الرئيسية / ملفات / إيران ما بعد خامنئي.. انقلابٌ عسكريٌّ يلوح في الشَّرق الأوسط

إيران ما بعد خامنئي.. انقلابٌ عسكريٌّ يلوح في الشَّرق الأوسط

الرابط المختصر:
إياد العنبر وحسن الصرّاف

قد تبدو الأمور هادئةً، بعد موجة الاحتجاجات التي ختم بها الإيرانيون عام 2017، بيد أن دلالات الشعارات التي رفعها المحتجّون تشير إلى تصدّعٍ على مستوى العلاقة بين المجتمع والنظام، وتهديداً لأيديولوجيا الدولة التي كانت تستمدّها من عناوين الثّورة الإسلاميّة. فمن أهم وظائف الأيديولوجيا توفير إطار للإجماع الوطني الذي يعبّر عنه أنطونيو غرامشي بـ”الهيمنة الإدراكية”، فالدّولة لا يُمكنها أن تُحقق الهيمنة على المجتمع السياسي والتنظيم الاجتماعي، ما لم تمتلك أيديولوجيا تتوافق عليها الجماهير، وتتقبلها على أنها أمر طبيعي ومعتاد. وعلى هذا الأساس، يتكوّن الإجماع الوطني، وهو، كما يعرّفه صاموئيل هنتنغتون، في كتابه “النظام السياسي لمجتمعات متغيّرة”، “إجماع عارم من الشّعب على شرعية النظام السياسي، وفي كلّ دولة يشترك المواطنون وقادتهم في رؤية المصلحة العامة للمجتمع والتقاليد والمبادئ التي يبنى على أساسها المتُحّد السياسي”. بيد أن الشعارات التي رفعها المحتجّون تؤشّر إلى زحزحة في الشرعية السياسية للنظام القائم في إيران؛ ففي نظام سياسي لا يزال يتغنّى بالثورة، بعد أداء صلاة الجماعة التي تكون بمساجد المؤسسات الرسمية، كالمدارس والجامعات، يكون الهتاف “اللهم احفظ ثورة الخميني حتّى ثورة المهدي، واحفظ القائد الخامنئي بألطافك”؛ في حين كانت هتافات المُحتجّين في تظاهرات الأيام الأخيرة من ديسمبر/ كانون الأول 2017، بشعاراتٍ مثل “الموت للدكتاتور” و”اليوم هو يوم العزاء، وحقوق الشعب متخفيّة تحت العباء”… إلخ. وقد لخّص المفكّر الإيراني، محسن كديفر، قراءته الشعارات في مقال نشره على قناته بالتلغرام: (قوّض المتظاهرون البُنى السياسية المتعارَف عليها، وتجاوزوا حتّى الشخص الأوّل في النظام، واستهدفوا بهتافاتهم أصل النظام الحاكم، ورفعوا شعاراتٍ من قبيل: “لا نريد، لا نريد الجمهورية الإسلامية” و”حريّة حريّة، جمهورية إيرانية”). ويمكن قراءة هذه الهتافات تهديداً حقيقياً لشرعية النظام السياسي الإيراني.
وبصرف النظر عمّا حققته هذه التظاهرات، فإنها أطلقت جرس إنذار عدم الاستقرار السياسي في إيران، فالتظاهرات وشعاراتها تعبّر عن ضعف قدرة المؤسسات السياسية على الاستجابة للمطالب الشعبية، وهذا ما يُعدّ السبب الرئيس في ظاهرة عدم الاستقرار السياسي. وواقع الحال، كما يقرأه مراقبون إيرانيون كثيرون في الداخل والخارج، هو أن هناك موجة من الاحتجاجات لشبابٍ مثبَط يأمل إصلاح الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية في مجتمعه، ولا يثق بأيّ من التيارات الأصوليّة والإصلاحية. لكنّهم (المحتجّون) يفتقدون وجود قادة يوجهون حركة الاحتجاجات، فضلاً عن أنّ المدن الكبرى، ما عدا مشهد، ما زالت مترددة، وإنّ غالب التجمعات والاحتجاجات اللافتة حدثت في المدن الصغيرة والمتوسطة، وسعة الاحتجاجات وطبيعة الاشتباكات مع عناصر الشرطة والهتافات التي ذكرتها التقارير عن المدن الكبرى، مثل طهران وتبريز وأصفهان وشيراز وكرج، بالقياس مع أعداد النفوس في تلك المدن، ومع مساحتها الجغرافية تبدو محدودة. والأهم من ذلك، يبدو أنّ الطبقة الوسطى والمثقفة في هذه المدن الكبرى لم تقتنع تماماً للالتحاق بموجة المظاهرات الاحتجاجية، وإن انضمّت هذه الطبقة إلى حركة الاحتجاج ستدخل الأزمة في مرحلةٍ من دون عودة.
النقطة المهمة أن حركة الاحتجاجات تؤشر إلى وجود حاجة ماسة من مؤسسات النظام الإيراني، للتفكير بالاستجابة للمطالب الشعبية، من خلال مناورة تغيير جديدة للحفاظ على مكتسبات الثورة الإسلامية، بعد استهلاك ظاهرة الاستقطاب بين المحافظين والإصلاحيين. فمن هي المؤسسة القادرة على تحقيق تلك المناورة؟

