الرئيسية / مقالات / حامد الكيلاني يكتب: روسيا بين شوطين: الانتخابات ومونديال كرة القدم

حامد الكيلاني يكتب: روسيا بين شوطين: الانتخابات ومونديال كرة القدم

الرابط المختصر:

حامد الكيلاني

انتهت الانتخابات الروسية على طريقة ما يجري في بلدان العالم الثالث وضمن التوقعات بفوز الرئيس فلاديمير بوتين بفترة رئاسية رابعة، من دون اهتمام بنسبة التصويت فالمهم مواصلة السلطة، وذلك من طبيعة حدود التنافس الانتخابي فقط.

فترات حكم مفتوحة، ودستورٌ نصوصُه مصابة بضغط الدم المفاجئ يتلاءم مع قراءة التاريخ الروسي منذ 101 عام، رغم ما تخللته من فترة دراما البرسترويكا وتخلي الوجه الصخري المتجهم للنظام الشيوعي عن ملامحه بفعل مطاعم الوجبات الأميركية السريعة والانفتاح الأكثر من ثوري على مجمل أسلوب الحياة الأوروبية.

فلاديمير بوتين كمواطن روسي عاصر الاتحاد السوفييتي ينتابه الحنين لتلك الفترة رغم أنه تسلق إلى قمة سلم الرئاسة بتوصيلة ليبرالية بمواصفات النظام الرأسمالي وأدواته، مع ما يرافقها من تجريب واحتمالات فوضوية وانفلات مجتمعي، وهو ما كان وما شكل قاعدة مبررات بوتين في إعادة شدّ اللجام بقسوة متناهية أحيانا، وأخرى بمعالجات مواهبه الشخصية. كانت الذروة في قرار ضمّ شبه جزيرة القرم عام 2014، لذا توجهت الأنظار في الانتخابات الأخيرة نحو نسبة التصويت في شبه الجزيرة والتي تجاوزت 90 بالمئة لصالح بوتين.

المواقف الروسية ازدحمت عند جدار الانتخابات وفتحت لها ثغرات خطيرة كما في ملف حرب الجواسيس وتصفية الخصوم الذي أدّى إلى طرد متبادل بين بريطانيا وروسيا للدبلوماسيين بحدوده المقبولة كسقف مخابراتي تحت العلم والسيطرة.

التصعيد على التوقيت الروسي عنوان لأداء المهمة، ثم الانصراف إلى التهدئة في الأيام والأسابيع التالية بوسائل النفي أو بتفعيل الوسطاء أو تسطيح الاتهامات البريطانية. الاتهامات في قضية استهداف الجاسوس المطلق سراحه سيرجي سكريبال بغاز الأعصاب تحديدا، حظيت بتوافق ودعم سياسي أوروبي وأميركي.

الأمر لا يتوقف عند التوطئة بفوز بوتين في الداخل الروسي، بل إن ثمة توافقا أو إملاءات روسية لا يخطئها الرصد لتقاذف الكرة الانتخابية الروسية في ملعب محور دول “المقاومة والممانعة”، الذي أعلن عن مواعيد اجتماعات معلنة في بغداد بحضور روسيا وإيران والعراق وسوريا لتنسيق المواقف والإجراءات في استعراض هادئ لإقحام التغلغل الروسي في العراق بمناورة ساذجة على مقاس النظام الإيراني وعملائه.

ما يظهر على السطح من تحرشات في تصريحات قادة الميليشيات أو من نواب في برلمان ومجلس وزراء العراق تستهدف وجود القوات الأميركية، تبرره أعداد القتلى من الميليشيات الإيرانية بدمائها العراقية وآخرها سقوط أكثر من 100 قتيل في أطراف القاعدة الأميركية من منطقة التنف المحددة بمنطقة حظر معلومة المسافة، عدا عن اشتباكات بخسائر سابقة لم يتم تسويقها في الإعلام.

غاز الأعصاب في بريطانيا جاء في وقت تلف أعصاب أعضاء مجلس الأمن في محاولتهم إقناع المندوب الروسي بتمرير قرار يتعلق بوقف المجزرة في الغوطة الدمشقية، دون التلويح بالفيتو؛ وبعد التأخير والتعديل وافق الجانب الروسي على القرار 2401 تلافياً لردات فعل دولية، ثم دخل القرار دهليز إيقاف التنفيذ بالإرادة الروسية ما أوقع المجلس والمجتمع الدولي في حالة شك بجدوى حتى إصدار القرارات بالإجماع.

