الرئيسية / مقالات / محمود الريماوي يكتب: ما لا يمكن القفز عنه

محمود الريماوي يكتب: ما لا يمكن القفز عنه

الرابط المختصر:

محمود الريماوي

على إثر القرار الأمريكي بنقل السفارة إلى القدس المحتلة، صدرت مواقف عربية عديدة أجمعت على إدانة القرار واعتبرته غير شرعي. وقد التزمت واشنطن الصمت حيال الموقف العربي الجماعي، إلى أن انتقلت المواجهة الدبلوماسية إلى الأمم المتحدة؛ حيث حذّر الرئيس ترامب من قطع المعونات عن الدول التي تدين قراره. ومع ذلك فقد أدانت الجمعية العامة القرار، وبما شكّل نكسة حقيقية لواشنطن التي بدت معزولة أمام ما يُشبه إجماعاً دولياً. وفي النتيجة فإن دولة واحدة انضمت إلى أمريكا في هذا الموقف هي جواتيمالا (في أمريكا الوسطى) التي تربطها علاقات متشعبة مع «تل أبيب» تشمل التعاون العسكري. وكان وما زال من الصعب على واشنطن أن تعيد النظر في علاقاتها مع عشرات الدول في مختلف أرجاء العالم، على ضوء موقف هذه الدول الرافض لقرار نقل السفارة.
والآن فإنّه من الأهمية بمكان الحفاظ على هذا الموقف بغير تراجع، وذلك نظراً للمكانة الرمزية والروحية العالية لبيت المقدس، وكذلك من المهم التمسك بهذا الموقف دون تصعيد عاطفي غير مفيد. وعلى سبيل المثال ما قد جرى طرحه من دعوة لقطع العلاقة مع واشنطن، إعمالاً لقرار سابق للقمة العربية في عمان عام 1980. إذ إن هذا الطرح يقفز عن العلاقات المتشابكة والوثيقة التي تربط واشنطن بغالبية الدول العربية، وعلى نحو أكثر تشابكاً ورسوخاً مما كان عليه قبل 38 عاماً. ففي تلك الآونة لم تكن العلاقات العربية – الإيرانية على توترها العالي الحالي. ولم تكن ظاهرة الإرهاب قد برزت على السطح والتي أفضت إلى تنسيق دولي واسع النطاق، وليس سراً أن واشنطن تقع في القلب وفي المقدمة من هذا التنسيق، نظراً لقدراتها الهائلة، وبسبب تعرضها لكارثة سبتمبر 2001.
وعليه، فإن مجرد التفكير بقطع العلاقات لا ينمّ عن واقعية، ولا عن رشد سياسي. فالسياسات لا تُبنى على العواطف ولا على ردات الفعل الآنيّة. والأصح هو التمسك بالموقف العربي والإسلامي حيال القدس وبقية الأراضي المحتلة، ووضع العالم كله بما فيه أمريكا في صورة هذا الموقف المبدئي الثابت، ودون التقليل من أهمية العلاقة مع الدولة العظمى، ومن أهمية ديمومة العلاقة معها كونها قطباً رئيسياً في النظام الدولي.
إن دولاً عديدة في عالمنا على قدر كبير من الخلاف مع الولايات المتحدة، كحال الدولتين الكبيرتين الصين وروسيا، لكن أياً من تلك الدولتين لا تفكر في المساس بالعلاقات مع القطب الأمريكي وإن كانتا لا تُخفيان أوجه الخلافات معه. وهو وضع لا بد أن يدركه الجانب الفلسطيني الذي أقام علاقات متدرجة مع واشنطن منذ أواسط ثمانينات القرن الماضي ودون أن تنقطع هذه العلاقات.
من حق الجانب الفلسطيني ومن واجبه التمسك بموقفه الحازم تجاه المدينة المقدسة المحتلة، ولكن دون إغفال واقع المعادلات والعلاقات الدولية في عالمنا، وخاصة بعد الخبرة الطويلة في التعامل مع المجتمع الدولي وعلى نحو لا يسمح بترف الانعزال، حتى لو كانت العزلة مقترنة بالاعتصام بموقف صائب. فالأصح هو التشبث بالموقف المبدئي الصحيح، وعدم حرق الجسور في الوقت ذاته مع المراكز الدولية المؤثّرة. وإذا كان من المفهوم الإعلان عن عدم قبول أي مبادرة أمريكية سياسية، في ظل القرار بنقل السفارة إلى القدس المحتلة، إلا أن ذلك يجب ألا يقود بصورة أوتوماتيكية إلى رفض الحوار مع الدولة العظمى. إذ إن الجانب الفلسطيني بذلك يُحمّل نفسه ما لا طاقة به على حمله. والأمر الصحيح والموضوعي هو التمسك بالموقف المبدئي والجوهري حيال القدس، مع إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع واشنطن وغير واشنطن.
لقد سبق للسلطة الفلسطينية أن أعلنت عدم استعدادها لاستقبال نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس خلال جولة مزمعة في المنطقة، والتي جرى ترحيل موعدها، في ظروف الغضبة العارمة على الموقف الأمريكي، فيما فسّرت واشنطن إرجاء الجولة بأنه يتعلق بالتزامات نائب الرئيس مع الكونجرس. أيا يكن الأمر، فإن هذه الخطوة الفلسطينية يجب أن تعكس وأن تعني موقفاً سياسياً رمزياً، على واشنطن إدراكه واستيعاب معناه، لكن دون أن يعني ذلك اعتماد نهج سياسي جديد شبه عدمي، يقوم على إدارة الظهر للدولة العظمى ومقاطعتها. وإذا كان من حق الجانب الفلسطيني توسيع علاقاته الدولية، والسعي إلى رعاية دولية أوسع للعملية السياسية، تشمل على سبيل المثال، الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، فإن هذا التوجّه السليم يجب ألاّ يقترن بالقفز عن العلاقة مع واشنطن أو التضحية بهذه العلاقة، فالأطراف الدولية لن تجازف من جهتها بالقفز عن دور واشنطن، أو التواصل النشط معها بهذا الشأن.

المصدر: الخليج

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد الوهاب بدرخان يكتب: «صفقة القرن» الحقيقية هي المبادرة العربية للسلام

عبد الوهاب بدرخان هذا العنوان هو عبارة ذهبية أطلقها السيد عمرو موسى ...