الرئيسية / ضيوف وزوار / أديب البردويل يكتب: ياسين الحافظ: يحتفل بمئوية عبد الناصر

أديب البردويل يكتب: ياسين الحافظ: يحتفل بمئوية عبد الناصر

أديب البردويل
الرابط المختصر:

أديب البردويل

إن تناول الحافظ للتجربة الناصرية لم يكن نتيجة تأمل نظري من بعيد، بل كان تناولاً معنياً ومهموماً بنضالية التجربة لعبد الناصر، حيث أنه لم يكن مفكراً قومياً بوعي علمي فحسب، بل كان مناضلاً سياسياً بامتياز، وقد اعتبر تلك التجربة طريقاً يمكنها أن تكوّن التوجه الرئيسي لنضالات الأمة.
لذلك، وقف الحافظ من الناصرية كنظرية أو آيديولوجية، ذات مرتكزات فكرية واضحة رغم أهميتها وجديتها. ففي سيرته الذاتية يظهر موقفه منها: “دعم ونقد، ترجّ ويأس”. لقد اعتبر الحافظ أن تجربة عبد الناصر بنجاحاتها وإخفاقاتها تلعب الدور التقدمي، والمهماز الجدي والحقيقي في النضال القومي للأمة العربية، وقد فتحت للعرب مدىً واسعاً وعميقاً، كان يمكنه أن يكون توجهاً جدياً في سبيل تطورهم، وجعل من استيقاظ ما هو قومي قوة شعبياً، أقلقت أعداءها كثيراً، لأن هذا المدى كان محمولاً على فعل وحدوي حاضر التحقق. هذا من جهة ومن جهة ثانية، إن طبيعة النظام الناصري، لم تكن ذلك النموذج الثوري وذلك نتيجة ضمور وعيه الآيديولوجي، وافتقاد غاياته لمرتكزات واضحة الأهداف، وتمكن البيروقراطية والتقليد من مؤسساته.
لكن، عبد الناصر وتجربته المتعلمة دائماً والمتطورة مرة ببطء وأخرى بقوة، كانا لدى الحافظ رهانات واقعية، فهي كوّنت استطاعة نهضوية ممكنة، استناداً إلى أن عبد الناصر يمتلك الوعي الأكثر مناسبة للواقع من غالبية الرؤى السياسية الأخرى. ففي حين كانت التيارات القائمة على الساحة الفكرية والسياسية تيارات: إما ماضوية، سلفية ودينية بمفهومها للوحدة، وإما قوماوية شعاراتية، لا تعدو كونها تراتيل رومانسية، وإما ماركساوية اعتبرت أن الوحدة العربية عمل بورجوازي قومي، يفسد ويميع النضال من أجل وحدة العمال العالمية.
بينما كان الأمر عند الحافظ مختلفاً تماماً. حيث رأى: “أنّ النزعة القومية العربية أصبحت أكثر عصرية وأكثر راديكالية، عندما صبّت من جديد في المقال الناصري”، حيث أن الناصرية وريثة حركة وطنية انهمكت بالتحرير والتحرر بغايات نظيفة وصادقة، وذات مهمة تاريخية على طريق المشروع القومي للأمة العربية، لذلك كان يعتبرها الفرصة التاريخية الاستثنائية، التي قاتل أعداء الأمة خارجاً وداخلاً من أجل تضييعها، من خلال نبش أخطائها وتضخيمها، وأخذها أدوات قتال مرة من صدرها ومرات من ظهرها. إلا أن نواقص التجربة لم تكن محايدة في عراك الأعداء ضدها، بل أمدتهم بقوة قتلها، خاصة بالإشكالية التي اعترتها، حيث تخبطت بين ثوريتها السياسية وتقليديتها المحافظة إجتماعياً. وصفها الحافظ بمرارة وقال: “إذ في الوقت الذي كان فيه النظام الناصري يحصد الأخوان المسلمين (ونرمز بهم هنا إلى التيار السلفي كله) سياسيا كان يزرعهم ثقافياً وأيديولوجياً، الأمر الذي ألقى به في سلسلة اختناقات انتهت بضربة 5 يونيو / حزيران القاصمة “، وهو يعلم ويؤكد بثورية تذهب من الواقع إلى الهدف، حيث كان المدرك السباق لرغبة وإرادة الإمبريالية الأمريكية والصهيونية القضاء على تجربة عبد الناصر مهما كلف الأمر. من هنا رأى أن العمل الذي يبتغي رأس عبد الناصر، قد بدأ بالإنفصال عام 1961مروراً بهزيمة 5 حزيران.
كما أن الحافظ/ لم يكتف بوصف التجربة بالمحافظة اجتماعياً، بل نقدها عميقاً بإشكالية علاقتها بالديمقراطية أيضاً. فبعد أن أعلنت الثورة المصرية الميثاق الوطني عام 1962 أخذ الحافظ عليه ووصفه قائلاً:” جاء على شكل أبوي، فكانت علاقة الثورة مع الجماهير علاقة وصاية، أي التزام مصلحة الجماهير والوصاية عليها في نفس الوقت، لم يتح خلق الجماهير الواعية لمصالحها الطبقية، بل خلق الجماهير المتحمسة السديمية… ” كما انه نقد مفهوم “الإشتراكية العربية” التي تحولت إلى “تأخراكية” لأنها لم تستند إلى ديمقراطية أولاً، وثانياً لم يكن عبد الناصر على وعي: أن الإشتراكية لا تقوم في مجتمع ٍ ينتمي بمكوناته إلى العصور الوسطى، فاختُزل مفهوم النهضة إلى تنمية اقتصادوية.
إشكالية تقدم الواقع العربي عند الحافظ، ليست في ثنائية: “تخلف ــ تنمية اقتصادية، أو أصالة ـ معاصرة” بل هي في ثنائية: “تأخر حداثة ـ فوات ـ معاصرة”. فالمقولة التنموية ذات وعي قاصر، لأنها تكتفي بإجراءات اقتصادية، لا تهدد واقع التأخر، بل تطيل بعمره، أي تحدّث سطحه وتزركشه تقنياً، فيحافظ بذلك على بنى التقليد ومفاهيمها البالية.

 

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

أحمد برقاوي يكتب: الواقع الأصيل ونقيضه

أحمد برقاوي يتواضع الناس على معنى الأصيل بأنه هو الحقيقي، وعكسه الزائف. ...