الرئيسية / ضيوف وزوار / أديب البردويل يكتب: العلمانية الكلبية

أديب البردويل يكتب: العلمانية الكلبية

الرابط المختصر:

أديب البردويل

لست بصدد تعريف الخوف هنا. بالرغم من أن إحدى أهم تعريفات الإنسان العربي هو أنه كائن خائف، إلا أن ماأجبرني على تناول هكذا تعريفات، هو من جعل الخوف تهمة مخزية، وانحطاطاً بيولوجياً.
فالخوف هو من غرائز الإنسان الثابتة والمتحولة في آن، طرداً مع اختلاف تطورها من مجتمع إلى مجتمع، ومن إنسان لآخر، كلٌّ حسب ما اكتسبه من وعي وما احاط به من ظروف، مثلها مثل بقية الغرائز التي لا يمكن إلغاؤها من البشر، كما أن علم النفس الحديث يعتبره ميلاً فطرياً، له وظيفته الحيوية تتمثل بحماية الكائن من الخطر. إذن هو حالة طبيعية وسوية، ولا ينكرها سوى من لا ينتمي إلى هذا الكوكب.
وفي شريعة التناقض ـ الجدلي بين الرعب والأمان، سيكون الأمان غاية وجودية للإنسان، كانت ولم تزل تشكل الدافع الأساس لإبداع امكانية حماية الروح والجسد أمام كوارث الطبيعة ووحشية كائناتها. فالأمان غاية ماثلة دائماً في صراعنا التاريخي، خاصة في ظروف ومعطيات عصرنا، حيث أن القوي صار مدمراً والضعيف أمسى طريدة سهلة القنص والإفتراس.
لا أحد لا يشعر بالخوف، حتى الشجاع القوي عليه ان يلتزم بربط حزام السيارة أو الطائرة، لأن تدابير الأمان مرتبطة بالعقلانية، وصراعنا نحن البشر ضد خوفنا وتهديد حياتنا، هو في أساس مقومات تقدمنا، فلولا غريزة الخوف قد تكون سلالة الإنسان في خبر كان.
إذن. الخوف باق ما بقيت الحياةِ، على اعتباره مهمازاً طبيعي الوجود لتحريك صراع ٍ اجتماعي كضرورة في سبيل تقدمه، إنه القلق المرافق للروح والعقل من الحاجة ومداهمة “غدرات الزمن”، والناتج أيضاً من النزوع العدواني وجشع النفوس بالحيازة والتملك، القلق قابع في عصب سيرورة تطور البشر.
على مايبدو، إن تقدمنا الإنساني مرتبطٌ بمآسينا، كما أن نزعة السيطرة واستعباد الآخرين بالقوة، وحكم أمر الواقع، مازالا يهيمنان على حياة البشر بأشكال وأساليب مختلفة، حيث يتبدى الدفاع عن النفس أمراً بغاية الضرورة، مشروعاً ويعني قدسية الروح في جميع شرائع الأرض.
التخلف كان ومازال يجعل من المجتمعات غابات، يسود فيها قانون الأقوى الذي يقيم ميزانه الطبيعي على أساس الأقل ـ والأكثر، مما يجعل السطوة في يد الأكثرية التي تعتبر نفسها سيدة البيت، وبمنطق هذا الواقع هي آمنة، وماتبقى من كسور ٍ اثنية قومية ودينية ما هي سوى نزلاء عندها، عليهم التقيّد والإلتزام بما تراه الأكثرية السيدة. وما جرى في مراحل كثيرة من تاريخ تلك المجتمعات، يؤكد على أن صراعها الاجتماعي العامودي يتحرك كي يثير ضرورة تغيير ما هو غير إنساني فيها، وإن ممارسة تخلفه بين أكثريتها الآمنة بالقوة والفعل، وبين أقليتها ـ الضيف ـ الضعيف، والمرعوب من غضب صاحب الدار، يجب أن يُزال كعقبة عميقة في طريق تقدمه.
الأقلية والأكثرية تنطوي على صراع كمقولة جدلية، ولأنها تنتمي بمكوناتها إلى طبيعة تناقضية، لكن صراعها هذا في مجتمع متخلف لايمكن إلا أن يكون ظالماً وجائراً وبدائياً، محركه الإعتداء والتسلط والسيطرة على إمكانيات الأضعف، حيث تعتبر سيادة أوامر أكثرية القوم حقاً طبيعياً، مما يجعل خوف الكسور والأقليات أمراً واقعياً بالقوة والفعل أيضاً، ولا مجال لإنكار هذا الواقع سوى لمن لايرى تخلفنا الذي جعل من أقلياتنا إشكالاً يزرع درب حياتنا فخاخاً، ولمن هوغريب عنا، أو قريب غارق في هوّامات، فكراوية تخنقه برؤى سطحية، وتؤدي به إلى معرفة عاقرة، يتجلى بها قصور النقد وسقوطه إلى ثرثرة غوغائية.
في 15 نوفمبر 2017، تناول بعضهم الأقلية السورية المسيحية، بأسلوب غير عقلاني ولا اخلاقي، وبمباركة مُندهشة، نشر صاحب أحد المواقع الألكترونية على صفحته الممهورة بإشارة موقع “حرمون” سطوراً يغدق عليها بإعجابه بها، وبعد أن نصّب نفسه شيخاً للعلمانية، ومرجعاً لتصديقها، أعطى نفسه حق منح كاتب تلك السطور البركة ومصداقية العلمنة، فقد قدمها كما يلي: “عندما يقول: “فلان” إنه علماني سأصدقه، وقلائل جداً هم من أصدقهم عندما يدعون امتلاك هذه الصفة”. “بركاتك يا سيدنا الشيخ”.
أما كاتب السطور استطاع أن يغطي أخطاءه النحوية، بما أثاره من شتائم وسباب للسوريين المسيحيين، فهاجمهم مدججاً بحجته على أنهم “أقوى أهدافهم أن يعيشوا بأمان” حتى أن ميشال عفلق لم يكن مسيحياً حين انتمى إلى الهم القومي إلا لأنه “متنفساً لهم” و”كي يعيشوا بأمان فقط”، “ثم وقفوا مع ديكتاتور سوريا الأب والإبن لماذا؟ لأنه يحمي شربهم للعرق وصلواتهم”. قرر المهاجم أن هذه الطائفة أجيرة طيعة لمن يحميها، وحسم أمره بان المسيحي لم يفكر يوماً بأن يكون مواطناً، كما أنه يعلن ميزانه السياسي ليقول: “داعش والمسيحيون على حد سواء كحالة نفعية، وسيلة استبداد لقمع الحريات”، ويشتط بقوله: “هل تتخيل أن هناك مسيحياً يدافع عن العروبة وعن الإسلام”! ويضيف “بالتأكيد. هذا يؤكد أنهم لم يتطوروا لجنس القرود بعد”.
نسي الكاتب والناشر، أن ميشال عفلق عنده كتيب عن رسول الإسلام، يدعونا به أن نتمثل مواقف وسيرة الرسول، كما أنه اعلن إسلامه ومات مسلماً.
ولم يتساءل، أو يقل لنا أحدهما عن سبب هذا الخوف الذي جعل مسيحيي سوريا، حسب رأيهما “كائنات حيوانية”!! وقد كان هذا الإكتشاف العلمي لهما فقط لأن الطائفة المسيحية تنشد الأمان.
لن أدخل في تفكيك منطق ما كُتب، لأنني لم أجد باباً له. الكاتب يدّعي العلم ويلوّح بداروينية سخيفة، والناشر يعلن علمانية ً تنضح بدهشته بها. داروينية تنهار إلى آيديولوجيا عرقية، وتدعي: أن المسيحيين السوريين عرقٌ مصاب بداء الجبن والإنتهازية والدونية. وعلمانية جديدة تقوم على إهانة الناس والحط من كراماتهم. وكأنهما ينتميان إلى سلالة عنترة وأبي زيد الهلالي عقلاً لا يهاب الموت، وجسداً لا يصمد أمامه كائن.
يقول المفكر ياسين الحافظ: “إن الدوغمائية على الرغم من أنها امتثالية وغير شكوكية، إلا أنها مشبعة “بعقلية النقد” التي ينبغي تمييزها عن “العقلية النقدية”. إذ تشكل الأخيرة نقيض الأولى. ففي حين أن “عقلية النقد” تقوم على التجريح والتحقير، إلا أن “العقلية النقدية ” تقوم على التساؤل حول قيمة الإدعاء قبل وزن الحجج التي تقدم…وصولاً إلى التثبت من سلامة الادعاء”.
إن الحقيقة في الفكر الدوغمائي ثابتة ومطلقة، ووحده الذي يمتلكها. لذلك هو مملكة الإستبداد وعدوة العلمانية والديمقراطية. ويحضرني هنا قولٌ للينين: “المثالية الذكية أقرب إلى المادية الديالتيكية من المادية الغبية”.
التجارب التاريخية للمجتمعات تقول: إن أقليات المجتمع المتخلف والطائفي هي المعنية بتغيير حال المجتمع، لا لأنها موهوبة بفكر تقدمي. بل لأنها فئة اجتماعية مغبونة ومحكومة برأي غلاة الأكثرية على أنها فئة هامشية.
واتهام الكاتب، جزافاً، مسيحيي سوريا بأنهم الوجه الآخر لداعش، كان مجافياً للحقيقة تماماً، خاصة أن العالم كله يعرف بأن الداعشية حكمت على هذه الأقلية بالموت، إن لم تدفع الجزية. أما منفعة المسيحيين الآنية والاستراتيجية والطبيعية، فهي تغيير المجتمع الطائفي ـ الداعشي إلى مجتمع قومي ـ مدني، يقوم على كنس مخلفات العصور الوسطى من قبائل وطوائف، وذلك كي يتسنى لهم العيش في دولة المواطنة كرماء وبلا خوف.
أما التشابه الأكثر مطابقة للداعشية، فانه علمانوية سرقت نفسها تحت جنح دمار المجتمع وانهيار دولته، لتمارس التنجيم والتَقية بلسان جاهلي هجّاء، حيث العقل يغيب في غربته كي تجيء السفسطة على كل شيء، دمار يجعل العلمانوية والداعشية يعيشان في رأس واحد، حين تتفقان على أن الأقليات في مجتمعها، إمّا مكفّرة وحكمها الموت أو الطرد أو دفع الجزية بإصغار، فهي “لم يكن لها أية قيمة في بلاد الشام الإسلامية. لقد كانوا كلاب قرود في أعالي الجبال، … إنهم أقذر مخلوقات الله على اللأرض”. كما قال أحد الدواعش. وإمّا ملعونة ومكفرة بالمعنى الأنتروبولوجي على لسان أحد علمانويي حاضرنا المنهار، عندما قال عن المسيحيين: “قردة تتسلق على أشجار الخوف من غصن إلى غصن على أشجار الآخرين”.
القلق والخوف كان ومازال مصدر نزوع التطور، والبحث الدائم عن الأفضل. والاقليات العربية والمسيحية بخاصة امتازت بهذه الخاصية. حين كانت ومازالت تتلقف الافكار المتحررة. والعمل على تبنيها وتأسيسها فكرياً وسياسياً، أي على تفعيلها واقعياً، وكل التيارات الفكرية والسياسية في الوطن العربي تشهد على دور المسيحيين العرب وخاصة المشرقيين المهم والوازن فيها. فإن لم تكن تشعر هذه الأقلية المهمشة مواطنياً بالخوف فهي غير طبيعية، وإن لم تكن هذه الأقلية المغبونة بحق وجود كيانها دائمة التوتر والبحث عن حل مشكلة واقعها، فَمَن غيرها يتولى هذه المهمة، طالما الأكثرية سادرة ولم تحرك نبضاً حتى الآن.
السؤال الأهم هو: إذا سلمنا أن هذه الطائفة ساقطة فكرياً وسياسياً. فأين دور العلمانويين العتيدين هؤلاء عن الشارع المسيحي؟ لماذا لم ينتبهوا إلى “قردية المسيحيين” حتى الآن؟ وأين كانوا يتلهون؟ وما هي مهمة وجودهم الفكرية والسياسية؟ فقط بعد عشرات السنين من نضالهم الموهوم، اكتشفوا بعقلية “كـلـبـيّـة” ممسوخة، ومتمادية بذاتية تهويشية، تحقيرية وعدائية. أن أهلهم قرود!!.

