الرئيسية / ضيوف وزوار / أديب البردويل يكتب: الآيديولوجيا والتخلف

أديب البردويل يكتب: الآيديولوجيا والتخلف

الثــــــورة الســــــــــورية والمشــارط الآيديولوجيّـــة: الـعَـلمانيــّـة
الرابط المختصر:

أديب البردويل

إن التحليل ذو البعد الواحد، يفرغ السببية من محتواها العلمي والتقدمي، حين يجعل لما حدث أو يحدث سبباً وحيداً، فهو آيديولوجي الرؤية، أي أنه يرى الواقع كما تراه هي، وكما تُريه إياه فكرته المتوحدة في رأسه، والتي اقتطفها بدورها من رؤوس أقلام وعناوين كبيرة، لا وجود فيها للتفصيل والتحليل، فيختزل كل مايجري في الواقع إلى حدث رئيس سببه واحدٌ، وقد عودنا على الدوام، أن يكون السبب مبرءاً للذات ومدينا للآخر، لأنه يرى نفسه معصوماً، لكن إن صار، واعتبره داخلياًـ ذاتياً. فهو إما ديني أو طبقي أو خيانة رجعية، نازعاً عن السبب الحقيقي تاريخيته، أي منطق مكونه الزماني والمكاني، ليتحوّل إلى موقف، كلاموي بقولٍ واحدٍ، حيث يصير ما هو موجود وما يحدث، وما نتج فكرةً تقوم على تصوره، وهذا هو خطر زيف الآيديولوجيا الذي يبلع من يسقط فيه.
هزيمة الجبهات العسكرية العربية في 5 حزيران، شكلت الحدث الرئيسي الذي هبط على رؤوس التيارات الفكرية والسياسية، ووضعها أمام نفسها لتدور حولها بلا طائل.
تعددت اسباب الهزيمة في تيارات العقل العربي، واختلفت حولها، حتى يُخيّل للمراقب أنها متناقضة، لكن سرعان ما يكتشف بعد تأملها قليلاً أنها من طينة ذهنية واحدة، قاعها العقلي واحد. فخلافها الشكلي الظاهري، لا يعني أبداً اختلافها النوعي أو الباطني.
1) فالعقلية الدينوية، رفعت السبب من الأرض إلى السماء، إما لعبرة إلهية ما، أو لتنبيه إيمانوي، قصّرت الأمة بتأدية مبتغاه، مما يدلل على أن حيزاً كبيراً من التفكير العربي، يسبح في فضاء الآيديولوجيا، على حد قول المفكر ياسين الحافظ، كما أن هذه الآيديولوجيا الإسلاموية، تسبح هي الأخرى في فضاءات ما وراء الطبيعة.
2) أما الأرضيون من رجالات الفكر العربي، فقد اختلفوا في رؤيتهم سبب هزيمة الأمة أمام إسرائيل، وكان اكثرهم مندرج في واحد من اتجاهين:
القوماويون الذين يعتبرون ماحصل مؤامرة إمبريالية على الأمة، لضرب وإسقاط أنظمتها التقدمية كحزب البعث مثلاً، لذلك وضعت تلك الإمبريالية كل إمكانياتها من أجل إنهاء هذه الأنظمة المخيفة بتقدمها، وفشل غاية العدوان يتجسد بأنها لم تستطع زحزحة هذه الأنظمة من كراسيها، وها هي باقية تعربد في محطات إذاعاتها من المحيط للخليج، غير آبهة لما حدث من كارثة للجيوش العربية وللإنسان العربي، طالما هي مازالت موجودة، وتتوعد أعداءها بنار جهنم. إنه فكر يعتبر الصراع في الوجود صراعاً عسكرياً سلاحوياً من جهة، وعزيمة إرادوية قوامها الإرتجال والتهويش والجعجعة الممتلئة بذواتهم الفارغة.
الماركساويون والذين اكدوا، أن من يتحمل هزيمة الأمة هو الطبقة الحاكمة، على اعتبارها طبقة بورجوازية، لا يهمها سوى مصالح نفسها، وهذه الطبقة مستعدة دائما أن تفرط بقدرات ومكانة الوطن، لأنها غير شعبية أولاً، ولأنها لا تنتمي إلى الطبقة العاملة ثانياً، إنها طبقة متذبذبة لا مبدأ لها سوى ربحها، لكنّ ماركسويينا لم تسعفهم عيون الآيديولوجيا بقراءة الواقع على حقيقته، لذلك لم يعرفوا ولم يفهموا، أن مجتمعاتنا المتأخرة تاريخياً، لم تشهد ميلاد طبقة بورجوازية اقتصادية متفاعلة مع متطلبات مجتمعها المتناسبة مع مصلحتها، وتقودها بثورة بورجوازية تحديداً تنجز خروجها من مكوناتها القديمة: عشائر طوائف قبائل إلى مكونات جديدة أي مكونات اجتماعية جديدة، تتيح لقيام صراع طبقي، لأن الصراع الطبقي لا يقوم إلا في مجتمع موحد مندمج قومياً، ودون الثورة البورجوازية القومية، لن يتكون صراع طبقي، وقد غاب عن وعي ماركسيينا النجباء أن أسرائيل، لا تحكمها طبقة عاملة، بل طبقة بورجوازية، وقد هزمت بقيادة طبقتها تلك جيوش الأمة العربية المُساقة تقدمياً وثورياً كلها!!
كان ياسين الحافظ وحده تقريباً من وقف بوجه هذه الإيمانويات المتخلفة جميعها، نعم ذات عقل إيمانوي واحد، رغم تعددها وظاهر اختلافها. إنها عقل أخذ إجازة تاريخية من التفكير وارتاح من التحليل والتفسير. فهي قد اهتدت إلى نص جاهز وجدت فيه كل الحلول المطلوبة للواقع، وكفى الله المؤمنين شر القتال، والسبب بسيط وواضح فهو: إما سماوي، أو مؤامرة خارجية، استندت إلى رجعية داخلية، أو طبقي، لم يعوا ولم يروا كما دعاهم الحافظ إلى الذهاب للواقع بوعي تاريخي، أي إلى معرفة مكونات المجتمع ودرجة تطورها بغض النظر عن العصر الذي يعيش فيه، لأنها هي حوامل الحراك الاجتماعي، وحوامل تقدم أو تخلف الأمة.
لم يفهم المفكرون المفسرون، أن مكونات تنتمي للعصور الوسطى، لا يمكن لها أن تقاوم مكونات مجتمعات حديثة، وأن مجتمعات ماقبل قومية طائفية قبلية عشائرية، لا يمكنها إلا أن تنهزم أمام مجتمع حقق اندماجه القومي وتماسكه وسوره الوطني، وأنجز نخبته الممتلكة لوعي كوني، ومناسب لحاجات مهماتها عسكرياً وفكرياً واجتماعياً واقتصادياً، أي على كل المستويات، التي تنتج وتشكل حياة متقدمة ومنتصرة. فالهزيمة إذاً هزيمة حضارية، هزيمة لكل المجتمع بكل مكوناته الهزيلة والرثّة، هزيمة دلّت أول ما دلّت على هزيمة الفكر السياسي العربي بجميع تلاوينه ومشاربه، الفكر الذي كان ومازال غريباً وجاهلاً ما يلزم مجتمعه للتصدي أولاً للانحدار السريع الذي يجرف أمتنا، كي يكون لها سبيل مواجهة أعدائها.

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

أحمد برقاوي يكتب: ثقافة التطفل

أحمد برقاوي هل يمكن النظر إلى التطفل بوصفه ذهنية لجماعات بشرية؟ وإذا ...