الرئيسية / ضيوف وزوار / أحمد عمر يكتب: تغريبة أم ترانسفير؟

أحمد عمر يكتب: تغريبة أم ترانسفير؟

الرابط المختصر:

أحمد عمر

التفريبة هي الوصف السائد في الصحافة العربية، لعمليات ترحيل الشعب السوري عن أرضه، والشعب الفلسطيني من قبله. وهو وصف يتسم بالشاعرية والرومانسية، خاصة أنّ التغريبة السورية تتم في باصات خضر. وينتشر أيضاً مصطلح “التغيير الديموغرافي” لوصف التقسيم، الذي أبدى دي مستورا قلقه منه أمس، وهو الذي يشرف عليه، أو يراقبه مثل حكم تماس، ويعلم أن رفع راية التسلل غير مجدية ما دامت الصفارة بيد أمريكا وروسيا، وهما حكما الساحة والتماس. وتعبير التغيير الديموغرافي وصفٌ إداري، أقل شدّة من الترانسفير، والترحيل ذي الحمولة الاستعمارية الإحلالية.

إلا أن وصف الترانسفير أولى فأولى، فالتغريبة وصف معروف لهجرات بني هلال من نجد إلى أرض الكنانة ثم إلى تونس، بعد تغلب الفاطميين على عالية نجد. ابن خلدون وصفها بالانتقال، أما الترانسفير، فعقيدة غربية إحلالية استيطانية، في المكان، وفي الفكر، والعقيدة أيضاً.

أول ترانسفير شامل، نعرفه، هو طرد شعب فلسطين، لإحلال “شعب بلا أرض، في أرض بلا شعب” محلهم، وكان حلاً “للمسألة اليهودية” في أوروبا. رحّل الغرب اليهود إلى فلسطين بوعد بلفور، وكان تصديراً لمشكلة غربية إلى فلسطين، إلا أن القدوة الأولى هي أمريكا، التي لم تكتفِ بطرد الهنود الحمر من ديارهم، فأفنتهم بالرصاص وبالأمراض الفتاكة، وتركت بضعة آلاف من أجل الصور التذكارية، وأدوار الشر في أفلام الكاوبوي، وكانت تحتفظ بجماجمهم في المتاحف، كذكرى من المعارك مع “الهمج المتوحشين”. ومثل ذلك نقل الافارقة إلى المستعمرات من أجل العمل.

وقبل إبادة الهنود الحمر، كان قد جرى نقل الساخطين البيوريتان، والمجرمين الخطرين من أوروبا إلى أمريكا الشمالية، فقاد هؤلاء الضحايا المرحّلين معركة الاستئصال، وترحيل أهل أمريكا الأصليين إلى ما تحت الأرض. ويذكر عبد الوهاب المسيري أن البيض كانوا ينقلون البضائع الفاسدة إلى المستعمرات المحتلة، فيصيبون ربحين في تجارة واحدة: ربح المال، وشهوة القتل، وهم ما زالوا يفعلون، فينالون المجد الإنساني بتزويد المحاصرين في الغوطة وغيرها بالغذاء الذي انتهت مدة صلاحيته، فيقتلونهم بخيرات الأطعمة الفاسدة. ويندرج في هذا نقل النفايات، لدفنها في العالم الثالث.

 قسم علماء اجتماع العالم الأول، البشرَ إلى ثلاثة عوالم، وفئات، وكأنهم كهنة هندوس، والعالم الغربي يقوم بالتحديث و”الأب ديت” دائماً، فالتقدم حتمي، وهو تقدم “إلى الأمام.. إلى الأمام”، ليس على طريقة القذافي، وليس حتى على منهج كوندورسيه الفرنسي، الذي يقول بحتمية التقدم، فهو تقدم من غير أخلاق، دال من غير مدلول، وهو جوهر الحضارة الغربية حضارة الفوارغ “ديسبوزل”، وحضارة التحول الدائم، وغياب الثبات. وثمة أخبار كثيرة، وأحلام بالهجرة من الأرض إلى كوكب آخر، وبعضهم يشتري أرض المريخ من الآن، وهو ما بشر به نجم الفلاسفة هوكينغ، الذي عرّف الذكاء بأنه التكيف مع التغيير، وعليه يكون نمر زكريا تامر في اليوم العاشر، المرذول المسكين، المروّض، من أذكى الكائنات!

