الرئيسية / ضيوف وزوار / خضر زكريا يكتب: أحمد برقاوي وصادق العظم والعلوية السياسية

خضر زكريا يكتب: أحمد برقاوي وصادق العظم والعلوية السياسية

الرابط المختصر:

خضر زكريا

ما كنت لأعلق على مقال الصديق أحمد برقاوي: “صادق العظم وفكرة العلوية السياسية”، (جيرون 18 آذار/ مارس 2018)، لولا أنه قال: “الحق أن هذا الموقف من صادق موقفٌ خاطئ، فضلًا عن أن فهم فكرة صادق فهم هو الآخر خاطئ، كخطأ صادق نفسه، في طرح هذه الفكرة لفهم الجماعة الحاكمة”، وكأن برقاوي معلّمٌ يصحح الإملاء لتلاميذه، وليس محاورًا جادًا في موضوع شائك كهذا، وليس “الفيلسوف” الذي يعرف أنْ ليس في الفلسفة، ومنها الفلسفة السياسية والفكر السياسي، خطأٌ وصواب، بل مدارس وتيارات ووجهات نظر.

الجملة التي نقلها برقاوي: “لا يمكن للصراع أن يصل إلى خاتمته بدون سقوط العلوية السياسية، تمامًا كما أن الحرب في لبنان ما كان يمكن أن تصل إلى خاتمتها بدون سقوط المارونية السياسة (وليس الموارنة) في لبنان”، مقتطفة من لقاء أجرته ديمة ونوس مع صادق العظم، ونشر في (المدن 13/ 12/ 2014). والخطأ الذي ارتكبه صادق، من وجهة نظر أصدقاء البرقاوي العلويين، هو أن “ربط النظام بالطائفة العلوية يجعل العلويين مسؤولين مسؤولية مباشرة عن ممارسات النظام، في الوقت الذي كانت فيه عصبة النظام الحاكمة مؤلفة من جميع الطوائف، وما زالت على هذا النحو، كما يقولون، ويذكرون الأسماء السنية والدرزية والإسماعيلية والمسيحية التي رافقت حافظ الأسد في حكمه، والأسماء التي تحلّقت حول حكم ابنه الوريث، وبالتالي فإن الحديث عن (علوية سياسية) لا يصدر إلا عن وعي صادق بسنّيته الدمشقية، كما يَرَوْن”.

يعلق أحمد برقاوي، في سياق نفيه وجود علوية سياسية في سورية، قائلًا: “لقد التهمت الأجهزة العسكرية والأمنية شباب الطائفة، وخلق [هذا] تفاوتًا طبقيًا واجتماعيًا، بين فئة الضباط العلويين الذين يشكلون ثمانين بالمئة من الجيش والأمن والموظفين الكبار، من جهة، والأفراد والموظفين الصغار من جهة ثانية”.

قل لي، يا صديقي أحمد، ما الفرق بين ما تقوله وبين ما قاله صادق في المقابلة نفسها التي نقلت منها الجملة السابقة: أنت تقول إن فئة الضباط العلويين يشكلون ثمانين بالمئة من الجيش والأمن والموظفين الكبار، وصادق يقول إن العمود الفقري للسلطة والدولة وأجهزة الأمن من الطائفة العلوية. يقول صادق مميزًا بين الطائفية في لبنان وطائفية النظام السوري: “في لبنان، عبّأت الطوائف المكوّنة للمجتمع اللبناني نفسها، ودخلت في حرب شرسة في ما بينها (خاصة الدروز والموارنة)، وكانت السلطة غائبة عن ذلك كلّه، والدولة على الهامش تمامًا (…) في سورية اليوم، لا نجد طوائف معبّأة عسكريًا بعضها ضدّ بعضها الآخر، أو جاهزة للولوج في صراع مسلّح في ما بينها، باستثناء العمود الفقري للسلطة والدولة وأجهزة الأمن والقمع أي الطائفة العلوية من جهة، والعمود الفقري للثورة أي الأكثرية الشعبية السنّية، من ناحية ثانية”. ليست الطوائف هي التي تتصارع، إذًا، بل العمودان الفقريان لطرفي الصراع. هل ترى فرقًا بين القولين؟

لكن استخدام النظام الطائفة، ومحاولات جرّها لتقف إلى جانبه، بتخويفها من “الأكثرية السنية”، أوضح من أن يحتاج إلى دليل. وصادق، مثلك ومثلي ومثل غيرنا من المثقفين الداعمين للثورة السورية والعاملين على تحقيق الحرية والكرامة للشعب السوري كله، بعلوييه وسنييه ودروزه وعربه وأكراده… يعرف ويكرر أن آل الأسد استخدموا كثيرًا من أبناء الطائفة السنية، في مواقع عديدة من أجهزة الدولة، لفرض هيمنة الأسرة الحاكمة على جميع مفاصل الحياة السياسية في سورية. يقول العظم في مقالة بعنوان (سورية في ثورة)، كتبها بالإنجليزية في شباط/ فبراير 2015، وترجمت في أكثر من موقع: “وتعلم دمشق كلها أن الجيش، وحزب البعث، وأفرع المخابرات، والاقتصاد المدار على الطريقة السوفييتية، والجهاز الإداري في الدولة -والتي يهيمن العلويون عليها- تمثل جانبًا واحدًا من المركّب. وأما الجانب الآخر -ذو العقلية التجارية المدنية- فيهيمن عليه السنّيون”. ودعا ذلك “مركّب التاجر العسكري”.