من سيقود إيران؟
صحيح جدّاً أن زمن الانقلابات العسكرية بإعلان البيان رقم واحد، من خلال السيطرة على محطات التلفزة، بات من التاريخ، ولم يعد ممكناً في زمننا الحاضر، ولكن محاولات الانقلاب العسكري الناعمة لا تزال فاعلة في منطقة الشرق الأوسط، ولعلَّ ما حدث في مصر في انقلاب عبد الفتاح السيسي يؤكّد أن السيطرة، والوصول إلى السلطة عن طريق الانقلاب العسكري، لا تزال خياراً ممكناً، لا سيما إذا كانت المؤسسة العسكرية فاعلة في النظام.
وعلى الرغم من أن تجربة الثورة الإيرانية في عام 1979 اعتمدت حلّاً يكبح جماح المؤسسة العسكرية، ويمنعها عن العبث بالعملية السياسية، من خلال تأسيس زعيم الجمهورية الإسلامية، آية الله الخميني، في سنة الثورة نفسها، جيشاً آخر سمّاه جيش حرس الثورة الإسلامية، الذي عُرف في الصحافة والكتابة العربية باسم الحرس الثوري، والذي أكدت على دوره المادّة 150 من دستور الجمهورية الإسلامية أنّ مؤسسة “الحرس الثوري” التي تأسست، في الأيّام الأولى من الثورة، تبقى مستمرّة في أداء دورها للحفاظ على الثورة الإسلامية ومنجزاتها، وإن وظائف هذه المؤسسة وصلاحياتها ودائرة مهامّها وطبيعة علاقتها مع سائر القوّات المسلّحة مبنيّة على أساس التعاون الأخوي، وبإشراف القانون؛ بمعنى أنها المؤسسة الموازية للمؤسسة العسكرية الرسمية.
وبتأسيس الحرس الثوري، أصبحت إيران دولة تملك قوّتَين، أو مؤسستَين عسكريتَين منفصلتَين في الهيكلية والتنظيم، مع إعطاء مهامّ أوسع وأخطر لقوّات الحرس الثوري، إذ نجحت هذه القوّة، منذ تأسيسها، في كلّ مهامّها تقريباً، من أهمّها إفشال انقلاب عسكريّ في سنة 1980، عُرف بانقلاب “نوجه” الذي كان يهدف للإطاحة بنظام الجمهورية الإٍسلاميّة الفتيّ، إذ نفّذه ضباط وجنود من قوات المشاة والقوّات الجوية والجيش والمخابرات السابقين في نظام الشاه، وهذا ما يؤكّد حنكة السيد آية الله الخميني وذكائه في تأسيس جيشٍ نظامي موالٍ للثورة، منفصلٍ عن الجيش النظامي السابق الذي قد لا يوالي أحداً سوى عَلَم الوطن.
تصدّى الحرس الثوري لاحقاً لمهام عسكرية وأمنية كثيرة كقمع نشاطات منظمة مجاهدي خلق الإرهابية، وإدارة الحرب مع جيش صدام حسين طوال أعوامها الثمانية، وإدارة المنافذ الحدودية وحماية المطارات والطيران الإيراني كافّة. وفي الأعوام القليلة الماضية، كان ضبّاط الحرس الثوري هم الخبراء العسكريين والمستشارين في حرب القوّات العراقية والسورية ضدّ تنظيم داعش، بل حتّى الصواريخ الايرانية التي أُطلقت من الأراضي الإيرانية على مقرات “داعش” في سورية، كانت صواريخ الحرس الثوري، وليست صواريخ الجيش الإيراني.
لم تقتصر نشاطات الحرس الثوري على الجانب العسكري والأمني فقط، بل ساهم ضبّاط الحرس الكبار، بعد انتهاء الحرب، في مشاريع استثمارية كبيرة داخل إيران، وغالب المشاريع المُربحة والشركات الكبيرة والمصانع يمتلكها الحرس الثوري، فعلى سبيل المثال، في سنة 2009 اشترى الحرس 50% من أسهم شركة الاتصالات الإيرانية بقيمة ثمانية مليارات دولار، فضلاً عن أنّ هذه الشركة تُعَد إحدى أكبر الشركات المربحة في إيران، وهذا ما يدلّ على أنّ لهذه القوّة العسكرية مصادر للتمويل الذاتي، تضمن لها استمرار البقاء، مهما استمرّت العقوبات الدولية.
