الرئيسية / مقالات / جميل مطر يكتب: متى يشن ترامب هجمته المضادة؟

جميل مطر يكتب: متى يشن ترامب هجمته المضادة؟

الرابط المختصر:

جميل مطر

أتصور أن الرئيس دونالد ترامب صار يشعر بالخناق المفروض عليه يشتد إحكاماً. أتصور أنه أدرك أن خصومه عادوا ينظمون الصفوف ويستعدون لتوجيه ضربتهم الحاسمة. الكل يعرف أن نظام الرئيس ترامب مهدد بفقد أغلبيته البرلمانية. رأيناه مناوراً قادراً وعرفناه صاحب مشروع، وبناء على ما رأينا وعرفنا نستطيع أن نتصور أنه يستعد الآن لشن هجمة استباقية تنشر الارتباك في صفوف خصومه وتزيد أو تثير الشكوك في صدقية ونزاهة مؤسسات في الدولة والمجتمع ناصبته العداء لأكثر من عام. ترامب يبدو لي أنه يستعد ليستعيد زمام المبادرة.
عام وأكثر والرئيس ترامب مشتبك في معركة حياة سياسية أو موت على جبهات عديدة. الأشد قسوة وفعالية ربما كانت الجبهة التي استخدم فيها الطرفان كافة أنواع الأسلحة التقليدية والأحدث تكنولوجيا المتوافرة في ترسانتيهما، إنها الجبهة الإعلامية. لا أبالغ، وأنا مدرك جيداً حقيقة أن كل الأطراف تبالغ هذه الأيام، لا أبالغ حين أسجل أنني على امتداد تجاربي المتشعبة في مهن متعددة لم أمر بفترة عشت فيها شاهداً على حرب إعلامية، خارجية أو داخلية، اتسمت بالقسوة والتفنن والتنوع التي اتسمت بها فترة العام وأكثر قليلاً التي عشتها شاهداً على الحرب الدائرة بين معسكر الرئيس ترامب من ناحية والمعسكرات الليبرالية والإصلاحية والديمقراطية من ناحية أخرى. أسجل أيضا أن ترامب، رغم شراسة المعسكر الآخر لا يزال واقفاً على قدميه صامداً، بل ومتحدياً وساعياً لمزيد من النزالات. تلقى، ويتلقى، ضربات موجعة يصدها ويردها بضربات أوجع.
عرف مثلاً كيف يلتف حول الإعلام التقليدي باستخدام أسلوب يصعب مجاراته بالأساليب التقليدية. بتغريداته هو الأسبق زمنياً، بمعنى آخر هو الحائز بفضلها على ميزات السبق والمبادرة. وبقدراته الهائلة على صنع وقائع هائلة وعدم إنكاره أولوية مصالحه ومصالح عائلته الخاصة على مضمون شعار «أمريكا أولاً»، بهذه القدرات استطاع أن يحتفظ لنفسه بنفس أطول نسبياً من نفس أقوى القنوات التلفزيونية تأثيراً وأوسع الصحف الكبرى انتشاراً.
يسجل له أيضا أنه استمر في الوقت نفسه مشتبكاً مع قطاعات مهمة في النخبة البيروقراطية المشتركة معه بالضرورة وبحكم وظائفها في حكم البلاد. كان لا بد أن يتصادم مع جهاز التحقيقات الفيدرالي ولم تزل نتيجة التصادمات المتكررة غير حاسمة، وإن كان أغلب المعلقين يعلقون على هذه العلاقة المضطربة مصير حكومة الرئيس ترامب. وكالة التحقيقات نموذج مهم لكنه ليس النموذج الأوحد للطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة، ولا يخفى أن ترامب جاء بمشروع أهم بنوده غير المعلنة القضاء على رموز هذه الطبقة وكسر احتكارها مسؤولية إدارة الدولة الأمريكية. نذكر أن الرئيس بدأ ولايته بحملة رئاسية شنها ضد أجهزة الاستخبارات كافة، انتصر في أجزاء منها كما مع وكالة الاستخبارات المركزية التي كافأها بتعيين رئيسها وزيراً للخارجية.