ويعرف صادق أيضًا أن نظام الأسد استخدم العلويين البسطاء ليس فقط لتخويفهم من “الأكثرية” السنية، بل لأغراض طائفية محددة، وتحديدًا لمنع تفكيك البنى الاجتماعية السابقة للوطنية، ولا سيما الطائفية. كان تفكيك تلك البُنى الاجتماعية التقليدية يتطلب أنظمة مدنية ديمقراطية حقيقية، تؤسس للشعور بالمواطنة المتساوية التي تحل محل الشعور بالانتماء إلى الطائفة أو القبيلة أو الإثنية، عن طريق تحولات اجتماعية اقتصادية تحقق العدالة الاجتماعية، وترتقي بمستوى الناس المعيشي. وهذا ما لم يتحقق في سورية. بدلًا من ذلك تسلط نظام استبدادي مافيوي على رقاب الناس، نهب خيرات البلاد وأفقر أبناءها، واستخدم كل وسائل القهر والإذلال للإبقاء على سلطته. ومن أجل ذلك، استخدم سلاح الطائفية لتكوين جهاز القمع اللازم. أما أن يكون قد اعتمد على العائلة بالدرجة الأولى، أو أن يكون استخدم بعضًا من أبناء الطوائف الأخرى، فهذا لا يغيّر من حقيقته شيئًا، ولا يغيّر من تلك الحقيقة مطلقًا أن يستخدم “أيديولوجية الطائفة”، أو أيديولوجية البعث “القومية الاشتراكية”، أو مقولات العلمانية أو غيرها.

أما الاختلافات الشكلية والقانونية التي تحدّث عنها الصديق أحمد، فلم يتطرق إليها صادق، رغم أنه كان يدركها تمامًا، وقد عبّر عن الفرق بين الطائفية في لبنان والطائفية في سورية، في أكثر من مكان وأكثر من صيغة: “ليس هناك مؤشرات لحدوث الصراع الطائفي. لا ينوي الدروز في سورية الهجوم على جيرانهم السنة في حوران. ولا يستعد السنة لغزو المناطق الإسماعيلية أو المسيحية. ولا يُعِد الإسماعيليون العدة لتسوية عنيفة للحسابات القديمة مع المجتمع العلوي، إلخ… لم يحدث أن قامت أي جماعة، أو طائفة، أو عرق بالتعبئة الجماعية للقتال إلى جانب النظام أو الدفاع عنه”.

كان صادق يتحدث عن الحل، وليس عن أي تماثل أو تشابه بين “العلوية السياسية” و”العلوية المارونية”. كان يؤكد على ضرورة تغيير بنية الجيش والأجهزة الأمنية، بحيث لا يحتكر ثمانون بالمئة من قادتها السلطة فيها، وبالتالي ضرورة إنهاء الانطباع السائد لدى الأكثرية الساحقة من الشعب السوري، بأن النظام طائفي (علوي).

وكان صادق العظم محقًا عندما قال: “جميع الاجتماعات والمؤتمرات والمناقشات، التي شاركت فيها خلال السنوات الماضية، كانت تتهرّب عمدًا من الاعتراف بوضوح بالأبعاد الطائفية للصراع في البلد، وكأن ذكر الشيء يجلبه وعدم ذكره يبعده. أما في الجلسات الخاصة ولحظات المصارحة وحلقات المثقفين المغلقة، فكان البعد الطائفي هو الذي يطغى على التحليل والنقاش والتفسير والمصطلحات”.

الطائفية في التحليل السوسيولوجي، مثلها مثل القبلية والجهوية والعائلية، هي إعلاء الانتماء إلى الطائفة (وكل الانتماءات الأخرى ما قبل الوطنية) على الانتماء الوطني أو القومي. وهي الاستناد إلى الطائفة في تبرير الهيمنة والسيطرة وتهميش الآخر. وعلينا نحن -الباحثين والمثقفين- ألّا نخشى الخوض في هذه الظواهر تجنبًا لتهمة الطائفية، بل علينا أن ننخرط في بحث مآل ظاهرة الطائفية وتحولاتها المحتملة. لقد تكونت البُنى التقليدية للمجتمعات (الطائفة، والقبيلة والعشيرة، والإثنية وما شابه) عبر التاريخ، وتكوّنت لها خصائص صارت تؤثر في الحراك السياسي، شأنها شأن الخصائص الطبقية وغيرها. وعلينا أن لا نشيطن الانتماء الطائفي أو القبلي أو الإثني.. أو نتجنب الإشارة إليه. فالناس، بطبيعتهم، يعودون لهذه الانتماءات في أوقات الأزمات والصراعات، وفي مواجهة عسف السلطة واستبدادها وفسادها.

المصدر: جيرون

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

محمد ديبو يكتب: فرنسا ووسام الدكتاتور

محمد ديبو لا يمكن للمرء أن يقرأ خبر بدء قصر الإليزيه الفرنسي ...