الرئيسية / تحقيقات / أسامينا: بين العشوائية والحاجة ظهرت الأسماء في الثورة السورية

أسامينا: بين العشوائية والحاجة ظهرت الأسماء في الثورة السورية

الرابط المختصر:

مدار اليوم  _ آبـو أبو تراب

في مشهد، كان كثير التكرار وربما لم يزل، يعود إلى مطلع 2014م، تجمع عدد من ثوار مدينة حمص المحاصرة في بيت مهدم. كانوا يتزودون بالماء من بئر قديمة فيه. حواراتهم وبرغم اقتضابها كانت من الأريحية بما ينم عن علاقات قديمة وشيجة. فهم كما باقي ثوار المدينة، من أبناء الأحياء والحارات الحمصية التي انتفضت منذ أيام الثورة الأولى، قد تشاركوا العمل في مرحلتها السلمية، وفي مرحلة عسكرتها، ثم في الحصار الذي عاشوا ويلاته وما سيليه من تهجير لمن بقي منهم حياً. لكن تلك العلاقات لم تكن لتعطي الانطباع على الوحدة بينهم والانصهار! ففضلا عن الزي والسحنة، كانت ثمة أمر أشد إيحاءً. خاطب أحدهم آخر بأن يقترب ويملأ غالونه. استخدم في مخاطبته كنية هي أبو سعيد. فرد عليه بنزق ظاهر مطالباً إياه بمخاطبته بكنية أبي قتادة! ومن المفيد أن ننتبه إلى أن المُخَاطِب كان يعرف بأبي شهاب العقيد! وكان من أسماء الموجودين أبو أحمد، أبو عذاب، تفاحة، الجرح، أبو يوسف أنفاق….. إلخ. ولعل هذا التباين الهائل في الأسماء واختلافها يجعل من السذاجة أن تفسر باختزال في مجرد التأطير الأيديولوجي والسياسي.
من العفوية الى مواجهة الملاحقات الأمنية:
الأسماء الحركية كانت غالباً تكتيكاً بسيطاً لتجنب الملاحقات الأمنية والتصفية من قبل أجهزة مخابرات النظام. وكان مألوفاً جداً أن يتعامل الناشطون ويتعاونوا، ولأشهر وربما لسنوات، وكثيرون منهم لا يعرف غيره أو لا يُعرف هو نفسه إلا باسم حركي كان بسيطاً في سنة الثورة الأولى، غالباً ما كان كنية من أمثلتها أبو راتب، أبو خالد، أبو محمود… إلخ.
مع اشتداد حدة الصراع وتعاظم عمليات القمع الدموية، التي تقوم بها الأجهزة الأمنية ضد المتظاهرين، لا سيما في أيام الجمع حيث تندلع المظاهرات، أخذت الأسماء الحركية بعداً جديداً تجاوز البساطة الأولى نحو الحركية الدلالية. كان هذا بتأثير متغيرات، منها المواجهة اليومية مع الموت بسقوط عشرات وأحياناً مئات المتظاهرين السلميين، مما جعل الناشطين أكثر ميلا من الناحية النفسية والاجتماعية لاستلهام البطولة في مجتمع قُمع بلا هوادة طوال خمسة عقود، وصُودرت فيه حريته وقيمه، وأيضا وهو ما يهمنا هنا تشكيلاته الاجتماعية ومُثُله لا سيما مثل البطولة.

سيماف. لقب الناشطة الثورية وئام بدرخان التي خاضت حصار السبعمائة في حمص كاملا. سيماف وتعني في الكردية إبريق الفضة.

