسيبقى البيت الأبيض بين سندان طباع الرئيس ترامب المؤقتة ومطرقة هؤلاء الفاعلين الدائمة.

المصدر: الاتحاد

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

غازي دحمان يكتب: حينما اشترى العرب منظومة كذب

غازي دحمان استدعى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مستشاره للشؤون العربية على عجل، ...