تأدية المهام العسكرية والأمنية والحضور الواسع في القطّاعين، الاقتصادي والصناعي، لا يعني غياب ضبّاط الحرس الثوري عن العمل السياسي، فثمّة كثيرون من كبار هؤلاء الضبّاط خلعوا بذلاتهم العسكرية في فترات لاحقة بعد الحرب، وتخلّوا عن الألقاب والتسميات والرتب العسكرية، ودخلوا ضمن العمل السياسي والإداري في المناصب العليا، فمحسن رضائي الذي كان قائداً عامّاً لقوّات الحرس أصبح سياسياً بارزاً، وخاض مرّاتٍ السباق الانتخابي، للوصول إلى رئاسة الجمهورية.
أعطت المشاركة في العمل السياسي خبرة واسعة لضبّاط الحرس الثوري، وهذا ما أتاح لهم الفرصة لخوض المفاوضات الدبلوماسية وإدارة المحادثات، بدلاً عن الخارجية الإيرانية، وقد ورد في تقرير إنجازات الخارجية الإيرانية الذي نشرته حكومة الرئيس حسن روحاني أن عدم اعتبار وزارة الخارجية الإيرانية، بصفتها الجهة الـمَعنيّة بوضع السياسات الخارجية وإدارة الشؤون الخارجية للبلد في الأوساط الدولية، هي من أهم المشكلات التي يعاني منها الجهاز الدبلوماسي الإيراني. أقرب مثالٍ على الحضور الدبلوماسي لضبّاط الحرس الثوري نجده في دور قاسم سليماني وسيطاً في إدارة المفاوضات بين أربيل وبغداد، وقد أعلن في حينها عضو اللجنة الأمنية في مجلس الشورى الإيراني، علي رضا رحيمي، أن زيارة سليماني إلى كردستان العراق تأتي في سياق العلاقات بين إيران والعراق. وثمّة حضور دبلوماسي لضبّاط آخرين، من أمثال رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلّحة الإيرانية، اللواء محمد باقري، الذي كانت له زيارة رسمية إلى تركيا في شهر أغسطس/ آب الماضي، والتقى بالرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وبمجموعة من قادة الجيش التركي. وكان الحديث عن التعاون المشترك في مجال الشؤون الإقليمية والحرب على الإرهاب وأمن الحدود المشتركة، وكذلك محادثات أستانة من أهم المحاور التي نوقشت في الحديث بين اللواء باقري والمسؤولين السياسيين والعسكريين الأتراك.
أمّا داخلياً، وكما جرت الإشارة آنفاً، لا يسمح الحرس الثوري الإيراني لأيّ حركة احتجاجية شعبية، مهما كانت دوافعها ومحفّزاتها، بأنْ تهدد شعارات الثورة، فحتّى الحراك الشعبي الإصلاحي الذي يمكن أن نعدّه أكثر الحركات الاحتجاجية سعةً وابتعاداً عن التدخلات
“لا يُمكن تكرار عملية اختيار المرشد الجديد التي تمّت بسرعةٍ كبيرة بعد رحيل الخميني” الخارجية، لا يمكن أن يكتب له النجاح، وذلك لهيمنة الحرس الثوري على الأمن القومي والاستخبارات وأجهزة الاتصال، وحتّى شبكات التواصل الاجتماعي، فخلال حركة الاحتجاجات التي شهدتها المُدُن الإيرانية في نهاية سنة 2017، شدّدت الجيوش الإلكترونية المحترفة (جيش سايبري) التابعة لدوائر المخابرات والأمن الإيراني رقابتها على وسائل التواصل الاجتماعي وخطوط الاتصالات، وخصوصاً تطبيق التلغرام الذي يُعد الأوسع انتشاراً في إيران، بالمقارنة مع سائر تطبيقات التواصل، فبحسب إحصائية مركز استطلاع الرأي العام، التابع لمؤسسة الجهاد الجامعي، (من المؤسسات المنضوية تحت قيادة الحرس الثوري)، فإن أكثر من 62% من الإيرانيين مشتركون في تطبيق التلغرام، وكان يتوقَّع من هذا التطبيق أن يؤدّي دوراً كدور “فيسبوك” في الثورة المصريّة التي أطاحت الرئيسَين حسني مبارك ومحمّد مرسي. ولكن الجيش