الترانسفير في حضارة الغرب وفكره على أشده، وسنجد ترانسفيراً فكرياً وعقائدياً بنقل الألوهة من السماء إلى الأرض، كما يرى الموحّدون، ثم صلب المسيح، وحمل آثام ترانسفيرات الدم، ثم نفي المسيح إلى الكنائس، ثم أعلن نيتشه موت الإله. ويجري حالياً عملية ترانسفير للجنس، وترحيل للذكورة والأنوثة، إلى جنس ثالث، هو الجندر في عصر الهيومانية، والتمركز حول الإنسان، بعد انتهاء عصر التمركز حول الله. لا يكفُّ الغرب عن ترحيل البشر، والعقائد والأفكار، والبضائع والقنابل: سيارات جديدة، أزياء جديدة، كل يوم فيديو كليب بلا منطق عقلي، وهي تجليات الترانسفير في الحياة اليومية.

الغرب يطبق الترانسفير ويعيشه ، و يطبقه بطريقة أقسى على مستعمراته. إنه يغير رؤساءه، و قد يحبسهم بتهم الفساد، ويعبد نجوم السينما،  ثم ينكل بهم بفضائح، ويغيّر الصديقات من أجل لذة لا تشبع، فالمساواة التامة تحولت الى تسوية تامة، والترانسفير يقع للعجائز والمسنين، الذين يرحلون من بيوتهم، للعيش في بيوت العجزة، وللأطفال في رياض الأطفال، وكانت أفران الغاز نهاية لطبقات أو أعراق بشرية في ألمانيا والاتحاد السوفيتي، هذا لا يعني أن الغرب هو السبب الوحيد وراء كل مآسي العالم، فالهنود الحمر كانوا يؤمنون بعقيدة النهاية.

يعتبر المسيري عمليات التجميل، التي يتحول فيها الإنسان إلى كائن جديد، ترانسفيراً في الذات، وأمس قام رئيس عربي بعملية ترحيل للونه، فرأيناه في حملته الانتخابية، في حديقة القصر الرئاسي، وقد تحوّل من اللون الأسمر، إلى لون النمر الوردي. يناصر الغرب كل الزعماء العرب المتحوّلين، ومبدّلي عقائدهم، أو شعوبهم كرهاً لا طوعاً، وتسمى أحياناً بالذرائعية. ويقلبون ظهر المجن للزعماء الثابتين، وللشعوب التي ترفض بيع أرضها، وتدافع عنها، مثل الشعب الفلسطيني، والشعب السوري.

مؤخراً، عمل الغرب على نقل الأرض للدول، بعد نقل الشعوب والأمم إلى الرض، نجد مثاله في تخلي مصر برئيسها الحالي عن ملكية تيران وصنافير، حتى يصير المضيق ممراً دولياً. صفقة القرن هي ترانفسير جغرافي للقدس المقدسة، إلى ضواحيها: أبو ديس.

من جهة أخرى معاكسة، يمنع الغرب عملية نقل السلطة إلى الشعوب العربية، وكاد للربيع العربي كيداً كبيراً. ويحرص كل الحرص على جعل السلطات بيد الطاغية، الذي يتحكم بكل شيء، ويفرش له السجاد الأحمر، مع بعض أنواع النقد، كفضلات لمنظمات العفو الدولي، وسواها.

وبعد استعراض ألوان من الترحيل، الاستعماري، واليومي، والفكري، والبدني، والذاتي، يمكن أن نستذكر ترحيل آدم من الجنة، وهو لا يشبه الترانسفير، لأن آدم أخلَّ بالعقد، وهبط خليفةً في الأرض، أما الترانسفير الاستعماري الأميركي والإسرائيلي والسوري، فلبه ولبابه هو أن المربوب الوافد طرد رب الأرض من جنة وطنه!

المصدر: المدن

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

أحمد برقاوي يكتب: ثقافة التطفل

أحمد برقاوي هل يمكن النظر إلى التطفل بوصفه ذهنية لجماعات بشرية؟ وإذا ...