الرئيسية / قضايا و آراء / آبـو أبو تراب يكتب: الكفاح ضد القانون. لكن من أجله!

آبـو أبو تراب يكتب: الكفاح ضد القانون. لكن من أجله!

الرابط المختصر:

آبــــو أبو تراب

بحسب الأدبيات الماركسية يعتبر القانون، كبنية ومؤسسات، البناء الأعلى في هرم أي مجتمع إنساني. فهو بذلك الانعكاس الدقيق لخصائص الدولة ولطبيعة المجتمع لا سيما في بنائه الأدنى أي وسائل وعلاقات الإنتاج السائدة فيه.
وكما هي كل الثورات من حيث الشك في شرعية كل ما هو قائم قبل اندلاعها، جاءت الثورة السورية صراعاً دامياً ضد كل ما يمت لنظام الأسد الحاكم منذ سنة 1970م بامتداده العضوي إلى ما سبقه من حكم عسكري منذ سنة 1958م الذي مهد لتعطيل الدولة السورية، وشل طاقات مجتمعها.
مما ثار الصراع بشأنه كان وما يزال القانون! أي جملة القوانين والتشريعات السائدة في سوريا حتى لحظة اندلاع الثورة في آذار 2011. والمفهوم المستهدف كما درج على ألسنة وبيانات بعض الأفراد وبعض الكيانات الثورية هو القوانين الأسدية! والذي كما يبدو مائعاً متداخل الحدود مع غيره من المفاهيم.
فما هي قوانين الأسد؟ وهل من محدد لها بمقابلتها بحدود وبدلالة مصطلح القوانين السورية؟ وهل من دلالة غير الجهل على الخلط بين المصطلحين؟ ونحن هنا لا نتجاوز في هذا الحيز البعد القانوني/ الاجتماعي. على أن نخصص مقالاً يتناول هذا الموضوع الإشكالي في بعده الأيديولوجي/ السياسي.
ينتمي النظام السياسي في سوريا، بحسب التصنيف الدستوري، إلى فئة الأنظمة السياسية الرئاسية. بمعنى أن لرئيس الجمهورية العربية السورية صلاحيات تنفيذية كاملة باعتباره رئيس السلطة التنفيذية، وله صلاحيات تشريعية أضيق نسبيا باعتبار مؤسسة الرئاسة جزء من مؤسسات السلطة التشريعية، التي تأتي في مقدمها مؤسسة البرلمان/ مجلس الشعب صاحب الاختصاص الأصيل في التشريع وسن القوانين. وهو في هذا نظام يتشابه مع النظام الرئاسي في فرنسا أو الولايات المتحدة الأمريكية مثلا. وبناء عليه فإن لرئيس الجمهورية السورية صلاحية إصدار القوانين خارج انعقاد مجلس الشعب في صورة مراسيم تشريعية تعرض على المجلس لمناقشتها وإقرارها أو ردها عند أول انعقاد جلسة له.
وبموجب هذا النظام السياسي، الذي ساد سوريا في فترة ما بعد الاستقلال/ الحكم الوطني 1946م – 1958م، أصدرت سوريا قوانينها الحديثة. فالقانون المدني السوري صدر بالمرسوم التشريعي رقم 84 تاريخ 18/ 5/ 1949م. وقانون العقوبات السوري صدر بالمرسوم التشريعي رقم 148 تاريخ 22/ 6/ 1949م. أما قانون الأحوال الشخصية فصدر بالمرسوم التشريعي رقم 59 تاريخ 7/ 9/ 1953م. وهذه مجرد أمثلة على تكون بنية القوانين السورية وتبلورها قبل سيطرة الأسد على السلطة، وتأسيس نظامه الخارج على القانون والشرعية بزمن طويل. ويمكن تفسير صدور كثير من القوانين عن رئاسة الجمهورية بكونها المؤسسة الأعلى في الأنظمة الرئاسية. وهي بالتالي الأكثر قدرة وإمكانيات من حيث غناها بالكوادر المختصة وتدعيمها بالهيئات والمجالس الاختصاصية المساعدة والاستشارية والفنية.
