الرئيسية / مقالات / عبد الله التركماني يكتب: لماذا حدث التحوُّل في الثورة السورية المغدورة؟

عبد الله التركماني يكتب: لماذا حدث التحوُّل في الثورة السورية المغدورة؟

الرابط المختصر:

عبد الله التركماني

ثمة قضايا ومشكلات وتعقيدات كثيرة اعترضت ثورة السوريين، وأعاقت طلبهم الحرية والكرامة والتغيير السياسي، وساهمت في كل الخراب والتشقق في أحوالهم، وفي رؤيتهم لذاتهم.

لقد حدث التحوُّل لأسباب وعوامل متعددة، منها ما هو تحوُّل اضطراري لتسلّح الثورة، كخيار مفروض ردًّا على الخيار الأمني لسلطة آل الأسد. لكنّ العسكرة جرت بشكل عشوائي، كما تم إفشال جميع محاولات إنشاء قيادة موحدة تتمتع بقرارات مركزية مطاعة من الجميع. وابتعد حاملو السلاح -تدريجيًا- عن الارتباط بالحراك المدني، وعملوا لوضع المؤسسات المدنية التي أقامتها الثورة تحت سيطرتهم، بدلًا من أن يحدث العكس: أن تتبع القوى العسكرية لقيادة سياسية. مما ترك المجال لتعملق عسكريي الثورة وإطلاق غرائزهم لإخضاع الحراك المدني لكتائبهم المسلحة.

كما أنّ الأسلمة المتطرفة للعمل المسلح لم تأتِ فقط من غزو الجهاديين الخارجي، بل أيضًا من تأسلم الكتائب للحصول على الدعم المادي والتسليحي من قطر والسعودية وتركيا، وكذلك تفكُّك الثوار المناصرين للديمقراطية وانتقال الكثير منهم إلى منظمات إسلامية تمتلك مصادر مالية وتسليحية كبيرة. كما أنّ سلطة آل الأسد رفدت الكتائب الإسلامية بأعداد كبيرة من الجهاديين الذين كانوا في سجونها، والذين أصبحوا قادتها وعمودها الفقري. كما استندت الأسلمة إلى عامل محلي هو درجة عالية من التديُّن، تميزت بها قطاعات واسعة من الشعب السوري، خاصة في الأرياف، كرد على ظلم النظام الذي دام عقودًا. كما ساهم وجود منظِّرين إسلاميين مدعومين من قوى إقليمية، يعملون بشكل منظّم عبر وسائلهم الإعلامية، بتسطيح الفكر الشعبي لدى المؤيدين للثورة، وبالمقابل انحسار -إن لم يكن غياب- العمل المنظّم للقوى الديمقراطية، الذي يدعم الثورة فكريًا وتثقيفيًا. لكنّ التديُّن الشعبي شيء والتطرف في تديين أهداف الثورة شيء آخر، لا يتفق مع الغالبية المؤمنة في سورية، التي كان واضحًا -منذ البداية- أنّ ثورتها لا تهدف إلى إقامة دولة دينية بل دولة وطنية ديمقراطية حديثة.

وسيكون من الصعب أن تنتصر ثورة يذهب ساستها في اتجاه وعسكرها في آخر، ولن تنجح نضالات يستخدم الساسةُ العسكرَ فيها لمقاصد عصبوية، لا علاقة لها بمبدأ وطني أو ثوري. في المقابل، لن تنجح ثورة يعزِف عسكرها عن تصحيح مسارها، علمًا أنّ انقساماته وخلافاته لعبت دورًا كبيرًا في تقويضها، مثلما لعبت خلافات وانقسامات السياسي دورًا مخيفًا في تمزُّقه وهزائمه.

وهكذا شهد الحراك الشعبي السوري تحوُّلات وانعطافات حادة، دفعت وجهته العامة في منحى انحداري، أفضى إلى كارثة إنسانية وحرب قذرة -كما شهدنا مؤخرًا في الغوطة الشرقية- تطبعان المشهد السوري على مستوياته كافة. ومما لا شك فيه أنّ ذلك ناجم من جملة عوامل داخلية وخارجية، تشمل القمع الوحشي من قبل سلطة آل الأسد، مرورًا باستجابات الشارع المنتفض وردّات فعله، والتدخلات الخارجية بشقيها، المساند منها للسلطة أو للمعارضة، ثم الأجندات الخاصة لبعض الجهات، السورية وغيرها، التي رأت في الأوضاع التي ظهرت في أعقاب الثورة فرصتها لتنفيذ مشاريعها.

فما هي مآلات الجمهورية السورية على صعيد الدولة والمجتمع، وعلى صعيد الجغرافيا والديموغرافيا؟ وهل ما زال ثمة أمل يرجى من استمرار هذه الجمهورية؟ وما هي الإجماعات الجديدة التي ستتشكل عند السوريين؟ وأخيرًا ما هو شكل المشرق العربي الذي ننتظره؟

جيرون (باريس)

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

عاصم عبد الخالق يكتب: رسائل صفقة الصواريخ الروسية

عاصم عبد الخالق اعتبرت وسائل الإعلام أن تزويد سوريا بمنظومة الصواريخ الروسية ...