مع ظهور سلاح قليل محدود وخفيف، كان في البداية بنادق صيد ومسدسات ثم بنادق الكلاشينكوف 7.62مم، صارت مداهمة الأحياء وتنفيذ عمليات القتل اليومي للمتظاهرين، وتفريقهم بالرصاص الحي أكثر صعوبة وخطورة بالنسبة للنظام الذي مال أكثر إلى الاعتقال على الحواجز والتغييب والتصفية في أفرعه وسجونه. فأصبح لكل حي من أحياء المدن والقرى الثائرة عدداً محدوداً من الشباب المسلح مهمته حماية المظاهرات من قوات أمن النظام وميليشياته، التي شكلها من مواليه منها لجان شعبية عُرفت بعد أشهر بمجموعات الدفاع الوطني. وبدأت وقائع دحر أرتال القوى الأمنية المهاجمة تتوالى تباعاً في صور تزخر بشجاعة وإقدام نادرين، وهي صور تحيل تاريخياً إلى ظاهرة القبضايات التي عرفت في العراق بالشطار والعيارين وفي الشام بالأحداث وفي مصر بـ الفتوات والحرافيش. وبدا وكأن شيئاً لم يتغير في مجتمع عريق ينوء بموروث تاريخي واجتماعي ثقيل، وأن ما كان يُظن اندثاره، كظاهرة قبضايات المدن العريقة في المشرق، قد كمن خفياً في الحقيقة تحت وطأة القبضة الأمنية، فما أن اهتزت الأخيرة حتى ظهر مجدداً بشكل أقوى.
لكن بقيت مسألة غياب مُثُل البطولة، بالنسبة لمجتمع تعرض طويلاً للتجهيل والتهميش والقمع، من أول ما واجهته جماهير الثورة، التي كانت كما في كل ثورة تتشكل في أغلبها من الفئات والشرائح الأكثر شعبية والأقل تعليماً! فكيف كانت المعالجة؟
حادثة تكشف سراً:
في واقعة مبكرة جرت معنا شخصياً في فترة اعتقالنا، عقب مظاهرة جمعة العزة في 25/ آذار/ 2011م، وأثناء إحدى جلسات التحقيق التي يغطون خلالها عيون المعتقلين بعصابة، كنت أسمع صوت المحقق وهو يكيل لي الأسئلة، حتى قاطعه صوت آخر خمنته لأحد المساعدين يخاطبه: “سيدي! هؤلاء الأوباش أفسدهم الجوال، والفاس كوك (يقصد الفيسبوك) وباب الحارة”!!! ولا أنكر أنني قد سخرت في سري من غباوته. لكن تطور الأحوال لاحقاً أثبت ما في قوله من حقيقة! فللمفارقة أن النظام، الذي فشل قومياً واجتماعياً وسياسياً وعجز عن أن يجعل من رموزه مُثُلاً لعامة الشعب، قد واجه ما لم يخطر ببال أذكى منظريه! فقد لجأت الجماهير بشكل عفوي غير موجه إلى إعلام النظام نفسه، وتحديداً إلى الدراما الفنية التي أنتجت مئات من المسلسلات المروجة لبطولة فنتازية غير واقعية ولا تاريخية منذ ثمانينيات القرن الفائت وذلك كتخدير لشعب يرزح تحت حكم نظام أُثخن فشلاً وهزائمَ.
ام جوزيف:
الأسماء الحركية الدلالية ظهرت مع بدء ضربات الثوار الخاطفة لقوى وحواجز وأرتال المخابرات والشبيحة. وكانت مسلسلات البيئة الشامية الزاخرة بمثل الشجاعة والتضحية والقوة والرجولة وباب الحارة منها بشكل خاص، مصدر ثرٌّ لشخصيات بطولية اقتبس الثوار أسماءها، حتى أمكن مع نهاية سنة 2011م ملاحظة كثرة أسماء لثوار من قبيل: أبو النار، العقيد، أبو شهاب، الإدعشري، أبو الليل، وحتى معتز، بليلة… إلخ! ولما كانت الثورة عامة لم تفتقر إلى المشاركة النسوية والتي قدمت عدد من الأسماء القوية في العمل الثوري، كان من الطبيعي أن تمتد الأسماء الحركية الدلالية إلى ثائرات منهن على سبيل المثال، أم جوزيف. وهي سيدة أربعينية من عائلة حمصية ميسورة ومعروفة. بدأت عملها الثوري مبكراً. وهذا ما اضطرها إلى استخدام الاسم الحركي المستعار وتغييره كل حين. لكن التصق بها اسم أم جوزيف وعرفت به بعدما أطلقه الثوار عليها، وخصوصاً بعدما غنى لها عبد الباسط الساروت، في فترة حصار حمص وبدء تعاظم الجوع، أغنيته الشهيرة (أم جوزيف بدنا ناكل).
تقول أم جوزيف: “غالبية الثوار، وأولادي منهم، هم من فئة الشباب الذين بالكاد تجاوزوا العقد الثاني من العمر. ومع اهتمامي بهم، بما استطعت من تقديم المساعدة والطعام النادر في ظروف الحصار وطهيه، كان الثوار/ الأولاد المتعطشين إلى البطولة والطافحين بالقهر قد أطلقوا عليّ لقب أم جوزيف، ربما مقاربة منهم لشخصية درامية، أثارت في قلوبهم الإعجاب والوطنية، شخصية نسوية سورية مسيحية انخرطت في مقاومة المستعمر الفرنسي ودعم الثوار جسدتها الفنانة منى واصف في مسلسل أثير على قلوب ثوارنا عامة هو باب الحارة! وبالنسبة لي وجدته لقباً جميلاً من حيث أنه يقدم مثلاً أعلى لوحدة الشعب السوري بكل مكوناته في وجه المستعمر كما في وجه الطاغية”!