أثناء ذلك كانت الضربات الكيميائية بغاز الكلور تزكم أنوف القادة الذين وضعوا خطوطاً حمراء، مع شرط التثبت، ينبغي على النظام السوري وحلفائه عدم خرقها بعد سلسلة الرفض الروسية في الشهور الماضية لما صدر من تأكيدات موثقة وبالدلائل العلمية عن اللجان المختصة بالتحقق من استخدام الأسلحة الكيميائية والجهة المنفذة.

المرشد الإيراني علي خامنئي وأثناء المجزرة في الغوطة الشرقية استعرض أسباب هزيمة نظام الخميني أمام العراق في حرب الثماني سنوات خلال لقائه مجموعة من الفتيان، متطرقاً إلى الأسلحة الكيميائية في عراق ما قبل الاحتلال الأميركي في محاولة منه لخلط الأوراق وتشتيت الانتباه عمّا يحدث من إبادة في الغوطة الشرقية، للإيحاء بعدم امتلاك إيران للأسلحة مثار الشك بواقعية التعاون القائم بين روسيا وإيران وسوريا وكوريا الشمالية.

يبدو أن الإعداد لهذا اللقاء كان إيرانيا صرفا وإن بتوجيه روسي، لذلك أخفق في التفاصيل؛ لكن ماذا عن سيناريو زيارة حاكم سوريا للغوطة الشرقية وحديثه أثناء قيادة سيارته الخاصة على طول الطريق للغوطة المنكوبة ثم احتضانه للأطفال؟ هذا النوع من الإعداد والإخراج خلفه طاقم روسي أو تجهيز روسي، لأن الطبخة الفنية حاضرة في الفكرة وتأكيد علامات المكان وأيضاً في مصادفة غريبة مع يوم الانتخابات الروسية.

على أي حال روسيا الاتحادية لا تحتاج إلى مراجعة نقدية للبريسترويكا وإعادة ضمّ دول الاتحاد السوفييتي في محاولة منها للاستيلاء على حيز كبير من الجغرافيا، إذ أنها تغطي مساحة الشمال الأوروبي والآسيوي، وكانت روسيا ومازالت قبعة بيضاء وخضراء فوق رأس العالم القديم ولها من الخيرات والموارد البشرية عبر منجزها التاريخي ما يغنيها عن التردد في الاندماج أو المصاهرة مع من تعتبرهم خصومها في التجارة والاقتصاد. وما أنجزته في قطاع السياحة إلا مثال صغير ينفع في التعميم لمد الجسور نحو الاستراتيجيات الكبرى في الأحلاف والأهداف المشتركة.

تنظيم بطولة كأس العالم لكرة القدم في موسكو تأمل فيه البشرية من بوتين تحديداً ومن أوروبا والدول الأخرى، استثماره في سياق تعزيز السلم العالمي وترك فرصة للتقارب بين الأنظمة السياسية كما هي رغبة الشعوب. ومثالنا القريب دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في مدينة بيونغ تشانغ الكورية الجنوبية وحصيلة ما نتج عنها على المستوى السياسي من تحريك للملف النووي لكوريا الشمالية وتفاهمات مرتقبة حول لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس كيم جونغ أون في نهاية مايو المقبل.

علاقة الجنرال الفرنسي شارل ديغول بالزعيم السوفييتي جوزيف ستالين يمكن أن تكون نموذجا للعلاقة بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بل ومع بريطانيا والاتحاد الأوروبي عموماً؛ فما نجح فيه الجنرال ديغول بـ”القوة الناعمة” مع ستالين قابل للتطبيق في نجاح هذه القوة بالأحرى مع بوتين، فالنتائج شبه معقولة بالمقارنة بين ستالين وبوتين.

العزلة الروسية يستهجنها بوتين لأن روسيا بلد أوروبي وإن فرقتهما الأيديولوجيا؛ وبوتين أدرى بالبريطانيين لأن روسيا لهم كانت في قرون مضت سوقاً للتجار وحدائق للنزهة.

هل نشهد نهاية مأساة الغوطة بعد نهاية الانتخابات الروسية مع أجواء من التهدئة في قضايا عالمية تؤرق القائمين على المونديال الكروي في موسكو. الكرة تحت أقدام بوتين رغم أن عينيه لا تستقران على هدف.

العرب (لندن)

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

وليد خدوري يكتب: «أوبك» مستنفرة لمنع تدهور أسعار النفط مجدداً

وليد خدوري دعا وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية السعودي خالد الفالح الدول ...