لقد جاء انقلاب الأسد الأب سنة 1970م، بعد فترة من فوضى العسكريين منذ 1958م، في دولة متكاملة المؤسسات، وتحتفظ في حياتها السياسية والمجتمعية بحدود واضحة فاصلة بين سلطات الدولة الثلاث، التشريعية والقضائية والتنفيذية. ولا نحسب أن أحداً لا يعرف كيف اخترق نظام الأسد بنية الدولة السورية، واستلب مؤسساتها حتى وصلنا إلى مرحلة القائد الأول والمعلم الأول والقاضي الأول والفلاح الأول. وأصبح حتى عمل البلديات في ترحيل القمامة من الأحياء والقرى مكرمة خالدة من مكرمات الرئيس الخالد.!! وهو ما يعكس تعطيل الدولة ومؤسساتها لمصلحة الديكتاتور ونظامه.
على أنه يجب هنا أن نميَز جيداً بين الرئيس كفرد والرئاسة كمؤسسة. ففي السنوات الأول من وراثة بشار الأسد لحكم سوريا عن أبيه، درج بعض السوريين، لا سيما في العاصمة دمشق، على تلقيبه بـ “أبو رسمي الفاضي”، وفي ذلك دلالة على السخرية الشعبية من كثرة مراسيم بشار الأسد التي وصلت في بعض الأحيان إلى أن تكون يومية! والتي تظهر مدى تهميش المؤسسات العامة من مجالس ووزارات وهيئات عامة وسلب اختصاصاتها المحددة دستوريا.
وإن كان كثير من تلك المراسيم، التي وضع نصوصها مختصون، قجاءت تلبية لمتطلبات الدولة والمجتمع السوريين، وهذه مما تبقى ضمن مجموعة القوانين الوطنية، فإنه وبالمقابل ثمة عدد غير يسير من المراسيم التي وضعت للتضييق على السوريين أو لتصفية الخصوم أو لتسهيل اختلاس الأموال والثروات العامة من قبل رموز النظام وأركانه، مثل المرسوم 8 لعام 1980م والقانون 40 لعام 1981م وما إليها من مراسيم تشرعن لحالة الطوارئ ولتعطيل الحريات العامة ولسلب الأموال العامة والخاصة، وهذه مما تعتبر أدوات النظام لاستعباد الشعب السوري وإضعافه. وقد أعرب قانونيون سوريون في أكثر من مناسبة، منها اجتماع الفعاليات المدنية والعسكرية المنعقد مؤخر في مدينة الباب شمالي حلب، عن سهولة تحديد المراسيم والمواد التي دسها النظام وتطهير القوانين السورية منها.
وإذا كانت الثورة السورية قد اندلعت في آذار 2011م ضد النظام الأسدي، لا ضد الدولة ولا ضد المجتمع السوري، فإن الموقف من القوانين السورية يجب أن يعتمد التمييز بين قوانين الدولة ومؤسساتها وبين تلك الصادرة لمصلحة النظام الأسدي وعلى حساب السوريين. أما رفضها بالكامل فلا يمكن قراءته إلا رفضا لسوريا الموحدة ولمجتمعها الواحد، ويؤدي إلى استمرار الفوضى الدامية وإطالة أمد الجحيم السوري.
نعم! ضد قوانين الأسد! والكفاح ضدها لكن من أجل القانون – بحسب عبارة فقيه القانون الألماني إيهرنج – فالهدم لا يكون لمجرد الهدم. ولا نحسب سوريا عاقلاً يتردد في رفض القوانين الجائرة الصادرة من النظام ولمصلحته. مثلما لا يتردد شريف في الدفاع عن القوانين السورية الوطنية والمعبرة عن سوريا دولة ومجتمعاً.

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد الحكيم بشار يكتب: ماذا بعد «استدعاء» بوتين للأسد؟

عبد الحكيم بشار الزيارة أو الاستدعاء المفاجئ للرئيس بوتين لرئيس النظام السوري ...