أم جوزيف في أحد نشاطاتها الإنسانية

هكذا يبدو تبني الاسم الحركي الدلالي موقفاً شعوريا ينشد قيمة البطولة في ظروف المأساة، من خلال تداخل الاجتماعي بالأسطوري والتاريخي، وأيضاً الوظيفي والسياسي كما سنرى. وإذا كانت الأسطورة والخرافة كامنة في العقل الباطن لكل الأفراد على السواء، كما يرى الباحثون الفرويديون والعقل الباطن واللاوعي الجمعي بحسب اليونغيون، هل يمكن الحديث عن نموذج واحد من الأسماء الحركية الدلالية في المجتمع الواحد؟ واقع الحال يجيب بأن لا!
بين التاريخي والوظيفي:
منذ بدايات الحملة العسكرية المدمرة على حي بابا عمرو، مع بدايات سنة 2012م، كانت ثمة أسماء من نموذج مختلف قد أخذت تنتشر بين الثوار. وبعدما كان غريباً أصبح مألوفاً سماع أسماء حركية من قبيل أبو الدرداء، القعقاع، قسورة، الظواهري.. إلخ. ولئن ترافق ظهور هذه الأسماء مع اشتداد عمليات النظام الدموية باستقدام الجيش لتدمير المدن والحواضر، وتخلي العالم عن السوريين، بما يدفع إلى مزيد من التدين في شكله النفسي الدفاعي، كتسلح بالمطلق في مواجهة الخارق، والذي قد يكون عرضة للتطرف بسبب انطلاقه من مستوى شعوري لا واع، فإن ثمة عوامل أخرى منها تغلغل الداعم وإملاءاته والذي كثيراً ما كان خليجياً يتبنى أيديولوجيا سلفية، وإطلاق سراح أعداد هائلة من معتقلي الإسلام السياسي وفي مقدمهم الجهاديون.. كل ما سبق وغيره كان من جملة الشروط الموضوعية لتغير مُثُل البطولة عند قسم غير قليل من ثوار سوريا. فبدأت أسماؤهم الحركية تدل على استلهام عصر تاريخي بعينه، هو عصر النبوة والخلافة الراشدية، فعمت أسماء الصحابة والتابعين والصالحين، لكنه استلهام متكئ على المتخيل أكثر من الواقعي وعلى الأسطوري أكثر من التاريخي. من هنا كان مثال أبي سعيد الذي أصبح أبا قتادة! ولعل هذا كان أوضح في أسماء فصائل وتشكيلات الثورة السورية أكثر مما في أسماء الأفراد. يجب هنا الانتباه إلى وجوب دقة التمييز بين الأسماء التي يمكن إدراجها ضمن قائمة الإسلام السياسي، كتنظيم الدولة في العراق والشام وجبهة فتح الشام، وتلك التي ترتبط بالإسلام كتدين عفوي، يجد أبطاله في أسماء أعلام الصحابة مثل كتيبة الفاروق لواء التوحيد وذي النورين.. إلخ. أو تلك الإسلامية ظاهراً السياسية جوهراً كأسماء حركة نور الدين الزنكي، لواء المعتصم بالله.. إلخ.

