الرئيسية / قضايا و آراء / ميشال شماس يكتب: ما يريده السوريون لا ما تريده روسيا

ميشال شماس يكتب: ما يريده السوريون لا ما تريده روسيا

الرابط المختصر:

المحامي ميشال شماس

لايخفى على أحد ان روسيا تريد استثمار سيطرتها العسكرية على أجزاء واسعة من سورية من خلال فرض حلٍّ للمأساة السورية على طريقتها بما يخدم مصالحها بالدرجة الأولى، حلٍّ يساعدها على تجنب الغرق في المستنقع السوري وبالتالي يجنبها المزيد من الخسائر البشرية والمادية التي لن تستطيع تحمّلها على المدى البعيد فيما إذا تأزم الوضع في سوريا وطال أكثر من اللازم، واحتلالها لأفغانستان مازال ماثلاً في أذهان الروس.
ومنذ العام الماضي تحاول روسيا فرض صياغة للدستور السوري من خلال طرحها لمشروعها الدستوري وتوزيعه على القوى والفصائل المعارضة للنظام في اجتماع “أستانة” الصيف الماضي، وقد قوبل بالرفض ذلك المشروع من غالبية القوى السياسية والكثير من المواطنين السوريين، ولتمرير مشروعها عمدت روسيا إلى عقد ما سمي “بمؤتمر الحوار الوطني” في سوتشي بمشاركة حوالي ألف وخمسمائة سوري غالبيتهم من الموالين للنظام، وقد حددت فيه روسيا مسبقاً المبادئ التي يجب ان يبنى عليه الدستور كما فرضت الأشخاص الذين سيتولون مهمة صياغة الدستور، في محاولة منها لتقييد مهمة الامم المتحدة بالطرح الروسي. إلا أن هذا المسعى الروسي لم يُكتب له النجاح المرتجى كما كانت تشتهي روسيا، فقد لقي المؤتمر معارضة واسعة على المستوى الشعبي السوري، إضافة إلى مقاطعة اوروبا وأمريكا له.
وروسيا تريد من خلال محاولاتها المتكررة لتمرير رؤيتها لصياغة الدستور السوري لإشغال السوريين فيه أولا، وثانياً لقطع الطريق أمام أي حديث عن المطالبة بمرحلة انتقالية في سورية لا ترغب موسكو بالحديث عنها لتفادي ما يمكن أن يحدث في المرحلة الانتقالية من ملاحقات قانونية بحق من ارتكب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية بحق السوريين لن يكون جنودها وطياريها بمنأى عن الملاحقة مستقبلا. ولهذا سعت ومازالت تسعى موسكو لجمع ما أمكنها من أطراف سورية معارضة ومتعارضة للعمل تحت قيادة الأسد في حكومة واحدة مع منحها بعض الصلاحيات الشكلية، وهو ما يعني ضمان عدم ملاحقة أي من جنودها الذين ارتكبوا جرائم ضد السوريين من خلال الإصرار على بقاء الأسد وإعطائه صك براءة من جرائمه التي ارتكبها بحق الشعب السوري، وإعادة تكريس ليس كما كان قائماً قبل أذار عام 2011، وبل تكريس ما يشبه اتفاق الطائف اللبناني الذي كرّس سلطة أمراء الحرب الأهلية اللبنانية.
أما ما يريده أغلبية السوريات والسوريين الآن هو العمل على تثبيت وقف إطلاق النار فعلاً وفك الحصار عن جميع المناطق المحاصرة وإطلاق سراح المعتقلين والمخطوفين لدى كل الأطراف، وإخراج كافة القوى العسكرية الأجنبية والمسلحين الأجانب من البلاد، وإقامة هيئة حكم تدير البلاد خلال المرحلة الانتقالية، فسوريا في حالة دمار وخراب شبه كامل بشرياً واقتصادياً، وهي تحتاج بالتأكيد إلى فترة علاجية لا تقل عن سنتين لمساعدتها على وقف الانهيار المتسارع في المجتمع السوري، وسلوك طريق التعافي من المأساة الرهيبة التي تعيشها.
وأرى أن يتضمن الاتفاق على إقامة هيئة حكم انتقالي عدداً من النقاط الرئيسية يأتي في مقدمها:
أولاً- إصدار إعلان دستوري مؤقت، ينص على عدد من المبادئ الاساسية التي ستحكم المرحلة الانتقالية، يأتي في مقدمها وقف العمل في الدستور الحالي والقوانين المقيدة للحرّيات وإلغاء المحاكم الاستثنائية، التأكيد على الالتزام بوحدة واستقلال سورية وتنوعها الثقافي والقومي والديني، والتأكيد على مدنية الدولة السورية وديمقراطيتها وتعدديتها، ومبدأ تدول السلطة سلمياً، ومبدأ سيادة القانون والمساواة فيه وأمامه لجميع السوريات والسوريين، والالتزام بمبادئ حقوق الإنسان المنصوص عليها في كافة الاتفاقيات والمواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق الانسان ولاسيما المتعلقة بحقوق الطفل والمرأة وحرية الرأي والتعبير والفكر والاعتقاد وعدم التمييز بين السوريات والسوريين لأي سبب كان، والتأكيد على استقلالية القضاء بصفته الضامن للحرّيات والحقوق.
ثانياً- تشكيل الحكومة المؤقتة الممثلة لكل المكونات السورية، التي يفترض أن تباشر مهامها فوراً من خلال البدء بتأهيل وتشغيل الإدارات والمؤسسات العامة، وضبط الأمن، والعمل كل من شأنه من أجل تخفيف المعاناة عن كافة السوريين، وتهيئة الظروف المناسبة لعودة كافة اللاجئين بأقصى سرعة ممكنة. تزامناً مع البدء بإعادة الإعمار، وتعيد هيكلة السلطة القضائية وتأمين استقلالها، كما تباشر بسحب السلاح وحصر استخدامه بقوى الجيش والأمن، على أن يُعاد تأهليهما على أسس وطنية احترافية، وإخضاعهما لسلطة الحكومة ورقابة السطلة القضائية، وإحالة من توّرط منهم بقتل السوريين إلى المحاكم.
ثالثاً- تشكيل جمعية وطنية، يتفق على كيفية انتخاب أعضائها من الشخصيات والخبرات الوطنية وتنحصر مهمة هذه الجمعية في صياغة مشروع دستور جديد للبلاد، يعرض على الشعب لأخذ رأيه في هذا المشروع، وبعد أن يحوز الدستور على موافقة الشعب تقوم الحكومة المؤقتة بتهيئة الظروف الأمنية والسياسية والاعلامية لإجراء الانتخابات النيابية والرئاسية تحت إشراف ورقابة الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع الأهلي المحلي والعربي والدولي، وتنتهي مهمة الحكومة المؤقتة والجمعية الوطنية حكماً بعد إعلان نتائج الانتخابات النيابية والرئاسية وتشكيل الحكومة الجديدة.
رابعاً- إنشاء هيئة للعدالة الانتقالية مهمتها الكشف عن المفقودين والمختفين قسرياً، وإنشاء صندوق لتعويض الضحايا، وإجراء مصالحة وطنية وتخليد ذكرى الضحايا، والنظر في تشكيل محاكم وطنية لمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب أو الجرائم ضد الانسانية وغيرها من الانتهاكات الخطير لحقوق الانسان.
ما يحتاجه السوريات والسوريين اليوم من المجتمع الدولي هو الكفّ عن دعم من ساهم بتدمير البلاد، ومساعدتهم على لملمة جراحهم وإعادة بناء دولتهم بعيداً عن القتل والتدمير والاستبداد والتطرف.
لن تتعافى سورية من محنتها، إن بقي في الحكم من ساهم في تدميرها وكان بإمكانه تفادي لك ولم يفعل.

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

فايز سارة: التعفيش في سياسة نظام الأسد

فايز سارة لعله مما يبدو غريباً، قيام سلطةٍ ما تدّعي مشروعية وجودها، ...