صحيح أن مجتمعنا قديم. إلا أنه واضح وضوح البريء. يوخزني تخلفه دائماً. وينبهني لوجوده كأشواك الورد. لا يخجل من أحد ولا يتوارى. لا يدعي غير نفسه وحاله. يكشف لي كل بواطنه وأشكاله. سلوكه صريحٌ. وكلامه مفهوم صادقاً كان أم كاذباً. يقدم لنا ماهو فيه وبه وعليه دون مواربة أو خبث. لذلك هو في متناول فهمنا. ولا نحتاج معجزة كي نفهم ونعرف أين أسباب مواجع أهلنا. هذا. لو كان عندنا الوعي المهتم والمهموم بهم. فشلك بالإقتراب منهم ليس لأنهم أحجيةٌ ولا طلاسم.
.ما تنطوي عليه عقول ناسنا لا يستوي مع ما يبتغي تقدم الحياة. اعتقادها وفكرها يعاند رؤيتنا كمستبد. أما قلوبهم أحبابنا. فإن كان لك حقٌ ونقدٌ أو ملامة عليهم. لن يتوه السبيل إليهم. وإن كان لك عندهم شوقٌ وودٌ. لن تفقد دفء صدورهم وشغاف أفئدتهم. فقط علينا أن نعي ما يحبُّ لسانهم، كي يمدّوا لساننا باللغة التي تفهمهم وتفهمنا. ويرموا لنا مفتاح بابهم من وراء السور.لنفتح وندخل إليهم آمنين. نتفاعل ونعمل معاً لهدم سلطة الأصنام الجاثمة على أكتافهم دون أن يعوا. حينها نتمكن مما نريد قتله وحبَّه فيهم.
مشكلة كبيرة تخلف أهلنا. إلا أن المصيبة الأخطر هو التخلف المندس في الزوايا المظلمة. المغلف والمزركش بادعاء ثقافي. لأنه عدو خفي. ويهاجمك على غفلة. حيث يمتلك إمكانية اغتيالك من الخلف.
أسارع وأسجل: انني لا أدافع عن طائفية ولا طائفة. بل أدافع عن عقلانية العلمانية، لأن الأخطر فيما سلف هو تسخيف العلمانية والفكر المادي العلمي إلى حد لا يجوز السكوت عنه. فالسبب الأكثر إدانة لعذابات مجتمعاتنا وانكائها حضارياً، هو هذا الفكر الفذلكي والموتور.
إن العجز المقيم في ثنايا رؤوسنا. وتعالينا على أهلنا وناسنا ما هو إلا تعويض رخيص لنقصنا الفكري.

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

عيدٌ للمرأة السورية

رشا عمران تكتب: “لسّا الأغاني ممكنة”

رشا عمران قرأت مصادفةً تعليقات وضعها فلسطينيون وعرب على فيديو مصوّر في ...