 

راية جيش الإسلام

بقي هناك نماذج من الأسماء منها ما يمكن تسميته بالحركي الوظيفي. وقد ظهر مع تحرر مناطق وأحياء وقرى بأسرها من سلطة النظام. مما أوجب على الثوار القيام بعبء إدارتها ككل أو إدارتها بما يخدم الفصيل. من هنا كانت أسماء من قبيل أبو محمد طحين للدلالة على عمله في طحن الحنطة المسحوبة من الصوامع وتوزيعها على الأهالي. أو أبو يوسف أنفاق للدلالة على عملة في اطار مجموعة حفر الأنفاق في المناطق المحاصرة لاستخدامها في تهريب الغذاء والذخيرة. وأبو حسام أطراف للدلالة على عمله في مجال صناعة الأطراف الاصطناعية للمبتورين الذين وصلت أعدادهم إلى نسب كارثية. وهكذا.
وهناك نماذج من أسماء حركية ساخرة تسمى بها ثوار من قبيل السخرية مثل أوباما. وأسماء للوعيد مثل عزرائيل وهو القناص الشهير رضوان نحيلي الذي استشهد في حصار حمص. وأيضاً أسماء للرغبة والتمني مثل تفاحة وهو اسم لأحد الثوار في حصار حمص تسمى به في بداية الجوع والمجاعة.

عزرائيل حمص قناص “حي الحالدية” الشهيد رضوان نحيلي

ونختم نماذج الأسماء بالحركية الخاصة بالمناسبة. وهي التي تطلق عادة إثر حادث أو واقعة. من ذلك الجرح وقد سمي به أحدهم إثر إصابته بجرح قاتل لكن شاءت الأقدار أن ينجو. ومنه ما حدث في تموز 2011م، حين توافد الناس بالألوف إلى حديقة جامع خالد بن الوليد في مدينة حمص، لدفن عدد من شهداء مظاهرة سلمية. كان المشهد كثيفاً. الأهالي أمهات وأخوات وإخوة وأقارب وقد حفر بعضهم القبور وبدأوا بتنزيل جثامين الشهداء. على طرف قبر قريب كانت أم وابنها وابنتها يودعون شهيدهم لحظة فتح النار من بنادق ورشاشات قطعان الشبيحة التي داهمت المكان. سقط عشرات وربما مئات من الشهداء الجدد. بقى من الحادثة مشهد قاتل للقبر المجاور الذي نزلت فيه بقوة القتل الأم والأخ ليصبح نزلاؤه ثلاثة أغمضوا عيونهم إلى الأبدية. كما سيبقى مشهد آخر لعدد ممن حاول أن ينقذ بعض المصابين فراحت دماؤهم تقطر من ملابسه، وتشتت الناس في الأزقة والحارات والموت يتعقبهم في جو أقرب إلى أهوال الساعة، وفي لحظة من لحظات الجنون تلك تفطن بعضهم إلى ثيابه التي كانت تقطر دماً فإذا بها تراباً سميكاً بمداد الدماء وحدث أن كناه بعض من رآه بأبي تراب…!

جامع خالد بن الوليد في حمص ايار 2014

أسامينا! هذه هي أسامينا! وكل المحبة والاعتذار للكبيرة فيروز! فأسماؤنا ليس كلام. وما كانت أبداً كلاماً. أسماؤنا أروح تتلاطم وأجسادٌ تُطحن في حكايات، لا تحدث ألا كل بضعة مئات أو آلاف من السنين! حكايات سورية ربما ستكون ذات يوم قادم سفراً ضخماً ضمن أسفار تاريخ ما يسمى بالجنس البشري.

 

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

عندما يكون الجهد أكبر من المردود

غازي عنتاب – مدار اليوم يعاني السوريون في ولاية غازي عينتاب من ...