لم يتجاوز محللون الحقيقة عندما وصفوا دونالد ترامب بالرئيس تحت الحصار. الرجل محاصر من جهات متعددة. تحاصره كوكبة من النساء يتهمنه بالتحرش وبما هو أبشع من التحرش. هو متهم بخيانة زوجاته وبينهن ميلانيا آخرهن وأقلهن رغبة أو مصلحة في إثارة المشاكل له، ربما لأنها لا تريد أن تحرم ابنها من الحصول على مثل ما حصل عليه أخوه من نصيب في جاه الأب وثرواته إن هي أثارت غضب الأب المحاصر.
تحاصره أيضا وعوده التي قطعها على نفسه أثناء الحملة الانتخابية. يحاصره زمر من العمال من ذوي البشرة البيضاء يرفضون تطوير أنفسهم تكنولوجياً بعد أن فقدت مصانعهم القديمة سبب وجودها في بيئة عولمة سريعة التغير أو التقدم. ويحاصره متدينون متصلبون في طائفة ينتشر أعضاؤها في قلب الدولة ومجتمعاتها الريفية والهامشية. هؤلاء يحركهم بينس نائب الرئيس وحاكم ولاية أنديانا السابق ومن أشد القادة السياسيين تطرفاً، خاصة في المسألة الفلسطينية «الإسرائيلية».
مؤشرات غير قليلة العدد والأهمية لفتت النظر إلى ما يمكن أن يكون بدايات في سلسلة إجراءات تصعيدية لحماية حكم الرئيس ترامب والقوى السياسية والاقتصادية المدافعة عنه. هناك على سبيل المثال ما اتخذه ترامب مؤخراً من عمليات «تطهير» في البيت الأبيض تخلص بفضلها من عشرات من الموظفين المشكوك في ولائهم المطلق، ومن موظفين سربوا أو يمكن أن يسربوا خفايا من البيت الأبيض. هناك ثانياً طرده ثلاثة من أهم مساعديه وهم وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي ووزير الاقتصاد، الثلاثة بشكل أو بآخر عارضوا بعض أهم سياساته وأسلوب عمله، والثلاثة لا يستطيع الرئيس أن يغامر بوجودهم في لحظة اتخاذ موقف حاسم من خصومه. هناك ثالثاً التسريب المتعمد من مواقع متعددة في البيت الأبيض والكونجرس عن خطة ينفذها الرئيس لتشتيت «المجموعة العسكرية» التي عاشت معه في البيت الأبيض، وكان غرضها فيما يبدو حماية الدولة والمؤسسة العسكرية من قرارات يصدرها رئيس عديم الخبرة بقضايا الأمن والحرب والسلم. فاجأهم بقراره استعداده الاجتماع برئيس كوريا الشمالية وكانوا يأملون في منعه من المساس بالاتفاق النووي الذي عقده المجتمع الدولي مع إيران، وها هو يعلن نيته سحب كافة القوات الأمريكية من سوريا. رابعاً، استدعاء جون بولتون من فضاء الإعلام المتطرف إلى العمل السياسي المباشر رغم كل ما يحيط بالرجل من غضب وأحياناً كره. هو الرجل الذي كذب في الأمم المتحدة ليبرر غزو أمريكا للعراق. لافتاً للنظر أن ترامب لم يتوقف عن مطالبته العراق، رغم الدمار الذي تعرض له، بدفع تعويضات لأمريكا عما تكلفته في هذه الحرب.
المؤشرات كثيرة على أن الرئيس ترامب يستعد لتوجيه ضربة لخصومه يعطل بها ما يتصوره مؤامرة حيكت بإتقان لإسقاطه، وبعد إسقاطه إسقاط أمريكا.

الخليج (الامارات)

موقع الشاعر نزار قباني
x

‎قد يُعجبك أيضاً

حازم صاغية يكتب: الإنسانيّ من دون السياسيّ… لا إنسانيّ؟

حازم صاغية تضيف فنزويلاّ الشافيزيّة فصلاً بعد فصل إلى كتاب المآسي الإنسانيّة ...