السايبري الإيراني الذي تُعد كل إنجازاته مواكبة لأهداف الحرس الثوري حجب تطبيق التلغرام أكثر من أسبوعين، وأغلق قنوات ومجموعات كثيرة مهتمّة بأخبار الاحتجاجات داخل هذا التطبيق، ما أدّى إلى عدم تمكّن المتظاهرين من التواصل فيما بينهم. وبالتالي أنهيت الاحتجاجات، وقد صرّح قائد الحرس الثوري الحالي، محمّد علي جعفري، بعد انتهاء الاحتجاجات بأنّ مساهمة قوّات الحرس الثوري في التصدّي للمظاهرات كانت محدودة جدّاً، ما يدلّ على أن لهذه المؤسسة العسكرية والأمنية قوّة أكبر وأوسع بكثير للتصدّي لاحتجاجاتٍ أكبر من هذه.
الحضور الواسع والفعّال في كل المجالات العسكرية والأمنية والاقتصادية والسياسية والدبلوماسية وتقنية المعلومات والاتصالات يجعل مؤسسة الحرس الثوري الإيراني القوّة المهيمنة العظمى في نظام الجمهورية الإسلامية. والعلاقة الوطيدة بين شخص المرشد السيد علي الخامنئي وكبار الضبّاط في قوّات الحرس التي بدأت منذ أيّام الحرب الإيرانية العراقية، حين كان الخامنئي رئيساً للجمهورية، مثل هذه العلاقة الوطيدة والعميقة تسهّل التنسيق والتواصل بين مكتب المرشد والمؤسسات الواسعة والمتنفذة لدى الحرس الثوري، ولكن في حال غياب شخص المرشد، من المتوقَّع جدّاً أن تكون كلمة الفصل لاختيار المرشد الجديد بيد الحرس الثوري. وفي أسوأ الأحوال، يمكن لحرس الثوري أن يقوم بانقلاب عسكريّ لإقصاء كلّ المناوئين من السلطة، والانفراد في القيادة بعد تنصيب شخصية ضعيفة أو فخرية مكان المرشد السابق؛ وما يعزّز حدوث مثل هذه السيناريو النقاط الآتية:
ـ لا يُمكن تكرار عملية اختيار المرشد الجديد التي تمّت بسرعةٍ كبيرة بعد رحيل آية الله السيد الخميني، لتباينٍ كبير بين ظروف تلك المرحلة والمرحلة الراهنة، فضلاً عن غياب كثيرين من قياديّ الثورة الكبار، بالإضافة إلى كبر سنّ القياديين الحاليين، فضلاً عن أنّ قوة مجلس تشخيص مصلحة النظام وسلطة مجلس خبراء القيادة ومجلس صيانة الدستور ومجلس الشورى الإسلامي والسلطة التنفيذية والقضائية لا تضاهي قوّة الحرس الثوري المتنفذة في كل المجالات.
ـ يواجه النظام الإيراني في الوقت الراهن تهديدات جادّة من المنافس السعودي في المنطقة ومن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وإن هذا النظام لا يتوانى عن التصدّي لهذه التهديدات، ومن المحتمل جدّاً أن يُحدث تغييراً جذرياً في الخطاب السياسي وفي طبيعة القيادة، ولا مانع في أن تكون هذه القيادة قيادةً عسكرية لمواجهة أي خطرٍ عسكري.
ـ النزعات العرقية والمشكلات الاجتماعية والفجوة بين الفقير والغني والشرخ الكبير بين الدولة والشعب، بحسب متخصصين كثيرين في المجتمع الإيراني، أحدثت أزمة اجتماعية وسياسية كبيرة، وهي في طور التضخّم يوماً بعد يوم. وما الحركات الاحتجاجية التي تبرز في المدن الإيرانية بين الفينة والأخرى إلّا إيذان حدوثِ زلزالٍ كبير، من شأنه أنْ يكون الأخطر في تاريخ إيران المعاصر، ويصعب إيجاد وسيلةٍ لتجاوز هذا الخطر سوى المبادرة بإحداث تغيير استباقي، يمكن إدارته، بدلاً عن حدوث تغييرٍ يُفرَض عنوةً على الساحة الإيرانية.

المصدر: العربي الجديد

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟

نمر سلطاني عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر ...